"صناع العمران" الحلقة الرابعة.. إبراهيم محلب "بلدوزر الحكومة" الذي غير الصورة النمطية للوزراء
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وقبل أن تتردد أصداء اسمه في أروقة السياسة وقاعات الوزراء، كان المهندس إبراهيم محلب يرتدي خوذته الصفراء وسط غبار التشييد، يتفقد معالجة الأساسات المعقدة لكباري القاهرة وترميم مبانيها التاريخية.
لم يأتِ الرجل إلى قيادة قطاعات التنمية من خلفية النظريات الأكاديمية أو المكاتب الإدارية المغلقة، بل خرج من قلب مواقع العمل، وبين صب الخرسانة وتذليل العقبات الفنية في أعتى المشروعات الإقليمية.
هذا التكوين الميداني الصلب هو الذي صاغ فلسفته التنفيذية لاحقًا، حين وُضع في مواجهة دقيقة مع أزمات التنمية والبنية التحتية، وزيرًا للإسكان ثم رئيسًا للحكومة المصرية في مرحلة فارقة من تاريخ البلاد.
إبراهيم محلب.. من مهندس مدني إلى أحد أبرز رجال الدولة
بدأت الحكاية في أبريل من عام 1949، حيث نشأ محلب في القاهرة وسط أسرة أولت التعليم والانضباط مكانة رفيعة، واتجه شغفه مبكرًا نحو الهندسة المدنية، ليلتحق بكلية الهندسة بجامعة القاهرة ويتخرج فيها عام 1972، وهو التوقيت الذي كانت فيه الدولة تتجه بكل ثقلها الهندسي نحو مشروعات الدفاع وإعادة الإعمار.
وعقب تخرجه مباشرة، انضم إلى شركة المقاولون العرب، لتنعقد بينه وبين هذا الكيان الهندسي الضخم مسيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.
مسيرة إبراهيم محلب في المقاولون العرب
تدرج محلب في أروقة الشركة خطوة بخطوة، متجولًا بين مواقع العمل التنفيذية من مهندس موقع إلى مدير مشروع ثم مدير قطاع، وصولًا إلى قيادة القطاعات التخصصية مثل الكباري والأنفاق والأساسات والآثار.
ولم تكن تلك السنوات مجرد تدرج وظيفي، بل كانت مدرسة ميدانية كان التعامل فيها مباشرًا مع الصخور والمياه الجوفية وطبيعة التربة، فضلًا عن إدارة آلاف العمال والمهندسين.
وتجلت هذه الخبرة في الإشراف على مشروعات دقيقة كترميم الكنيسة المعلقة ومساجد القاهرة التاريخية، بجانب إنشاء الشبكات المحورية للكباري والأنفاق داخل مصر وخارجها.
إبراهيم محلب رئيسًا للمقاولون العرب والتوسع في أفريقيا
في عام 2001، تولى محلب رئاسة مجلس إدارة شركة المقاولون العرب، ليستمر في قيادتها حتى عام 2012.
وشهدت هذه الحقبة توسعًا ملحوظًا للشركة في الأسواق الأفريقية، حيث امتدت أعمال التشييد والبنية التحتية إلى نيجيريا وغينيا الاستوائية وتشاد ودول حوض النيل، ليتحول الكيان الهندسي المصري إلى أحد أبرز أذرع التنمية في القارة السمراء، مع الاستمرار في تنفيذ المحاور المرورية ومحطات مياه الشرب الكبرى في كافة المحافظات المصرية.
إبراهيم محلب وزيرًا للإسكان والمرافق
ولم تكن النقلة من إدارة الشركات إلى إدارة العمل الحكومي سوى امتداد لهذا الأسلوب الميداني، ففي يوليو من عام 2013، أُسندت إليه حقيبة وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية.
استبدل محلب سريعًا المكاتب التقليدية بالزيارات المفاجئة لمواقع التشييد ومحطات المياه المتروكة، معطيًا الأولوية القصوى لإطلاق مشروع الإسكان الاجتماعي ودفع عجلة تنفيذه لتوفير السكن لمحدودي الدخل، بجانب إنهاء المشروعات المتعثرة في شبكات مياه الشرب والصرف الصحي بالقرى والأقاليم.
الإسكان الاجتماعي ومشروعات البنية التحتية في عهد محلب
ركز محلب خلال توليه وزارة الإسكان على دفع المشروعات المرتبطة بالسكن والخدمات الأساسية، بالتوازي مع متابعة تنفيذ مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي والحد من معدلات التعثر في عدد من المشروعات الخدمية.
وكانت طبيعة المرحلة تفرض التعامل مع تحديات تتجاوز مجرد تنفيذ المباني والوحدات السكنية، لتشمل توفير المرافق وربط المشروعات الجديدة بشبكات البنية الأساسية والخدمات.
إبراهيم محلب رئيسًا للحكومة المصرية
في مارس من عام 2014، كُلف المهندس إبراهيم محلب بتشكيل الحكومة المصرية، ليكون أول رئيس وزراء بعد تحولات تلك المرحلة، واستمر في موقعه حتى سبتمبر من عام 2015.
طبع محلب هذه الفترة بطابعه الخاص الذي عُرف بـ"حكومة الميدان"، حيث تركزت جهوده على إطلاق وتدشين المرحلة الأولى من المشروع القومي للطرق، والتنسيق الميداني المباشر لمشروع حفر قناة السويس الجديدة، ووضع المخططات التنفيذية الأولى لمشروعات قومية كبرى ، بجانب المتابعة اليومية لإنجاز محطات الطاقة الكهربائية للتغلب على أزمات انقطاع التيار.
المشروعات القومية في فترة رئاسة إبراهيم محلب للحكومة
شكلت مشروعات الطرق والطاقة والمرافق جانبًا أساسيًا من أجندة حكومة محلب، بالتزامن مع التحرك لتنفيذ عدد من المشروعات القومية الكبرى.
ولم يكن العمل الحكومي في تلك الفترة منفصلًا عن خبرته السابقة في قطاع التشييد، إذ اعتمد بدرجة كبيرة على المتابعة الميدانية وسرعة التعامل مع العقبات التنفيذية التي تواجه المشروعات.
تحديات حكومة إبراهيم محلب وأسباب الاستقالة
ولم تخلُ هذه التجربة التنفيذية من الصدامات المعقدة مع بيروقراطية الجهاز الإداري وضغوط إدارة الدولة في ظروف اقتصادية وأمنية دقيقة.
وهي التحديات التي انتهت بتقديم حكومته استقالتها في سبتمبر 2015 عقب أزمة قضائية طالت إحدى الوزارات الخدمية، لينتقل بعدها لمتابعة الملفات التنموية مستشارًا لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والإستراتيجية.
إبراهيم محلب.. مهندس من موقع العمل إلى قمة القرار
ليبقى إبراهيم محلب في تاريخ العمران المصري نموذجًا للمهندس التنفيذي الذي نقل أدوات الموقع وحسم المقاولات إلى أعلى مستويات القرار السياسي.
فلم يكن صانعًا لنظريات التخطيط الهادئة، بقدر ما كان منفذًا يمتلك القدرة على انتزاع المشروعات من بين أوراق المخططات وتحويلها إلى واقع خرساني وميداني على الأرض.

الحلقة القادمة.. مصطفى مدبولي.. رهان السيسي الكسبان