أراضي بالمليارات في مهب الريح:
غيبوبة النقابات وتقاعسها عن سداد حق الدولة يهدد بسحب أراضيها.. و“الإسكان” تتحرك للحفاظ على المال العام
في ملف الأراضي، هناك قاعدة بسيطة جدًا، الأرض التي تحصل عليها أي جهة ليست مجرد قطعة فضاء تنتظر قرارًا إداريًا إلى ما لا نهاية.
الدولة تخصص الأرض بسعر وشروط ومدة زمنية محددة، والهدف في النهاية أن تتحول الأرض إلى مشروع يخدم أعضاء الجهة المستفيدة، ويضيف قيمة حقيقية للمدينة، وليس أن تظل محجوزة لسنوات بينما تتراكم التأجيلات والخلافات.
وهنا تظهر أزمة تستحق التوقف عندها.. أزمة أرض النقابات المهنية والعمالية في مصر، والتي يؤدي الإهمال في سداد سعرها أو عدم تنفيذ مخططاتها إلى سحب الأرض من النقابة المستفيدة.
القصة ليست مجرد أرض مهددة بالسحب، لكنها تفتح سؤالًا أكبر، ماذا تفعل بعض النقابات والجهات التي تحصل على أراضٍ من الدولة، عندما لا تنجح في استغلالها خلال المدة المحددة؟، هل تتحرك من البداية لإنجاز المشروع؟
أم تترك السنوات تمر، ثم عندما تقترب الأرض من السحب تبدأ التحركات والمطالبات بالحصول على مهلة جديدة؟
القصة بدأت من 2016
أزمة أرض نقابة المهندسين في مدينة بدر خير مثال على الفكرة ، فقد حصلت نقابة المهندسين عام 2016 على قطعة أرض بمدينة بدر، بمساحة تقارب 17 ألف متر مربع، وبسعر للمتر بلغ نحو 101 جنيه، بإجمالي يقارب 1.7 مليون جنيه وقتها.
وكان الهدف إقامة مشروع يخدم المهندسين، لكن المشروع دخل بعدها في سلسلة من التعقيدات والخلافات حول طريقة التنفيذ.
وفي 2017، جرى التحرك لتوفير موارد للمشروع، من خلال مساهمات وتبرعات من المهندسين، ووفق ما ورد في التقرير وصلت قيمة التبرعات إلى نحو 5.5 مليون جنيه، بحسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات.
يعني ببساطة..كانت هناك أرض، وكانت هناك أموال، وكانت هناك فكرة مشروع.. لكن التنفيذ لم يمضِ بالسرعة المطلوبة.
ثم جاءت الخلافات النقابية، فمع انتهاء فترة ولاية المهندس طارق النبراوي عام 2018، وتولي المهندس هاني ضاحي منصب نقيب المهندسين، ظهرت رؤية مختلفة بشأن تنفيذ المشروع.
وهنا دخلت الخلافات في مسار آخر، مع اعتراضات ودعوى قضائية، وهو ما ساهم في تعطيل المشروع، وهنا بالضبط تبدأ المشكلة الحقيقية في ملف الأراضي.
لأن الوقت في الأرض ليس محايدًا، فكل سنة تمر من دون تنفيذ تعني أن الجهة المستفيدة تقترب أكثر من المواعيد المحددة للتنفيذ، وبالتالي تقترب من خطر سحب الأرض وفقًا للقواعد المنظمة للتخصيص.
الأرض حاليا أصبحت مهددة بالسحب، لتبدأ تحركات النقابة مرة أخرى للحصول على مهلة جديدة.
وبحسب ما نُقل عن المهندس محمد شلبي، رئيس جمعية الصناعات الصغيرة بمدينة بدر وأحد المتابعين للملف، فقد تم التواصل مع جهاز مدينة بدر لمعرفة الموقف النهائي للأرض.
وخلال اللقاء، تم الاستعلام عن المدد الممنوحة للنقابة، وتبين أن هناك مددًا سبق منحها للنقابة، إلى جانب إضافة مدة أخرى، بما يمنحها فترة إضافية قبل الوصول إلى موعد السحب.
الحصول على مهلة إضافية ليس جريمة في حد ذاته، طالما أن القانون واللوائح يسمحان بذلك، وطالما أن الجهة أثبتت جديتها في التنفيذ.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول المهلة من وسيلة لإنقاذ مشروع متعثر إلى أسلوب لإدارة التعثر نفسه، لأن الدولة عندما تخصص أرضًا لجهة نقابية، فهي لا تخصصها لكي تظل عشر سنوات أو أكثر بلا استغلال حقيقي.
الأرض في مدينة جديدة لها قيمة اقتصادية وعمرانية، والمدينة نفسها تحتاج أن تتحول الأراضي الموجودة فيها إلى مشروعات ومبانٍ وخدمات وفرص عمل واستثمارات.
والسؤال هنا ليس عن أرض نقابة المهندسين وحدها، القصة تفتح ملفًا أكبر يتعلق بكل النقابات والاتحادات والجمعيات والجهات التي تحصل على أراضٍ من الدولة، ولا تنفذ المشروعات المتفق عليها وتترك الأرض بلا إي إنجاز حقيقي لسنوات.