مشروعات متأخرة ولا مبالاة في التعامل مع ملفات حاسمة:
شكاوى تتصاعد ضد مشروعات صندوق التنمية الحضرية.. هل تعدد مهام خالد صديق يؤثر على إنجاز الملفات؟
في المشروعات القومية، لا تُقاس الصورة بالمباني الجميلة وحدها، ولا بعدد الوحدات التي تظهر في الإعلانات والصور الرسمية. فالمشروع لا يكتمل فعليًا إلا عندما يصل المواطن إلى وحدته في الموعد، ويجد المرافق تعمل، والخدمات موجودة، والإدارة قادرة على الرد على أسئلته وحل مشكلاته.
ومن هنا تأتي مجموعة من الشكاوى والانتقادات التي يوجهها بعض المتعاملين مع مشروعات صندوق التنمية الحضرية، والتي تعكس حالة من عدم الرضا عن التأخيرات، وضعف التواصل، ومشكلات مرتبطة بالمرافق والتسليم.
هذه الشكاوى، حتى وإن كانت تعبر عن تجارب فردية ولا يمكن تعميمها على جميع مشروعات الصندوق، تستحق التوقف أمامها؛ خصوصًا أن الحديث يتعلق بمشروعات تحمل صفة قومية وتنفذها جهة حكومية يفترض أن تكون نموذجًا في الإدارة والانضباط وسرعة الإنجاز.
“مشروعات جميلة.. لكن ماذا عن التسليم؟”
أحد أبرز الانتقادات التي ظهرت في تعليقات المتعاملين يتعلق بالتأخير، أحد المتابعين وصف الأمر بأنه غير مفهوم بالنسبة لمشروع قومي بهذا الحجم، قائلًا إن وجود تأخيرات بهذا الشكل في مشروعات تابعة لجهة حكومية أمر «غريب».
بينما ذهب تعليق آخر إلى انتقاد طريقة التعامل مع العملاء، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تكمن في الاستهانة واللامبالاة في التعامل مع استفساراتهم ومطالبهم.
وهذه النقطة تحديدًا ربما تكون أكثر خطورة من مجرد تأخير موعد التسليم؛ لأن المواطن عندما يدفع أمواله في مشروع حكومي، فإنه لا يشتري وحدة فقط، وإنما يشتري معها قدرًا من الثقة في الجهة التي تقف خلف المشروع.
الثقة.. الحلقة الأضعف
ومن بين التعليقات اللافتة، مواطن يقول إنه فقد الثقة في المطورين، وأنه لن يقدم مستقبلًا على شراء وحدة قبل استلامها بالفعل.
قد يبدو التعليق للوهلة الأولى مجرد تجربة شخصية، لكنه يكشف مشكلة أكبر، عن كيف يمكن للتأخير وضعف التواصل أن يؤثرا في ثقة المواطنين في مشروعات الإسكان، فالثقة في القطاع العقاري لا تُبنى بالإعلانات، وإنما بالالتزام بالمواعيد، وجودة التنفيذ، وسرعة حل المشكلات.
وإذا بدأ المواطن يشعر بأن شراء وحدة على المخطط يعني سنوات من الانتظار وعدم وضوح الرؤية، فمن الطبيعي أن يصبح أكثر تحفظًا في قراراته الشرائية.
مبانٍ جميلة.. ومرافق تنتظر
جانب آخر من الانتقادات يتعلق بالمرافق والتخطيط، أحد المتعاملين وصف المشروعات بأنها تضم مباني جميلة، لكنه انتقد – بحسب تجربته – عدم اكتمال التخطيط المسبق للمرافق، وتبادل المسؤوليات بين الجهات المختلفة.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المشكلات تعقيدًا في مشروعات المدن الجديدة، لأن المواطن لا يعنيه كثيرًا من المسؤول عن المشكلة، بقدر ما يعنيه أن المشكلة تُحل.
فإذا كانت الوحدة جاهزة، لكن الكهرباء أو المياه أو الطرق أو الخدمات لم تكتمل، تظل التجربة بالنسبة للمواطن ناقصة مهما كان مستوى جمال المبنى.
«الواحة فيو».. أين وصل المشروع؟
ومن بين التعليقات أيضًا شكوى من أحد الحاجزين في مشروع الواحة فيو، يقول فيها إنه حجز وحدته قبل نحو عامين، لكنه لم يحصل – بحسب تعليقه – على معلومات أو تطورات كافية بشأن المشروع، وهذه النقطة تحتاج إلى إجابة واضحة من الجهة المسؤولة عن المشروع عن ، ما الموقف التنفيذي الحالي؟ وما نسب الإنجاز؟ ومتى يكون التسليم الفعلي؟
فالمواطن الذي حجز قبل عامين من حقه أن يعرف أين وصل مشروعه، وما الجدول الزمني المتبقي، وما إذا كانت هناك أسباب أدت إلى تغيير المواعيد.
هل المشكلة في المقاولين أم في الإدارة؟
بعض التعليقات حملت الإدارة مسؤولية التأخير، واتهمت بترك مساحة للمقاولين دون متابعة كافية، بينما انتقد آخرون ما وصفوه بالتأخر في تسليم المشروعات رغم اكتمال أجزاء كبيرة منها.
وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة، المقاول ينفذ، لكن الجهة المالكة هي التي تضع الجدول الزمني وتتابع التنفيذ وتحاسب وتستلم.
وبالتالي فإن أي تأخير متكرر يستوجب في النهاية سؤال الإدارة عن آليات المتابعة والرقابة، وليس الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الطرف المنفذ.
وهنا يظهر ملف رئيس الصندوق خالد صديق، لأن لانتقادات السابقة تفتح بابًا آخر للتساؤل يتعلق بالإدارة العليا للصندوق، فاللواء خالد صديق لا يشغل فقط منصبه في رئاسة صندوق التنمية الحضرية، وإنما ارتبط اسمه أيضًا بمهام تتعلق بالإشراف على مكتب وزيرة الإسكان.
وهنا لا نتحدث عن اتهام للرجل بالتقصير، ولا توجد لدينا – وفق المعلومات المطروحة – أدلة تثبت أن تعدد المهام هو السبب المباشر وراء أي تأخير في المشروعات.
لكن السؤال الإداري المشروع هو، هل يمكن لمسؤول أن يدير ملفًا بحجم صندوق التنمية الحضرية، بمشروعاته المتعددة وحجم التحديات المرتبطة بها، وفي الوقت نفسه يتولى مهام إضافية مرتبطة بمكتب وزيرة الإسكان، دون أن يؤثر ذلك على حجم الوقت والتركيز المخصص للمهمة الأساسية؟
السؤال هنا ليس شخصيًا، وإنما يتعلق بمبدأ إداري معروف، كلما اتسعت المسؤوليات، زادت الحاجة إلى الوقت والتركيز وآليات التفويض والمتابعة.
خصوصًا عندما يكون المسؤول أمام ملفات ضخمة، ومشروعات منتشرة في أكثر من محافظة، وآلاف المواطنين ينتظرون التسليم والخدمات وحل المشكلات.
هل تعدد المهام سبب أم مجرد مصادفة؟
من الخطأ القفز مباشرة إلى نتيجة تقول إن التأخير سببه منصب إضافي، لكن من الخطأ أيضًا تجاهل هذا العامل تمامًا عند تقييم الأداء، فإذا كانت هناك مشروعات متأخرة، وشكاوى متكررة من العملاء، وملاحظات حول المرافق والتسليم والتواصل، فمن الطبيعي أن تُطرح أسئلة حول هيكل الإدارة، وحجم المسؤوليات، وكفاءة المتابعة، وآليات محاسبة الجهات المنفذة.
والحسم هنا لا يكون بالانطباعات أو التعليقات، وإنما بالأرقام، فكم مشروعًا كان مقررًا تسليمه؟ وكم مشروعًا تم تسليمه بالفعل؟، وما نسب التنفيذ في المشروعات المتأخرة؟، وما أسباب التأخير؟، وومن المسؤول عن كل مرحلة؟، ومتى يحصل المواطن على وحدته كاملة المرافق والخدمات؟
الصورة لا يجب أن تتوقف عند جمال المباني
من الواضح أن مشروعات صندوق التنمية الحضرية استطاعت في عدد من مواقعها أن تقدم صورة عمرانية لافتة، وهو أمر يحسب لأي مشروع يستهدف تحسين البيئة العمرانية وتوفير وحدات سكنية وخدمات للمواطنين، لكن جمال الواجهات والمساحات الخضراء لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد للنجاح.
المشروع الناجح هو الذي يُسلّم في موعده، ويعمل بكفاءة، وتصل مرافقه في الوقت المناسب، ويجد المواطن جهة تستمع إليه عندما يواجه مشكلة.
أما أن تكون المباني جميلة، بينما المواطن ينتظر سنوات لمعرفة موعد التسليم أو يظل يبحث عن إجابة حول المرافق والخدمات، فهنا تصبح الصورة بحاجة إلى مراجعة.