الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

جولات وتصوير.. وشكاوى بلا حلول تضع أداء رؤساء الأجهزة تحت المجهر.

بين «شو» الجولات وغلق التعليقات.. من يحاسب رؤساء أجهزة المدن على شكاوى المواطنين؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في الوقت الذي أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أسرع الأدوات التي يلجأ إليها المواطن لعرض مشكلاته اليومية، تبرز ظاهرة تستحق التوقف أمامها داخل بعض صفحات أجهزة المدن الجديدة، تتمثل في غلق التعليقات على عدد من المنشورات، بما يحرم السكان من استخدام المساحة نفسها التي تنشر عليها أخبار الجهاز لعرض شكاواهم وملاحظاتهم.

وتزداد حساسية هذه المسألة عندما تكون الشكاوى مرتبطة بملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين، مثل الطرق والمياه والصرف والنظافة والإنارة والمواصلات والإشغالات والخدمات العامة، وهي ملفات لا يمكن قياس نجاح الجهاز فيها بعدد الجولات الميدانية أو الصور المنشورة، وإنما بما يتحقق على الأرض من نتائج ملموسة.

من صفحة خدمات إلى «لوحة بيانات»؟

أصبحت الصفحات الرسمية لأجهزة المدن خلال السنوات الأخيرة جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي للمدن الجديدة؛ إذ تنشر أخبار الجولات الميدانية، ومتابعة المشروعات، وحملات إزالة الإشغالات، ورفع المخلفات، وأعمال الرصف والتجميل.

وهذا الدور مهم بلا شك، لكن الصفحة الرسمية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد نافذة أحادية الاتجاه، تنشر من خلالها الإدارة ما تريد إعلانه، بينما يغيب صوت المواطن عندما يحاول التعليق أو طرح مشكلة مرتبطة بالمنشور نفسه.

فالصفحة الرسمية ليست حسابًا شخصيًا لرئيس الجهاز، وإنما قناة تواصل مرتبطة بمرفق عام، والمواطن الذي يتابعها ليس متلقيًا للإعلان فقط، وإنما صاحب مصلحة مباشرة في الخدمات التي يقدمها الجهاز.

العاشر من رمضان.. شكاوى تكشف حجم الفجوة

وتكشف منشورات متداولة على صفحات السكان حجمًا من الشكاوى المتعلقة بمدينة العاشر من رمضان، بداية من مشكلات الكلاب الضالة، مرورًا بالنظافة والإشغالات، وصولًا إلى شكاوى تتعلق بالطرق والمرافق والخدمات.

وفي إحدى المناقشات المنشورة على صفحة لسكان المدينة، قال مواطنون إنهم تقدموا بشكاوى متكررة بشأن الكلاب الضالة دون الوصول إلى حلول، بينما عرض آخرون مشكلات مرتبطة باستخدامات مخالفة داخل مناطق سكنية وتعديات على أراضٍ مخصصة للخدمات، إلى جانب شكاوى من طريقة إعادة أوضاع الأرصفة بعد تنفيذ أعمال المرافق.

هذه التعليقات، بصرف النظر عن تقييم كل شكوى على حدة، تكشف أن المواطن لا يبحث فقط عن منشور جديد عن جولة لرئيس الجهاز، وإنما يريد معرفة ماذا حدث بعد تقديم الشكوى، ومتى تنتهي المشكلة، ومن المسؤول عن حلها.

«الشو الإعلامي» ليس هو القضية.. النتيجة هي المعيار

ليس من العدل اختزال كل جولة ميدانية أو صورة لرئيس جهاز في وصف «شو إعلامي»، فالجولات والمتابعة الميدانية جزء أصيل من عمل أي جهاز مدينة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التصوير هو الدليل الوحيد المتاح أمام المواطن على أن العمل يتم، بينما لا يجد المواطن أثرًا واضحًا لذلك العمل في الشارع.

الاختبار الحقيقي لأي رئيس جهاز لا يكون بعدد الصور المنشورة له داخل موقع مشروع أو أثناء جولة تفقدية، وإنما بقدرته على تحويل هذه الجولة إلى قرارات وتنفيذ ومتابعة ومحاسبة، ثم العودة إلى الموقع مرة أخرى للتأكد من انتهاء المشكلة.

وفي المقابل، من المهم الإشارة إلى أن جهاز العاشر من رمضان أعلن خلال الأشهر الماضية عن تحركات ميدانية واستجابات لشكاوى، من بينها التعامل مع مخالفة في أعمال الرصف أثرت على المساحات المحيطة بالأشجار، وإعادة فتحها وفرض جزاءات مالية على الشركة المنفذة. كما أعلن الجهاز عن إجراءات مرتبطة بشكاوى منظومة السرفيس، وتنفيذ حملات واسعة لإزالة المخالفات والإشغالات.

وهذا يؤكد أن القضية ليست اتهام جهاز بعينه بعدم العمل، وإنما السؤال الأوسع: هل آليات التواصل مع المواطنين تواكب حجم العمل المطلوب؟

المواطن يريد «رقم الشكوى» قبل صورة الجولة

المشكلة الحقيقية في إدارة شكاوى المدن ليست فقط في استقبال الشكوى، وإنما في وجود دورة كاملة تبدأ من البلاغ وتنتهي بإغلاق الملف بعد الحل.

المواطن يريد أن يعرف: هل وصلت الشكوى؟ ومن فحصها؟ وماذا تبين؟ وما الإجراء الذي اتخذ؟ ومتى ينتهي التنفيذ؟

وهنا يمكن للصفحة الرسمية أن تتحول من مصدر للبيانات إلى أداة حقيقية لقياس الأداء، من خلال نشر نتائج الشكاوى وليس فقط أخبار الجولات.

فإذا نشر مواطن شكوى عن حفرة في شارع، فالأفضل ألا يكون الرد مجرد «جارٍ المتابعة»، وإنما أن يعرف المواطن أن الموقع تم فحصه، وأن أعمال الإصلاح بدأت، وأنها انتهت في تاريخ محدد.

غلق التعليقات.. حل للمشكلة أم إخفاء لها؟

قد ترى بعض الإدارات أن غلق التعليقات وسيلة للحد من التجاوزات أو التعليقات المسيئة أو تحويل المنشورات الرسمية إلى ساحات للجدل.

وهذا مفهوم من الناحية الإدارية، لكن الحل الأكثر كفاءة ليس بالضرورة إغلاق الباب بالكامل، وإنما تنظيمه.

فيمكن وضع قواعد واضحة للتعليقات، وحذف الإساءة والتشهير والاتهامات غير الموثقة، مع الإبقاء على مساحة تسمح للمواطن بعرض شكواه بصورة محترمة.

أما غلق التعليقات بصورة كاملة، فيبعث برسالة مختلفة: أن الإدارة تريد أن تتحدث إلى المواطن، لكنها لا تريد بالضرورة أن تسمع المواطن أمام الجمهور.

وهنا تتحول المشكلة من مجرد إعدادات في صفحة إلكترونية إلى قضية تتعلق بفلسفة الإدارة نفسها.

المدينة لا تُدار بالكاميرا

رئيس الجهاز في النهاية مسؤول عن مدينة حقيقية، وليس عن صفحة على فيسبوك.

فالشارع الذي يحتاج إلى رصف لن يتغير بالصورة، والقمامة لن تختفي بالمنشور، وضعف الإنارة لن ينتهي بالتصوير، ومشكلة المواصلات لن تحل بمجرد إعلان عن جولة، وكذلك مشكلات المياه والصرف والإشغالات لا تقاس بعدد البيانات التي تصدر بشأنها.

الإعلام الرسمي للجهاز مطلوب، لكنه يجب أن يكون انعكاسًا للعمل وليس بديلًا عنه.

والأهم أن المواطن يستطيع خلال دقائق أن يختبر صدق أي منشور؛ لأنه يعيش في المكان نفسه ويرى الطريق والخدمة والإنارة والنظافة والمرافق كل يوم.

المطلوب.. صفحة تسمع قبل أن تنشر

تحتاج أجهزة المدن الجديدة إلى تطوير مفهوم التواصل الرقمي مع السكان، بحيث تصبح الصفحة الرسمية جزءًا من منظومة إدارة المدينة، لا مجرد أداة لنشر الأخبار.

ويمكن أن تبدأ هذه المنظومة من تخصيص مساحة دائمة للشكاوى، مع تصنيفها حسب نوع المشكلة، وإظهار ما تم إنجازه منها، مع الحفاظ على الخصوصية في الحالات التي تتطلب ذلك.

كما أن نشر نسب الاستجابة ومدة حل الشكاوى سيكون أكثر تأثيرًا من عشرات الصور الميدانية؛ لأن المواطن سيجد أمامه مؤشرًا يمكن قياسه.

الثقة تُبنى بالاستجابة لا بالمنشور

المدن الجديدة التي تتوسع فيها الكثافة السكانية والمشروعات تحتاج إلى نموذج إداري أكثر انفتاحًا على السكان. فالمواطن لم يعد يكتفي بمعرفة أن رئيس الجهاز قام بجولة، وإنما يريد أن يرى نتيجة الجولة.

ومن هنا، فإن غلق التعليقات، إذا أصبح نهجًا متكررًا، يستحق المراجعة؛ ليس لأن كل تعليق يجب أن يبقى منشورًا، وإنما لأن حق المواطن في إبداء شكواه لا ينبغي أن يتحول إلى عبء على الإدارة.

المدينة الناجحة ليست التي تبدو جميلة في الصور، وإنما التي يشعر سكانها بأن مشكلاتهم تصل إلى المسؤول، وأن هناك من يسمعها ويتابعها حتى النهاية.

وبين «صورة الجولة» و«نتيجة الجولة» تقع المسافة الحقيقية بين الإدارة التي تكتفي بإظهار النشاط، والإدارة التي تقيس نجاحها بما تغير بالفعل في حياة المواطن.