11 جمادى الأولى 1448 الموافق الخميس 22 أكتوبر 2026

“صناع العمران” الحلقة الثالثة.. محمد إبراهيم سليمان من أروقة هندسة عين شمس إلى كواليس الإسكان

محمد إبراهيم سليمان
محمد إبراهيم سليمان

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا مع توليه مقاليد وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية عام 1993، خاضت الدولة المصرية إحدى أجرأ تجارب الخروج من الوادي الضيق ونقل الكثافة السكانية نحو الصحراء الشرقية والغربية.

كان الأكاديمي الشاب القادم من قسم الهندسة الإنشائية بجامعة عين شمس، الدكتور محمد إبراهيم سليمان، يحمل رؤية تعتمد على إنشاء مدن وتجمعات عمرانية متكاملة تجذب أصحاب رؤوس الأموال والطبقات المتوسطة على حد سواء، غير أن هذه الطفرة العمرانية الكبرى التي أثمرت مدنًا بحجم "القاهرة الجديدة" و"الشيخ زايد" و"الشروق" و"الساحل الشمالي" (مارينا)، اقترنت في الوقت ذاته بترسخ نظام "التخصيص المباشر" للأراضي؛ وهو الأسلوب الذي فتح الباب لاحقًا لواحد من أضخم ملفات التحقيق القضائي والمساءلة القانونية في تاريخ الإدارة المصرية المعاصرة.

ولكي نفهم ما قام به إيراهيم سليمان في عالم الإسكان والعمران في مصر .. دعونا نعود إلى الجذور والبدايات.

 

النشأة والبدايات الأكاديمية.. من باب الشعرية إلى الهندسة الإنشائية

ولد محمد إبراهيم سليمان في 7 يونيو 1946 في حي "باب الشعرية" بالقاهرة، ونشأ في بيئة شعبية متوسطة، ثم التحق بكلية الهندسة بجامعة عين شمس وتخصص في الهندسة الإنشائية؛ حيث تخرج فيها وتدرج في السلك الأكاديمي حتى حصل على درجة الدكتوراه، وأصبح أستاذًا بالكلية ورئيسًا لقسم الهندسة الإنشائية.

وفرت له الخلفية الأكاديمية والبحثية خبرة واسعة في دراسات الخرسانة المسلحة وتصميم المنشآت وتخطيط البنية التحتية، مما جعله محط أنظار الدوائر التنفيذية في وقت كانت فيه الدولة تبحث عن كوادر هندسية قادرة على إدارة ملف الإسكان والمدن الجديدة برؤية علمية سريعة الإنجاز.

 

الانطلاقة التنفيذية.. الحقبة الوزارية وإعادة تشكيل المجتمعات العمرانية

تولى محمد إبراهيم سليمان مسؤوليته الوزارية وزيرًا للإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية في أكتوبر 1993 واستمر في منصبه حتى نهاية ديسمبر 2005، وتعد هذه الفترة (نحو 12 عامًا) من أطول الفترات التي قضاها وزير في هذا الموقع الاستراتيجي.

تميزت رؤيته التنفيذية بالتركيز على تسريع وتيرة إنشاء المدن الجديدة وتفعيل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة كأداة تطوير عقاري وتخطيطي ذاتي التمويل، واعتمدت خطته على ترفيق الأراضي الصحراوية الضخمة ومد شبكات المياه والكهرباء والطرق إليها، ثم طرحها للمستثمرين والشركات العقارية والمواطنين، تحفيزًا للنمو العمراني السريع وخلق بدائل سكنية حديثة.

 

حصر وإثبات المشروعات والمدن الجديدة.. الجغرافيا والتخطيط

خلال فترة توليه الوزارة، أشرف محمد إبراهيم سليمان على تدشين وتطوير مجموعة من أبرز القلاع العمرانية والسياحية في مصر، والتي يمكن حصرها وتوثيقها استنادًا إلى سجلات هيئة المجتمعات العمرانية، وأهمها القاهرة الجديدة (التجمع الخامس وما حوله) ، حيث  صدر القرار الجمهوري بتأسيسها عام 2000 بدمج التجمعات السكنية (التي كان يطلق عليهم التجمع الأول والثالث والخامس) في كيان مدينة واحدة، لتصبح العاصمة العقارية والإدارية الجديدة للمحافظة.

أيضا يحسب لابراهيم سليمان مدينة الشيخ زايد التي تم تأسيسها وإسناد مخططاتها واستكمال مرافها في أواسط التسعينيات بالتعاون مع صندوق أفق (الشيخ زايد)، لتغدو المتنفس العمراني الغربي للقاهرة الكبرى، بالإضافة إلى مدينة الشروق ومدينة بدر اللتين تم التوسع في ترفيق المخططات العمرانية الخاصة بهما لدعم محور النمو الشرقي للقاهرة.

وهناك ايضا مركز مارينا العلمين السياحي الذي  شهد عهده استكمال المجموعات والمراحل من (مارينا 1 إلى مارينا 5)، والتي أضحت النموذج الأبرز للتطوير السياحي الساحلي الشاطئي المباشر من الدولة.

كما باشر الإشراف على امتدادات الطريق الدائري للقاهرة الكبرى ومحاور ربط المدن الجديدة بالعاصمة، إلى جانب تطوير شبكات مياه الشرب ومحطات الصرف الصحي الضخمة (مثل محطة الجبل الأصفر ومحطات مياه القاهرة الكبرى).

 

نظام "التخصيص المباشر".. فلسفة الإسراع وتحديات الإدارة

شهدت هذه الحقبة تحولاً جذريًا من نظام "المزاد العلني" التقليدي للأراضي إلى أسلوب "التخصيص المباشر" والأمر المباشر لكبار المستثمرين العقاريين والمطورين.

كان يسوغ إبراهيم سليمان هذا الأسلوب بأن المزاد يرفع أسعار الأراضي إلى مستويات قياسية تجعل المطورين يرفعون أسعار العقارات على المواطنين، بينما يوفر التخصيص بالأمر المباشر بأسعار محددة للمتر سرعة التنمية والالتزام بجداول زمنية محددة للتنفيذ.

غير أن هذا النظام فرض تحديات كبيرة؛ حيث منح الوزير وهيئة المجتمعات صلاحيات واسعة وتقديرية في تحديد أسعار المتر وتوزيع الأراضي الفاخرة، مما ألغى مبدأ المنافسة الشفافة وفتح الباب لاحقًا لاتهامات بإهدار المال العام وتربيح الغير.

 

التحقيقات والمحاكمات والتصالحات المالية.. المسار القضائي الدقيق

عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، جرت مراجعة واسعة لتخصيصات الأراضي والمشروعات العقارية التي تمت في عهد  محمد إبراهيم سليمان، وخضع الوزير الأسبق لسلسلة طويلة من التحقيقات أمام النيابة العامة وقضاة التحقيق، والتي أسفرت عن إحالته لعدة محاكمات باتهامات تتعلق بالإضرار العمدي بالمال العام وتسهيل الاستيلاء عليه

قضية أرض شركة "سوديك" (الحزام الأخضر)

اتُهم سليمان بتخصيص أراضٍ لشركة السادس من أكتوبر للتنمية والاستثمار (سوديك) بأسعار أقل من قيمتها السوقية وبمساحات تتجاوز الحدود المقررة، و أصدرت محكمة الجنايات حكمًا بالسجن المشدد 3 سنوات بحقه وتغريمه مبالغ مالية ضخمة، إلا أن محكمة النقض ألغت الحكم وأعادت المحاكمة، ليتوقف تنفيذ العقوبة ويتم إخلاء سبيله لاحقًا.

قضية تخصيص فيلات ومحلات مارينا والتجمع

شملت التحقيقات اتهامات بمنح استثناءات وتخصيص فيلات وأراضٍ ممتازة لأفراد من أسرته وأقاربه وبعض الشخصيات العامة.

في إطار قانون التصالح في جرائم العدوان على المال العام، تقدم د. محمد إبراهيم سليمان ورجال أعمال معنيون بالطلبات الرسمية لجهاز التصالح.

وفي فبراير 2021، تمت الموافقة الرسمية على التصالح المالي بين الدولة (ممثلة في اللجنة الوطنية لاسترداد الأموال والأصول) والوزير الأسبق ورجل الأعمال مجدي راسخ بمبلغ ناهز 1.315 مليار جنيه مصري لمصلحة خزانة الدولة مقابل انقضاء الخصومة الجنائية.

وفي ديسمبر 2021، قضت محكمة جنايات القاهرة بانقضاء الدعوى الجنائية نهائيًا في قضية الحزام الأخضر للتصالح واسترداد الدولة لحقوقها.

إرث محمد ابراهيم سليمان

تظل فترة محمد إبراهيم سليمان في تاريخ العمران المصري فترة محورية ومثيرة للجدل، فمن الناحية التخطيطية والعمرانية، يُحسب لعهده الجرأة التنفيذية في تحويل التجمعات الصحراوية الميتة إلى مدن حيوية تستوعب ملايين السكان حاليًا (مثل القاهرة الجديدة والشيخ زايد)، وخلق بنية تحتية هندسية ضخمة استوعبت الزيادات السكانية المتسارعة.

أما من الناحية الإدارية ، فقد كشفت تجربته عن ثغرات هيكلية في إدارة أراضي الدولة والاعتماد على السُلطة التقديرية الفردية بدلًا من الأطر المؤسسية الشفافة والمزادات العلنية، وهي التجربة التي دعت الدولة لاحقًا لإعادة هيكلة قوانين المزايدات والمناقصات وتأسيس قواعد جديدة لتخصيص الأراضي تعتمد على الشفافية وتكافؤ الفرص.

 

الحلقة القادمة.. إبراهيم محلب.. بلدوزر الجمهورية الجديدة