11 جمادى الأولى 1448 الموافق الخميس 22 أكتوبر 2026

"صُنّاع العمران في مصر" الحلقة الأخيرة .. عاصم الجزار.. وزير في مهمة صعبة حقق إنجازات ملموسة في وقت قصير

عاصم الجزار
عاصم الجزار

لم تكن تجربة الدكتور عاصم الجزار في وزارة الإسكان مجرد مرحلة جديدة في تنفيذ مشروعات المدن الجديدة أو طرح وحدات سكنية إضافية.. بل جاءت في وقت كانت فيه الدولة المصرية تعيد تشكيل خريطتها العمرانية عبر التوسع في إنشاء المدن الجديدة وتطوير المناطق غير الآمنة وتوسيع شبكات المرافق والبنية التحتية.

وخلال هذه الفترة.. امتد دور وزارة الإسكان من توفير الوحدات السكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل إلى الإشراف على مشروعات عمرانية واستثمارية كبيرة.. شملت العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة ومشروعات تطوير القاهرة التاريخية ومناطق السكن البديل.

لكن قراءة التجربة لا تتوقف عند حجم الاستثمارات أو عدد المشروعات المعلنة.. فهناك فارق بين إنشاء الوحدات السكنية وتسليمها وبين قدرة المواطنين على تحمل تكلفتها.. كما أن بناء مدينة جديدة لا يعني بالضرورة اكتمال مقومات الحياة فيها أو وصولها إلى المستهدفات السكانية المخططة.

 من تولي الوزارة إلى نهاية التجربة في 2024

تولى الدكتور عاصم عبد الحميد الجزار وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية بموجب القرار الجمهوري رقم 94 لسنة 2019.. الصادر في فبراير من العام نفسه. وجاء تعيينه بعد عمله في ملف التخطيط والتنمية العمرانية ورئاسة هيئة التخطيط العمراني.. وهو ما جعل خبرته السابقة مرتبطة بالتخطيط المكاني وتحديد مسارات التوسع العمراني، وليس بإدارة المشروعات التنفيذية وحدها.

واستمر الجزار في منصبه حتى تشكيل الحكومة الجديدة وأداء الوزراء اليمين الدستورية في 3 يوليو 2024.. حين تولى شريف الشربيني حقيبة الإسكان خلفًا له. وبذلك تمتد الفترة الأساسية لهذا التحقيق من فبراير 2019 إلى يوليو 2024.. مع الاستعانة بأرقام السنوات السابقة فقط عندما تكون ضرورية لفهم المشروعات التي تسلمها الوزير أو لتقييم نتائجها

 

كانت الوزارة تتحرك في إطار استراتيجية أوسع بدأت قبل توليه المنصب.. تستهدف زيادة الرقعة المعمورة وتخفيف التكدس في الوادي والدلتا.. وإنشاء مراكز عمرانية جديدة وربطها بشبكات الطرق والمرافق والخدمات. لذلك لا يمكن اعتبار جميع المشروعات التي شهدتها هذه السنوات مشروعات بدأها الجزار من الصفر.. وإنما يتطلب التقييم التمييز بين التخطيط السابق والتنفيذ والتوسع والتشغيل خلال فترة مسؤوليته.

 الإسكان الاجتماعي.. حجم التنفيذ في مواجهة احتياجات المواطنين

كان الإسكان الاجتماعي أحد أهم الملفات التي واصلت الوزارة العمل عليها خلال عهد الجزار.. من خلال مبادرة «سكن لكل المصريين» وبرامج الإسكان الموجهة لمحدودي الدخل، إلى جانب وحدات الإسكان المتوسط والمتميز التي استهدفت شرائح مختلفة من المشترين.

وتكشف الأرقام التي عرضها الوزير في مؤتمر «حكاية وطن» في أكتوبر 2023 عن حجم البرنامج الحكومي خلال السنوات السابقة. فقد أعلن تنفيذ نحو 1.5 مليون وحدة سكنية خلال الفترة من 2014 إلى 2023 ضمن الإسكان الاجتماعي ومبادرة «سكن لكل المصريين».. بمعدل سنوي بلغ نحو 167 ألف وحدة. كما أشار إلى إتاحة 100 ألف وحدة باعتبارها حصة عينية من مشروعات الشراكة مع القطاع الخاص.. فضلًا عن طرح 230 ألف قطعة أرض قال إنها تعادل نحو 1.1 مليون وحدة سكنية وفقًا لتقديرات العرض الحكومي.

 

 الإسكان المتوسط والمتميز.. تنويع المعروض داخل المدن الجديدة

لم يقتصر عمل الوزارة على الإسكان المدعوم.. بل شمل طرح وحدات للإسكان المتوسط والمتميز والفئات القادرة على شراء وحدات كاملة التشطيب في المدن الجديدة.

وفي يناير 2024.. أعلنت الوزارة طرح 1160 وحدة سكنية كاملة التشطيب في مدينتي العبور الجديدة وأسيوط الجديدة.. ضمن مشروعي «الإسكان المتميز ذي الطابع الحديث» و«إسكان المستقبل». وتراوحت المساحات المعلنة بين 63 و93 مترًا مربعًا.. بينما بلغ عدد المتقدمين للحجز 38 ألفًا و924 مواطنًا، وفقًا لما أعلنه الوزير وقتها.

ويعكس هذا المثال وجود طلب على الوحدات المطروحة في المدينتين.. لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات حجم الطلب الحقيقي على السكن في جميع المدن الجديدة أو قدرة المتقدمين على إتمام التعاقد والسداد. فعدد المتقدمين يختلف عن عدد المتعاقدين.. كما أن الإقبال على إعلان محدد يتأثر بالسعر والموقع والمساحة وشروط الحجز.

وتكمن أهمية تنويع المنتجات السكنية في محاولة جذب شرائح متعددة إلى المدن الجديدة.. بدلًا من قصرها على الإسكان الفاخر أو الوحدات المدعومة. غير أن نجاح هذه السياسة يتوقف على توازن أسعار الوحدات مع دخول المشترين.. إلى جانب توفير وسائل النقل والخدمات وفرص العمل التي تجعل الإقامة الدائمة في المدينة خيارًا عمليًا.

المدن الجديدة.. من بناء الوحدات إلى تأسيس مراكز عمرانية متكاملة

شكّلت المدن الجديدة الجانب الأكثر وضوحًا في خريطة العمل العمراني خلال فترة الجزار.. سواء من خلال استكمال مشروعات قائمة أو التوسع في تنفيذ مشروعات سكنية وخدمية واستثمارية داخل مدن الجيل الرابع.

العاصمة الإدارية الجديدة.. مشروع متعدد الجهات

مثّلت العاصمة الإدارية الجديدة أحد أبرز مشروعات إعادة توزيع الأنشطة الحكومية والاستثمارية خارج القاهرة التقليدية.. مع تطوير الأحياء السكنية والمناطق التجارية والإدارية والبنية التحتية.

لكن من المهم عدم اختزال المشروع في وزارة الإسكان وحدها.. فالعاصمة تتداخل فيها مسؤوليات جهات وشركات متعددة، بينما ارتبط دور الوزارة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بأعمال عمرانية ومرافق ومشروعات تدخل ضمن اختصاصاتهما. كما أن انتقال بعض المؤسسات الحكومية أو افتتاح مبانٍ لا يثبت وحده اكتمال جميع مكونات المدينة أو تحقيق مستهدفاتها السكانية.

العلمين الجديدة.. مدينة للسكن والاستثمار والسياحة

شهدت العلمين الجديدة استمرار تنفيذ الأبراج الشاطئية ومشروعات «مزارين» والحى اللاتيني والمدينة التراثية ومشروعات «سكن مصر».. إلى جانب شبكات الطرق والمرافق والخدمات.

وفي نوفمبر 2023.. عقد الجزار اجتماعًا بمقر جهاز المدينة لمتابعة معدلات التنفيذ.. ووجّه بزيادة العمالة والمعدات والعمل على مدار الساعة لضغط الجداول الزمنية للمشروعات. وتوضح هذه المتابعة طبيعة الدور التنفيذي الذي اضطلعت به الوزارة والهيئة وأجهزة المدن في إدارة مراحل العمل.. لكنها لا تمثل في حد ذاتها دليلًا على اكتمال كل مشروع أو تشغيل جميع الخدمات.

وتقوم الفكرة الاقتصادية للمدينة على الجمع بين الإقامة طوال العام والنشاط السياحي والاستثماري.. بدلًا من اقتصارها على الاستخدام الموسمي. إلا أن تحقق هذا الهدف يحتاج إلى قياس الإشغال الفعلي واستمرار الخدمات وتوافر فرص العمل.. وليس الاكتفاء بعدد الأبراج أو الوحدات المنفذة.

المنصورة الجديدة.. مشروع سكني وخدمي على ساحل الدلتا

تقدم المنصورة الجديدة نموذجًا آخر للتوسع العمراني خارج القاهرة الكبرى.. إذ تقع على ساحل البحر المتوسط وتمتد على مساحة إجمالية تبلغ نحو 5913 فدانًا، وفقًا لبيانات الوزارة.

وتتضمن المرحلة الأولى، وفق البيانات الرسمية المنشورة، نحو 19 ألف وحدة سكنية بمستويات مختلفة.. إلى جانب جامعة المنصورة الجديدة والمدارس والأسواق والمركز الطبي ومرافق الأمن والإطفاء ومحطات المياه والصرف والكهرباء. كما بدأت إجراءات تسليم دفعة من وحدات مشروع «سكن مصر» في نوفمبر 2022.. وشملت 38 عمارة سكنية.

وتكشف هذه التفاصيل أن المشروع لم يكن مجرد توسع في البناء السكني.. بل محاولة لإنشاء مدينة تضم عناصر التعليم والخدمات والمرافق اللازمة للاستقرار. ومع ذلك.. فإن الإعلان عن مكونات المرحلة أو بدء تسليم مجموعة من الوحدات لا يثبت اكتمال جميع مراحل المدينة أو وصولها إلى الكثافة السكانية المستهدفة.

الجلالة والتجلي الأعظم.. مشروعات تتداخل فيها المسؤوليات

شهدت فترة الجزار في الوزارة  أيضًا متابعة مشروعات ذات طبيعة سياحية وعمرانية خاصة.. من بينها مدينة الجلالة ومشروع «التجلي الأعظم فوق أرض السلام» في سانت كاترين.

وفي أغسطس 2022.. تناول اجتماع رئاسي بحضور الجزار موقف عدد من المشروعات القومية.. بينها التجلي الأعظم والمنصورة الجديدة والعلمين الجديدة ومشروع صواري في الإسكندرية وتطوير القاهرة التاريخية ومثلث ماسبيرو. وشددت التوجيهات الرئاسية الخاصة بالتجلي الأعظم على مراعاة الطبيعة البيئية للموقع والاعتماد على الطاقة الجديدة والمتجددة.

 

المرافق والبنية التحتية.. الأرقام التي تقف خلف التوسع العمراني

لم يكن التوسع في المدن الجديدة ممكنًا من دون الاستثمار في المياه والصرف الصحي ومحطات المعالجة وشبكات الطرق والكهرباء.. وهي مشروعات تمتد آثارها إلى المدن القائمة والتجمعات الريفية، ولا تقتصر على المناطق العمرانية الحديثة.

وفي أبريل 2021.. أعلنت وزارة الإسكان أن عدد محطات المعالجة الثنائية والثلاثية الجاري تنفيذها بلغ 151 محطة في المحافظات والمدن الجديدة.. بطاقة إجمالية تبلغ 5.051 مليون متر مكعب يوميًا، وبتكلفة معلنة قدرها 31.59 مليار جنيه. وأشارت البيانات في الوقت نفسه إلى الانتهاء من 59 محطة في محافظات الصعيد.. منها 37 محطة للمعالجة الثنائية و22 محطة للمعالجة الثلاثية، تخدم نحو 8.3 مليون نسمة.

وتوضح هذه الأرقام حجم البرنامج الذي كانت الوزارة تشرف على تنفيذه في ذلك الوقت.. لكنها تمثل موقفًا معلنًا في أبريل 2021، وليس إجمالي المحطات التي اكتملت حتى نهاية فترة الجزار. كما يجب الفصل بين الطاقة التصميمية للمحطات وبين حجم المياه التي عالجتها فعليًا بعد التشغيل.

 

هيئة المجتمعات العمرانية والاستثمار العقاري.. تمويل التنمية أم عبء مستمر؟

تحتل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة موقعًا محوريًا في تجربة الجزار.. باعتبارها الجهة التي تدير مساحات واسعة من الأراضي داخل المدن الجديدة وتطرح فرصًا استثمارية متعددة الاستخدامات، تشمل الأنشطة السكنية والتجارية والتعليمية والصحية والصناعية.

وفي أكتوبر 2023.. عرض الجزار خلال مؤتمر «حكاية وطن» تقديرات حكومية لإجمالي الاستثمارات في مشروعات الإسكان والمرافق والمدن الجديدة منذ 2014.. بلغت نحو تريليوني جنيه. ووفق العرض نفسه.. قُدرت الاستثمارات الموجهة لتنمية المدن الجديدة بنحو 1.3 تريليون جنيه خلال تسع سنوات، مقابل نحو 700 مليار جنيه لتطوير العمران القائم ورفع كفاءته.

وفي يناير 2024.. استعرض الوزير الإقبال على فرص الأراضي بمختلف الأنشطة في المدن الجديدة خلال عام 2023.. في ظل تنوع آليات الطرح والتخصيص التي أتاحت للمستثمرين والمواطنين الحصول على الأراضي.

وكانت الهيئة قد أقرت في نوفمبر 2022 تيسيرات على بعض الأراضي الخدمية والأراضي المخصصة للنشاط العمراني المتكامل في 12 مدينة جديدة.. بهدف تشجيع الاستثمار وتسريع التنمية وتوفير فرص العمل وزيادة معدلات السكن

فقد أقر الجزار في عرضه أمام مؤتمر «حكاية وطن» بأن احتياجات الإسكان تشمل جانبين.. كميًا يتعلق بعدد الوحدات، وكيفيًا يرتبط بنوعيتها وتوزيعها وملاءمتها للفئات المختلفة. وقدر الاحتياج السنوي بنحو 400 ألف وحدة سكنية.. إلى جانب عجز متراكم من السنوات السابقة.

كيف يمكن قياس حصيلة تجربة عاصم الجزار؟

تكشف الوقائع عن ثلاثة مسارات رئيسية ميزت فترة الجزار في وزارة الإسكان.

المسار الأول هو استمرار التوسع في برامج الإسكان الاجتماعي والمتوسط والمتميز.. مع الاعتماد على الدعم والتمويل العقاري وتعدد مستويات الوحدات المطروحة. والمسار الثاني هو استكمال إنشاء المدن الجديدة وتطوير مكوناتها السكنية والخدمية والاستثمارية.. بما يتجاوز بناء الوحدات إلى إنشاء مراكز عمرانية تستهدف جذب السكان والأنشطة الاقتصادية. أما المسار الثالث فيتمثل في توسيع مشروعات المياه والصرف الصحي والمعالجة.. بالتوازي مع تطوير العمران القائم والمناطق الريفية.

وفي المقابل.. لا يمكن تجاهل أن الوزارة والهيئة وأجهزة المدن واصلت خلال عهد الجزار  تنفيذ مشروعات واسعة النطاق.. وطرحت وحدات وأراضي استثمارية، وتابعت أعمالًا في مدن جديدة ومشروعات مرافق تخدم مناطق عمرانية متعددة.