الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

إيجارات ومكافآت وعدادات ومديونيات تحت الفحص

تقرير رقابي يكشف ملاحظات بملايين الجنيهات داخل “مياه الإسكندرية”

مصطفى الشيمي رئيس
مصطفى الشيمي رئيس القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي

الحقيقة مثل الفضيحة، مهما حاول البعض إخفائها، تظهر للنور،ويكتشفها الناس مع مرور الوقت، وهو ما حدث في تجاوزات  شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالإسكندرية، التي فتح الجهاز المركزي للمحاسبات ملفها، وكشف العديد من الملاحظات على أدائها.

تقرير رقابي حديث للجهاز كشف عن مجموعة واسعة من الملاحظات المالية والإدارية داخل شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالإسكندرية، شملت عددًا من الملفات الرئيسية المرتبطة بإدارة أموال الشركة ومصروفاتها وعمليات الشراء والتحصيل والمكافآت وأعمال ورش الإنتاج، إلى جانب أرصدة كبيرة من المديونيات المستحقة لدى جهات حكومية ومشتركين. وأكد التقرير، الذي أُعد في 6 أغسطس 2026، ضرورة اتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة حيال الملاحظات التي رصدها، مع إجراء التسويات والقيود المحاسبية المطلوبة وإفادة الجهاز بما انتهت إليه التحقيقات والإجراءات المتخذة.

ومن أبرز الملفات التي توقف عندها الجهاز، تكلفة استئجار وسائل نقل العاملين، حيث أظهر الفحص تحميل مصروفات الشركة بنحو 24.025 مليون جنيه خلال الفترة من يوليو 2025 وحتى أبريل 2026، نظير استئجار أتوبيسات وسيارات لنقل العاملين، بالإضافة إلى سيارات مخصصة لأعمال مرتبطة بالقطاع التجاري والفروع وتحصيل المتأخرات. واعتبر الجهاز أن الاستفادة بصورة أكبر من أصول الشركة المتاحة، إلى جانب الأصول المؤجرة، يمكن أن تساعد في تقليل الأعباء الناتجة عن الإيجارات، مطالبًا بإعداد خطة تدريجية لتحقيق هذا الهدف بدلًا من استمرار تحمل هذه التكلفة.

وحظيت ورشة الخياطة بمنطقة الناصرية بجانب مهم من ملاحظات التقرير، بعدما كشفت المراجعة عن وجود فروق بين تكلفة الخامات المستخدمة في الإنتاج وبين تكلفة المبيعات والكميات المنصرفة للعاملين والمدرسة وأرصدة الإنتاج التام. ووفق ما انتهت إليه لجنة سبق تشكيلها لفحص الواقعة، بلغت قيمة الفروق نحو 13.673 مليون جنيه، من بينها 11.393 مليون جنيه لم يتم الاستدلال على مصيرها، بينما بلغ المبلغ الآخر محل الفحص نحو 2.280 مليون جنيه.

ولفت الجهاز إلى أن الشركة لم تتخذ، حتى وقت إعداد التقرير، إجراءات حاسمة تتناسب مع ما انتهت إليه أعمال اللجنة السابقة، مطالبًا بموافاته بما تم اتخاذه من إجراءات ونتائج الفحص والتحقيقات بشأن هذه الفروق، بما يسمح بتحديد الموقف المالي والمسؤوليات المرتبطة بها.

ولم تتوقف الملاحظات الخاصة بالورشة عند فروق الخامات والإنتاج، إذ تناول التقرير أيضًا ملف المكافآت التي حصل عليها العاملون بها. وأشار إلى أن التحقيقات انتهت إلى إحالة الواقعة إلى النيابة العامة على خلفية ما تم رصده من مخالفات مالية، بينما قدر القطاع المالي صافي قيمة المكافآت محل الفحص بنحو 4.27 مليون جنيه. وجرى إبلاغ نيابة الأموال العامة بالواقعة في 3 مايو 2026، وقيدت القضية برقم 119 لسنة 2026.

كما كشف التقرير عن تحميل مدير الورشة السابق مديونية بلغت نحو 4.582 مليون جنيه، تم سداد مليون جنيه منها، مع مطالبة الجهاز بتحديد إجمالي المكافآت التي صرفت منذ إنشاء الورشة، إلى جانب بيان موقف الضرائب المستحقة عليها. وفي سياق متصل، أثار التقرير مسألة استمرار صرف مكافآت استثنائية مرتبطة بأعمال إنتاج الكمامات، رغم توقف إنتاج وبيع وتوزيع الكمامات منذ سنوات، بحسب ما ورد في الملاحظات الرقابية.

مشتريات بـ44 مليون جنيه وضريبة لم تُسترد

وفي ملف آخر، أظهر الفحص أن قيمة مشتريات الأقمشة ومستلزمات الإنتاج الخاصة بورشة الخياطة خلال الفترة من يوليو 2022 وحتى يناير 2026 بلغت نحو 44 مليون جنيه، من بينها قرابة 5.4 مليون جنيه ضريبة قيمة مضافة لم يتم استردادها. وطالب الجهاز بإعادة النظر في المعالجة المحاسبية لهذه المبالغ والتأكد من توافقها مع أحكام قانون الضريبة على القيمة المضافة ولائحته التنفيذية.

كما امتدت الملاحظات إلى بعض عمليات الشراء التي تمت بالأمر المباشر، حيث طالب الجهاز بتقديم المستندات والموافقات المتعلقة بعدد من العمليات، من بينها مشتريات من أحد موردي الوجبات الغذائية بقيمة بلغت نحو 1.314 مليون جنيه، إلى جانب مشتريات من شركة تعمل في التوريدات وقطع الغيار والصيانة واليافطات بإجمالي يقارب 862.9 ألف جنيه، فضلًا عن عمليات أخرى أشار التقرير إلى ضرورة استكمال مستنداتها.

وتضمن التقرير كذلك ملاحظات بشأن عمليات جرى خلالها تحويل قيم بعض المشتريات إلى حسابات شخصية، وطالب الجهاز بتقديم المستندات التي تثبت صحة هذه العمليات، والموافقات اللازمة، ومستندات التوريد وما يثبت استخدام المشتريات في الأغراض المخصصة لها.

ورصد الجهاز أيضًا وجود سلف مؤقتة جرى تحويلها إلى حسابات شخصية لبعض العاملين، مع تجاوز عدد من أصحاب هذه السلف المدد المحددة للتسوية دون تطبيق غرامات التأخير المنصوص عليها. وطالب التقرير باتخاذ الإجراءات اللازمة لإغلاق هذه السلف وفق القواعد المنظمة، مع تطبيق الجزاءات المالية المقررة في حالات التأخير.

وفي ملف العدادات مسبقة الدفع، كشف التقرير عن وجود نحو 305.621 ألف عداد موزعة على فروع الشركة، من بينها 38.622 ألف عداد لم يتم شحنها لمدة تجاوزت 12 شهرًا. كما رصد وجود نحو 1448 عدادًا بأرصدة سالبة، بلغت قيمة المديونية المرتبطة بها نحو 1.125 مليون جنيه.

وطالب الجهاز بفحص آلية الغلق الذاتي لهذه العدادات والوقوف على أسباب ظهور الأرصدة السالبة، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحصيل المستحقات وضمان عدم استمرار وجود أرصدة لا تتفق مع طبيعة نظام العدادات مسبقة الدفع.

كما توقف التقرير عند أسعار بعض العدادات مسبقة الدفع مقاس 4/3 بوصة، مشيرًا إلى قرارات صادرة عن مجلس إدارة الشركة بتحديد سعر بعض هذه العدادات عند 5200 جنيه، في حين أشار إلى قرار سابق صادر عن الشركة القابضة حدد السعر عند 1450 جنيهًا شاملًا كارت الشحن والضرائب. واعتبر الجهاز أن قرارات التسعير الصادرة عن الشركة القابضة تسري على الشركات التابعة، مطالبًا بالالتزام بها وإجراء التسويات المحاسبية اللازمة.

ولعل من أكبر الملفات التي تكشف حجم الضغوط المالية على الشركة، أرصدة العملاء من الجهات الحكومية، إذ بلغ رصيد المديونيات المسجل عليها نحو 338.539 مليون جنيه حتى نهاية مارس 2026.

وضمت القائمة مديونيات بقيم كبيرة على عدد من الجهات، بينها نحو 35.7 مليون جنيه مستحقة على هيئة السكك الحديدية، و16.15 مليون جنيه على مشروع مريوط لخدمة المزارع السمكية، بينما بلغت مديونية محافظة الإسكندرية نحو 40.817 مليون جنيه. كما سجلت مديونية هيئة ميناء الإسكندرية نحو 35.396 مليون جنيه، في حين وصلت مديونية ميناء الدخيلة إلى حوالي 62 مليون جنيه، من بينها نحو 58.6 مليون جنيه سبق الاتفاق على جدولتها.

وطالب الجهاز الشركة بتكثيف إجراءات التحصيل والعمل على خفض هذه الأرصدة المتراكمة، بما ينعكس على السيولة المتاحة لديها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتحسين كفاءة إدارة مواردها.

وفي جانب آخر من التقرير، رصد الجهاز قيام الشركة بإصدار فواتير سنوية لنحو 118.547 ألف مشترك في فروع أكتوبر وأبوقير والعجمي والساحل الشمالي. وأشار إلى أن هذه الممارسة تخالف، وفق ما أورده التقرير، القواعد المنظمة لمحاسبة المشتركين عن استهلاك المياه والصرف الصحي، مطالبًا بالعودة إلى الالتزام بالقراءات الشهرية للعدادات وتطبيق القواعد المحددة لإصدار الفواتير.

كما أعاد التقرير فتح ملف سرقة 37 موتورًا من إدارة الخلسة بفرع العجمي، مطالبًا الشركة بتقديم بيانات الحالات التي جرى فيها رفع مواتير باعتبارها أدوات للسرقة، إلى جانب صور محاضر الشرطة ومحاضر تسليم هذه المواتير إلى مخازن الشركة، لاستكمال الفحص الرقابي للواقعة.

وفي فرع الرمل، أشار الجهاز إلى واقعة عدم توريد 43 حافظة بلغت قيمتها الإجمالية نحو 101.487 ألف جنيه، ونسب التقرير الواقعة إلى أحد مفتشي المتأخرات. وأوضح أن أجزاء من المبلغ جرى سدادها على دفعات، إلا أن الجهاز طالب باستكمال فحص الواقعة وتحديد الموقف النهائي واتخاذ الإجراءات الرقابية والقانونية اللازمة.

وامتدت الملاحظات إلى عمليات التسوية والخصم من أرصدة العملاء، إلى جانب وجود عدادات تالفة ومدفونة في عدد من الفروع. كما أظهر التقرير حجمًا مرتفعًا من المديونيات في فرع الرمل، حيث وصلت مديونية استهلاك الحاسب الآلي إلى نحو 327 مليون جنيه حتى 31 مارس 2026، من بينها حوالي 22 مليون جنيه مستحقة على عملاء تجاوزت مديونية كل منهم 50 ألف جنيه.

ولم تتوقف المشكلة عند حجم المديونيات، إذ أشار الجهاز إلى انخفاض نسبة تحصيل فواتير الاستهلاك في الفرع خلال يونيو 2026 إلى نحو 11.5%، وهو ما دفعه إلى المطالبة بتنشيط أعمال التحصيل واتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لرفع معدلات تحصيل مستحقات الشركة.

وفي ختام التقرير، شدد الجهاز المركزي للمحاسبات على ضرورة التعامل مع الملاحظات الواردة بصورة عملية، من خلال إجراء التسويات والقيود المحاسبية اللازمة، وتصحيح أوجه القصور، واستكمال التحقيقات وتحديد المواقف المالية والقانونية للوقائع محل الفحص، مع موافاته بالمستندات والردود التي توضح ما تم اتخاذه بشأن كل ملاحظة.

وتبقى هذه الوقائع، وفق طبيعة التقرير الرقابي، ملاحظات ومطالبات بالفحص والتصحيح والتحقيق وليست أحكامًا نهائية تثبت مسؤولية أشخاص أو جهات بعينها، إذ إن تحديد المسؤوليات النهائية يتوقف على ما تسفر عنه التحقيقات والإجراءات القانونية والمحاسبية اللاحقة.

ومع ذلك، يكشف حجم وتنوع الملفات التي تناولها التقرير عن تحديات تحتاج إلى معالجة داخل الشركة، خصوصًا في مجالات التحصيل وإدارة الأصول والمشتريات والمخزون والعدادات، بما يضمن الحفاظ على موارد الشركة ورفع كفاءة استخدامها.