من ينقذ بيت الوطن من ألاعيب حيتان الأراضي؟
سماسرة ومضاربات وعلامات استفهام حول أخطر ملفات أراضي المصريين بالخارج
النوايا الطيبة لا تكفي وحدها في المشروعات الكبرى، ووزارة الإسكان فعلت ما عليها لتمكين المصريين في الخارج من تحقيق حلم العمر والحصول على قطعة أرض، لكن هناك خفافيش تلعب في الظلام، وتحاول تحويل مشروع وُضع في الأساس لربط المصريين بالخارج بوطنهم إلى ساحة مفتوحة للتربح والمضاربة والمتاجرة في الأراضي.
المشكلة ليست في المصري الذي يعيش في الخارج ويحلم ببيت في وطنه، ولا في المغترب الذي يجمع مدخراته لشراء قطعة أرض يبني عليها منزلًا لأسرته، وإنما في الحديث عن فئة من التجار والسماسرة الذين يُتهمون باستغلال أسماء مصريين بالخارج للحصول على أراضٍ، ثم إعادة بيعها بأسعار تفوق قيمتها الأصلية بأرقام كبيرة، وتحويل المشروع من فرصة للمستحق الحقيقي إلى نشاط تجاري قائم على تدوير الأراضي وتحقيق مكاسب من فروق الأسعار.
ما يجري يجعل كثيرون يتسائلون هل ما زال “بيت الوطن” يؤدي الوظيفة التي أُنشئ من أجلها، أم أن هناك من يحاول اختطاف المشروع لحساب سوق موازية لا علاقة لها بفكرة المشروع الأصلية؟
عندما يدخل التاجر على الخط
منذ انطلاق مشروع “بيت الوطن”، كان الهدف المعلن إتاحة أراضٍ للمصريين بالخارج وأبنائهم وأحفادهم، وتشجيعهم على الاستثمار في مصر في مجال الإسكان والخدمات، وتؤكد هيئة المجتمعات العمرانية أن المشروع يستهدف تحقيق الترابط بين الوطن وأبنائه في الخارج.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول المستحق الحقيقي إلى مجرد “اسم” في عملية تجاريةن فبحسب الاتهامات المتداولة في هذا الملف، هناك تجار وسماسرة يُقال إنهم يعملون على استقطاب عمالة مصرية في الخارج، واستخدام بيانات وأسماء أشخاص تنطبق عليهم شروط التقدم، ثم الدخول بهم في منظومة الحجز والتخصيص، على أن تنتهي العملية بعد ذلك بالتنازل عن الأرض أو التصرف فيها لصالح أطراف أخرى.
«الإقامة» كواجهة؟
الأخطر من ذلك ما يثار حول إصدار إقامات صورية لبعض الأشخاص في الخارج ممن لا يملكون، وفقًا لهذه الاتهامات، عملا حقيقيا أو دخلًا دولاريا منتظما، ثم استخدام تلك الإقامات للدخول إلى منظومة المشروع، وهذه ليست واقعة يمكن حسمها بالكلام أو الانطباعات.
من التخصيص إلى «الأوفر برايس»
القضية لا تتوقف عند الحصول على الأرض، فوفق الاتهامات المتداولة، فإن الهدف النهائي لبعض المتعاملين ليس البناء أو الاحتفاظ بالأرض، وإنما تحقيق ربح من فارق السعر بين القيمة التي حصلوا بها على الأرض والسعر الذي يمكن بيعها به في السوق.
وهنا تظهر ظاهرة «الأوفر برايس»؛ قطعة الأرض التي يحصل عليها المتقدم ضمن منظومة الدولة، ثم تصبح بعد ذلك سلعة يتنافس عليها المشترون خارج المنظومة، بأسعار قد تصل إلى أرقام ضخمة مقارنة بسعر التخصيص.
ومن الناحية القانونية، فإن مجرد التنازل لا يعني تلقائيًا وجود مخالفة؛ فالتنازل عن الأراضي يخضع لضوابط وإجراءات مقررة من هيئة المجتمعات العمرانية. لكن تكرار نمط محدد، مثل الحصول على الأرض ثم التصرف فيها خلال فترات قصيرة، أو ظهور مجموعة من الحالات المرتبطة بالأشخاص أنفسهم، يستحق بالتأكيد الفحص والتحليل.
«المظلمة».. من المستند إلى التوك شو
المثير في الملف أن بعض الروايات لا تتوقف عند حدود الشكوى الرسمية، وإنما تنتقل إلى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
ويحاول بعض التجار والسماسرة تقديم أنفسهم للرأي العام باعتبارهم أصحاب «مظالم»، وتصوير أي إجراء تتخذه هيئة المجتمعات العمرانية باعتباره استهدافًا للمصريين في الخارج أو تضييقًا على حقوقهم.
ثم تنتقل الرواية إلى برامج «التوك شو»، حيث تتحول القصة أحيانًا إلى مادة جاهزة للتعاطف: مغترب مظلوم، ومدخرات ضاعت، وقرار إداري تسبب في أزمة.