من تخصيص الأراضي إلى صناعة فرص الاستثمار:
كيف حركت راندة المنشاوي المياه الراكدة في هيئة التنمية السياحية؟
منذ اليوم الأول لها في الوزارة، لم تكن المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، تنظر إلى الهيئة العامة للتنمية السياحية باعتبارها مجرد جهة تتولى تخصيص الأراضي للمشروعات الفندقية، بل بدا أن عينها تتجه إلى ما هو أبعد من ذلك.. كيف تتحول الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها الهيئة إلى استثمارات حقيقية، ومقاصد سياحية أكثر تنوعًا، وعائد اقتصادي يتناسب مع ما تملكه مصر من مقومات.
من هنا بدأت ملامح التحرك، بقرار حمل دلالة إدارية مهمة في 25 يونيو 2026، حين كلفت الوزيرة المهندس مصطفى عبدالوهاب إبراهيم حلمي بالقيام بأعمال رئيس الجهاز التنفيذي للهيئة. وجاء الاختيار في إطار توجه الوزارة لمتابعة منظومة العمل بالهيئة، ودعم إدارة المناطق السياحية وتعظيم الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من تطوير الأداء.

إعادة ترتيب الأولويات قبل إطلاق الفرص
لم يتوقف التحرك عند تغيير القيادة التنفيذية، إذ انتقلت الوزيرة في 31 أغسطس إلى مناقشة رؤية لتطوير آليات العمل داخل الهيئة، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، وتعظيم الاستفادة من الأصول والموارد المتاحة. وكان جوهر التوجه هو البحث عن أفضل استخدام اقتصادي وتنموي للأراضي، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مساحات تنتظر التخصيص، مع مراعاة الاشتراطات التخطيطية والبيئية وطبيعة كل منطقة سياحية.
وخلال الاجتماع، ظهرت بوضوح ملامح الرؤية التي تستهدف تطوير منظومة طرح الفرص الاستثمارية، وإتاحة المعلومات الخاصة بها بصورة واضحة ومحدثة، وتيسير إجراءات التخصيص، مع وضع آليات لمتابعة المشروعات من لحظة طرحها وحتى دخولها مرحلة التشغيل. وهي خطوات تستهدف معالجة حلقات مهمة في دورة الاستثمار، من جذب المستثمر الجاد إلى ضمان انتقال المشروع من الورق إلى التنفيذ.
18.5 مليار متر مربع.. أصول تفتح أبوابًا واسعة للتنمية
الأرقام التي استعرضتها الهيئة خلال الاجتماع تكشف حجم المسؤولية والفرصة في الوقت نفسه، فقد بلغت مساحة الأراضي الخاضعة لولايتها نحو 18.5 مليار متر مربع، بينما وصل عدد الغرف الفندقية القائمة إلى نحو 110 آلاف غرفة، مع وجود قرابة 60 ألف غرفة تحت التنفيذ، كان مستهدفًا إضافتها خلال العامين التاليين، إلى جانب نحو 190 ألف غرفة أخرى جارٍ البدء في تنفيذها.
هذه المؤشرات تضع الهيئة أمام مهمة تتجاوز إدارة الأراضي إلى صياغة تصور متكامل للتنمية السياحية، يربط بين الموقع والاستثمار والبنية الأساسية والخدمات، ولذلك تضمنت الرؤية المطروحة دراسة إنشاء مراكز سياحية متكاملة على امتداد ساحل البحر الأحمر، وربطها بمحاور الطرق الرئيسية في مدن الصعيد، بما يتيح فرصًا تنموية جديدة ويدعم توفير فرص العمل خارج المراكز التقليدية للنشاط الاقتصادي.
من هيئة لتخصيص الأراضي إلى مؤسسة تقود التنمية السياحية
في الأول من سبتمبر 2026، انتقل ملف تطوير الهيئة إلى مستوى حكومي أوسع، خلال اجتماع عقده الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لمتابعة عدد من ملفات عملها، وخلال الاجتماع، عرضت راندة المنشاوي توجهًا يستهدف تحويل الهيئة من جهة تتولى تخصيص الأراضي السياحية إلى مؤسسة تضطلع بدور أشمل في التنمية والاستثمار السياحي المستدام.
وتضمن هذا التوجه فتح مناطق تنمية جديدة، ودراسة المزيد من المحفزات والتيسيرات، وتسويق كل مركز سياحي باعتباره وجهة مستقلة، إلى جانب التوسع في التطبيقات الذكية والتحول الرقمي.
كما شملت الرؤية بحث آليات للشراكة مع القطاع الخاص وحوكمة الاستثمار السياحي، بما يعزز قدرة الهيئة على جذب رؤوس الأموال وتطوير الأصول المتاحة وفق أسس اقتصادية أكثر تكاملًا.
البحر الأحمر في قلب الرؤية الجديدة
كان تطوير ساحل البحر الأحمر أحد أبرز الملفات التي تناولها اجتماع رئيس الوزراء، إذ استعرض رئيس الهيئة مصطفى عبدالوهاب تصورًا تنمويًا متكاملًا يبدأ من الجلالة باعتبارها بوابة رئيسية لإعادة توجيه التنمية، ويستهدف تقسيم الساحل إلى ثلاثة تجمعات سياحية رئيسية تضم 14 مركزًا سياحيًا.
وتقوم الفكرة على تخصيص الواجهات الساحلية للمشروعات الفندقية، مع توجيه الأراضي الخلفية لوحدات الإقامة الثانوية والوحدات ذات الإدارة الفندقية وسكن العاملين والخدمات المساندة. ويستهدف هذا التخطيط رفع كفاءة استخدام الأراضي، وزيادة الطاقة الفندقية، وتحقيق التكامل بين الأنشطة السياحية المختلفة، مستفيدًا من المقومات الشاطئية والبيئية والعلاجية وإمكانات الطاقة المتجددة التي تتمتع بها المنطقة.
جنوب مجاويش.. ترجمة التحرك إلى قرارات استثمارية
وفي السادس من أكتوبر 2026، أعلنت الهيئة إصدار 16 قرار تخصيص نهائي لقطع أراضٍ استثمارية بمركز جنوب مجاويش السياحي، جنوب الغردقة، بإجمالي مساحات تتجاوز مليون متر مربع تقريبًا. وتستهدف القرارات إقامة مشروعات فندقية وخدمية وترفيهية متكاملة، بما يعكس تحركًا عمليًا في إدارة الفرص الاستثمارية بالمركز السياحي.
وبحسب البيانات المعلنة، تستهدف المشروعات إضافة نحو 856 غرفة فندقية، إلى جانب وحدات إقامة بإدارة متخصصة، ورفع الطاقة الاستيعابية لأحد المشروعات القائمة إلى 946 وحدة فندقية. كما تشمل القرارات إقامة مركزي ألعاب مائية، أحدهما لمشغل عالمي، ومراكز للخدمات السياحية ومناطق ترفيهية، مع متابعة التنفيذ وفق البرامج الزمنية المعتمدة.
التعاون الخارجي يضيف مسارًا جديدًا للتحرك
وامتدت التحركات إلى تعزيز العلاقات السياحية الدولية، إذ التقى مصطفى عبدالوهاب، خلال زيارة راندة المنشاوي إلى سلطنة عُمان في الخامس من أكتوبر، عزان بن قاسم البوسعيدي، وكيل وزارة التراث والسياحة للسياحة، لبحث تعزيز التعاون وتبادل الخبرات والتجارب بين البلدين. ويمثل هذا المسار فرصة لتوسيع قنوات التواصل المؤسسي والاستفادة من الخبرات المختلفة في تطوير المقاصد السياحية وإدارة الاستثمار.
اختبار المرحلة المقبلة هو التنفيذ
ما تكشفه تحركات الأشهر الماضية أن تطوير الهيئة أصبح حاضرًا على أجندة وزارة الإسكان، من مراجعة آليات العمل واستغلال الأصول إلى التخطيط للمراكز السياحية وتفعيل أدوات جذب الاستثمار. لكن القيمة الحقيقية لهذه الخطوات ستتحدد بقدرتها على تسريع تنفيذ المشروعات، وتحويل الفرص المعلنة إلى منشآت عاملة، وزيادة الطاقة الفندقية، ورفع العائد من الأراضي، مع الالتزام بالضوابط البيئية والتخطيطية.
وفي هذا السياق، تبدو راندة المنشاوي وكأنها تدفع الهيئة إلى تغيير زاوية النظر إلى دورها؛ من إدارة أراضٍ ذات قيمة استثمارية إلى المشاركة في صناعة وجهات سياحية متكاملة. أما التحدي الذي ينتظر القيادة التنفيذية، فهو أن تتحول الرؤية إلى نتائج قابلة للقياس، تجعل الاستثمار أكثر جذبًا، والتنمية أكثر توازنًا، والعائد الاقتصادي أكثر وضوحًا.