مدبولي يرسم خطة التنمية في منتدى مصر 2026: 39 مدينة جديدة حتى 2050.. وتطوير 350 منطقة غير آمنة ومشروعات «حياة كريمة» تتصدر حصاد التنمية العمرانية
أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن التوسع العمراني وإنشاء المدن الجديدة يمثلان ضرورة مرتبطة باستيعاب الزيادة السكانية وتوفير مساحات جديدة للتنمية، مستعرضًا خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» ضمن فعاليات اليوم الثاني من «منتدى مصر 2026»، عددًا من الأرقام المتعلقة بالمدن الجديدة والإسكان الاجتماعي وتطوير المناطق غير الآمنة ومبادرة «حياة كريمة».
وتطرق مدبولي إلى تساؤلات تتعلق بجدوى إنشاء مدن جديدة في ظل وجود مدن قائمة بالفعل، وأسباب إقامة العاصمة الجديدة ومدينة العلمين الجديدة، ومدى تأثير مشروعات التوسع العمراني في المدن القديمة والأراضي الزراعية، إلى جانب استعراض ما قاله بشأن تطوير القرى وتحسين خدمات الصرف الصحي وتوفير الوحدات السكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل.
وجاءت الجلسة في إطار محور «التنمية المتكاملة وجودة حياة المواطنين»، الذي يستهدف مناقشة أثر المشروعات القومية في مستوى معيشة المواطنين، والوقوف على التحديات القائمة وأولويات المرحلة المقبلة.
المدن الجديدة.. خطة تمتد حتى عام 2050
احتلت قضية إنشاء المدن الجديدة مساحة رئيسية من حديث رئيس الوزراء، في ظل التساؤلات المتكررة بشأن التوسع في إقامة مجتمعات عمرانية جديدة، ومدى الحاجة إليها مع وجود مدن قائمة بالفعل.
وقال مدبولي إن مصر كان لديها 22 مدينة جديدة حتى عام 2014، مشيرًا إلى أن الدولة وضعت خطة للتوسع العمراني تستهدف الوصول إلى 39 مدينة جديدة بحلول عام 2050، موضحًا أن العمل شمل 27 مدينة حتى الآن، بين مدن تم تنفيذها وأخرى يجري العمل عليها، مع وجود 12 مدينة أخرى ضمن الخطة المستقبلية وفقًا لما نقلته التغطيات الصحفية للجلسة.
وأوضح رئيس الوزراء أن المدن الجديدة تستهدف استيعاب الكثافة السكانية المتزايدة، وتوفير مناطق جديدة للسكن والعمل والخدمات، معتبرًا أن غياب هذه التوسعات كان سيؤدي إلى تفاقم الضغوط على الأراضي الزراعية وزيادة التعديات والمناطق العشوائية.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن القاهرة الجديدة يقطنها نحو 3 ملايين نسمة، بينما يبلغ عدد سكان مدينة 6 أكتوبر نحو مليوني نسمة، مستشهدًا بهذه الأرقام للرد على التساؤلات المتعلقة بمدى وجود سكان فعليين في المدن الجديدة والاستفادة منها.
15 مليون مواطن يقيمون في المدن الجديدة
وفي إطار حديثه عن نتائج التوسع العمراني، قال مدبولي إن نحو 15 مليون مصري يقيمون بصورة دائمة في المدن الجديدة، مشيرًا إلى أن هذه التجمعات أصبحت تستوعب أعدادًا كبيرة من السكان، وتوفر بدائل سكنية خارج نطاق المدن القديمة.
وأضاف أن توفير مجتمعات عمرانية جديدة يرتبط كذلك باحتياجات الأجيال المقبلة، ولا سيما الشباب الباحثين عن وحدات سكنية، موضحًا أن التوسع لا يقتصر على إنشاء مساكن فقط، وإنما يستهدف إقامة تجمعات يمكن أن تستوعب السكان وتخفف الضغط عن المناطق القائمة.
لماذا العاصمة الجديدة؟ مدبولي يستعرض خلفية الفكرة
تطرق رئيس الوزراء إلى التساؤلات المتعلقة بأسباب إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، موضحًا أن الفكرة ارتبطت بالبحث عن بدائل لنقل مقار الوزارات والأجهزة الحكومية بعيدًا عن منطقة وسط القاهرة، بما يسهم في تخفيف التكدس داخلها.
وأشار، وفقًا لما نشرته بوابة الأهرام، إلى أن الحكومة ناقشت بدائل لنقل مقار الوزارات منذ عام 2007، خلال فترة تولي الدكتور أحمد نظيف رئاسة مجلس الوزراء، وشملت البدائل المطروحة العاصمة الجديدة ومنطقة المشير وشمال القرية الذكية ومدينة أكتوبر وجزيرة الوراق.
وأضاف أن المشروع جرى التعامل معه باعتباره جزءًا من تخطيط عمراني يستهدف إعادة توزيع الأنشطة الحكومية، بدلًا من استمرار تركزها داخل منطقة واحدة من العاصمة القديمة.
وتعكس هذه النقطة أحد المحاور التي تناولتها الجلسة، وهو العلاقة بين التوسع العمراني وإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية والإدارية، ومدى قدرة المدن الجديدة على تخفيف الأعباء عن المراكز الحضرية القائمة.
العلمين الجديدة.. من مدينة موسمية إلى وجهة طوال العام
وفي حديثه عن مدينة العلمين الجديدة، استعرض مدبولي التحول الذي شهدته المدينة، موضحًا أنها كانت تعمل بصورة موسمية، خلال شهرين فقط من العام، قبل التوسع في مشروعاتها ومرافقها وأنشطتها.
وقال إن المدينة أصبحت تعمل على مدار العام، مشيرًا إلى أنها جذبت نحو مليون سائح خلال العام الجاري، بحسب ما نقلته بوابة الأهرام عن كلمته في الجلسة.
ويأتي الحديث عن العلمين الجديدة ضمن مناقشة أوسع لأهداف المدن الجديدة، التي لا تقتصر على توفير وحدات سكنية، بل تشمل إقامة أنشطة سياحية واقتصادية وخدمية قادرة على جذب السكان والزائرين خارج المواسم التقليدية.
وتطرح هذه التجربة كذلك ملف استدامة تشغيل المدن الجديدة، ومدى ارتباط إقامة المشروعات العمرانية بتوفير فرص العمل والخدمات والأنشطة التي تضمن استمرار الحياة فيها على مدار العام.
تطوير 350 منطقة غير آمنة.. ومئات الآلاف من الأسر المستفيدة
انتقل رئيس الوزراء إلى ملف تطوير المناطق غير الآمنة، مستعرضًا ما وصفه بحجم التدخلات التي نفذتها الدولة في هذا المجال.
وقال مدبولي إن الدولة عملت على تطوير أكثر من 350 منطقة غير آمنة، كانت تسكنها نحو 350 ألف أسرة مصرية، في إطار جهود تستهدف تحسين ظروف السكن ومعالجة المشكلات المرتبطة بالمناطق التي تفتقر إلى مقومات الأمان.
كما أشار إلى جهود تطوير القاهرة التاريخية والإسلامية، في سياق الحديث عن التعامل مع المناطق العمرانية القائمة، وليس الاكتفاء بإقامة مدن جديدة خارج نطاق الكتل السكنية القديمة.
ويجمع هذا الملف بين مسارين للتنمية العمرانية؛ الأول يتعلق بإقامة مجتمعات جديدة لاستيعاب الزيادة السكانية، والثاني يستهدف تحسين البيئة العمرانية القائمة، والتعامل مع المناطق غير الآمنة، وتطوير المناطق ذات القيمة التاريخية.
ويعني ذلك أن تقييم أثر التنمية العمرانية لا يرتبط بعدد المدن الجديدة وحده، وإنما يشمل أيضًا طبيعة التدخلات داخل المدن القائمة، ومدى انعكاسها على سلامة السكان وجودة مساكنهم والخدمات المتاحة لهم.
«حياة كريمة».. 450 مليار جنيه تكلفة المرحلة الأولى
خصص مدبولي جانبًا من حديثه لمبادرة «حياة كريمة» لتطوير قرى الريف المصري، واصفًا المشروع بأنه من أهم المشروعات التي تنفذها الدولة.
وأوضح رئيس الوزراء أن المشروع يستهدف تطوير 4600 قرية يقطنها نحو 60 مليون مواطن، وأنه جرى تقسيمه إلى ثلاث مراحل، مشيرًا إلى انتهاء المرحلة الأولى بتكلفة بلغت 450 مليار جنيه، مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية
وتبرز هذه الأرقام حجم النطاق الجغرافي والبشري للمبادرة، التي تتناول تطوير الخدمات والبنية التحتية داخل القرى، بدلًا من اقتصار التنمية على المدن الجديدة أو المناطق الحضرية الكبرى.
ويرتبط المشروع بتحسين الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية، وفي مقدمتها مياه الشرب والصرف الصحي والمرافق العامة، إلى جانب تطوير البيئة العمرانية في القرى المستهدفة.
كما يضع حديث رئيس الوزراء المبادرة ضمن ملف التنمية المتكاملة، الذي يربط بين تطوير البنية التحتية وتحسين جودة الحياة، مع التركيز على المناطق الريفية التي تضم أعدادًا كبيرة من السكان.
الصرف الصحي في القرى.. من 12% إلى خدمة أكثر من 46 مليون مواطن
وفي استعراضه لتطور خدمات الصرف الصحي، استعاد مدبولي الفترة التي تولى فيها وزارة الإسكان عام 2015، موضحًا أن نسبة تغطية الصرف الصحي في ذلك الوقت كانت تتراوح بين 11% و12%.
وقال إن هذا المستوى من التغطية كان يعني أن نحو 7 ملايين مواطن فقط من إجمالي 60 مليونًا في الريف كانوا يحصلون على الخدمة، بينما ارتفع عدد المستفيدين حاليًا إلى أكثر من 46 مليون نسمة، وفقًا لما نقلته صحيفة «الوطن» عن تصريحاته
وأشار رئيس الوزراء إلى أن التوسع في خدمات الصرف الصحي يأتي ضمن التطوير الشامل الذي شهدته القرى، في إطار المشروعات المرتبطة بتحسين البنية التحتية والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتكشف المقارنة التي طرحها مدبولي عن أهمية البنية التحتية باعتبارها أحد المكونات الرئيسية للتنمية العمرانية، إذ لا يقتصر تحسين جودة الحياة على إنشاء المساكن والطرق، بل يشمل توفير الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها السكان داخل مناطق إقامتهم.
أكثر من مليوني وحدة إسكان اجتماعي لمحدودي ومتوسطي الدخل
وفي ملف الإسكان، قال مدبولي إن الدولة أنشأت أكثر من مليوني وحدة سكنية ضمن مشروعات الإسكان الاجتماعي، مستهدفة محدودي ومتوسطي الدخل.
وأوضح أن توفير الوحدات السكنية يمثل استجابة لاحتياجات المواطنين، مشيرًا إلى أن الحصول على وحدة سكنية كان من أهم مطالب الشباب
ويأتي هذا الملف ضمن المحاور الرئيسية للتنمية العمرانية، في ظل ارتباط الإسكان بقدرة المواطنين على الحصول على مسكن ملائم، وبمدى توافر الوحدات التي تتناسب مع مستويات دخولهم.
كما يتكامل ملف الإسكان الاجتماعي مع التوسع في المدن الجديدة، إذ يمثل توفير الوحدات السكنية أحد العناصر الأساسية في استيعاب السكان داخل المجتمعات العمرانية الجديدة، إلى جانب المرافق والخدمات والطرق ووسائل النقل.
هل جاءت المدن الجديدة على حساب المدن القديمة؟
من أبرز التساؤلات التي تناولها رئيس الوزراء خلال الجلسة مدى تأثير التوسع في إنشاء المدن الجديدة على المدن القائمة، وما إذا كانت الاستثمارات العمرانية الجديدة قد جاءت على حساب تطوير المناطق القديمة.
وقال مدبولي إن التوسع العمراني كان ضروريًا لمواجهة الزيادة السكانية، محذرًا من أن غياب المدن الجديدة كان سيؤدي إلى زيادة الضغط على الأراضي الزراعية وتفاقم التعديات والمناطق العشوائية.
ويضع هذا الطرح ملف التنمية العمرانية أمام مجموعة من القضايا المترابطة، تشمل كيفية استيعاب النمو السكاني، وحماية الأراضي الزراعية، وتحسين أوضاع المناطق غير الآمنة، وتوفير السكن والخدمات في المدن الجديدة والقديمة على السواء.
وتتجاوز هذه القضايا مسألة إنشاء المدن في حد ذاتها، لتشمل مدى قدرة المجتمعات العمرانية على توفير بيئة متكاملة للسكان، وما إذا كانت المشروعات الجديدة تسهم في إعادة توزيع الأنشطة السكانية والاقتصادية بصورة تقلل الضغط عن المناطق الأكثر كثافة.
وفي المقابل، تظل أسئلة العدالة في توزيع الاستثمارات بين المحافظات والمدن، واحتياجات المناطق القائمة من تطوير المرافق والخدمات، ضمن الملفات التي أُعلن أنها مطروحة للنقاش في إطار الجلسة.
التنمية العمرانية وجودة الحياة.. ما المستهدف خلال المرحلة المقبلة؟
جاءت جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» ضمن برنامج اليوم الثاني من «منتدى مصر 2026»، الذي يناقش محور «التنمية المتكاملة وجودة حياة المواطنين»، ويستمر في العاصمة الجديدة خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري.
وكان مدبولي قد استعرض، خلال اجتماع تحضيري للجلسة في 11 أكتوبر، أهمية مناقشة أثر المشروعات العمرانية على حياة المواطنين، والاستماع إلى تساؤلات الرأي العام بشأن التحديات التي تواجه القطاع، ومستهدفات الدولة خلال المرحلة المقبلة، والبرامج الزمنية للتنفيذ
وشملت الموضوعات المقررة للمناقشة تطوير المناطق غير الآمنة وغير المخططة، وإنشاء المدن الجديدة، ومشروعات الطرق والنقل، والبنية التحتية، ومبادرة «حياة كريمة»، مع التركيز على النتائج التي يلمسها المواطن من هذه المشروعات.
ومن ثم، فإن الأرقام التي عرضها رئيس الوزراء خلال الجلسة، بدءًا من خطة إنشاء 39 مدينة جديدة بحلول عام 2050، مرورًا بتطوير أكثر من 350 منطقة غير آمنة، وصولًا إلى مشروعات الإسكان الاجتماعي وتطوير القرى، تمثل المحاور الرئيسية التي استند إليها في عرض توجه الدولة في ملف التنمية العمرانية.
وتبقى الأولوية في المرحلة المقبلة مرتبطة بمدى انعكاس هذه المشروعات على حياة المواطنين، وقدرة المدن الجديدة والقديمة والقرى على توفير السكن والخدمات الأساسية، إلى جانب تنفيذ المشروعات وفق مستهدفات وجداول زمنية واضحة.