الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

من رئة خضراء إلى كتل خرسانية تحبس الأنفاس:

من المسؤول عن تدمير “جناين العبور” ؟ 

جناين العبور
جناين العبور

كان المفترض أن يكون الحزام الأخضر هو المساحة التي تحافظ على الوجه الأخضر لمدينة العبور، وأن يظل فاصلاً طبيعيًا بين الكتلة العمرانية والمناطق المحيطة بها، لكن المشهد يتغير، أراضٍ كانت مخصصة للنشاط الزراعي أصبحت، بقرارات رسمية، تدخل تدريجيًا في نطاق المشروعات السكنية والعمرانية المتكاملة، فيما تتحول مساحات كانت تُحسب ضمن الرصيد الأخضر للمدينة إلى مخططات وطرق ومبانٍ وخرسانات.

أزمة أرض الحزام الأخضر 

هل يتحول الحزام الأخضر في مدينة العبور تدريجيًا من مساحة يفترض أن تحافظ على الوجه الأخضر للمدينة إلى أراضٍ مفتوحة أمام الإنشاءات والخرسانة؟ سؤال لم يعد مجرد حديث بين السكان، بعدما تصاعدت خلال الأيام الأخيرة شكاوى بشأن تجريف مساحات خضراء وأعمال إنشائية في مناطق متاخمة للحزام الأخضر، خصوصًا في نطاق الحي التاسع والتبة.

الأزمة وصلت إلى مجلس النواب، بعدما تقدمت النائبة أميرة العادلي بطلب إحاطة بشأن ما وصفته بتجريف مساحات خضراء شاسعة في مدينة العبور، وطالبت الحكومة بالكشف عن الوضع القانوني والتخطيطي الحالي للحزام الأخضر والتبة، وما إذا كانت صدرت قرارات خلال السنوات الأخيرة بتغيير استخدام أو تخصيص أجزاء منهما، والمساحات التي شملتها تلك القرارات والاستخدامات الجديدة المقررة لها.

 الحزام الأخضر في العبور

وبحسب ما أعلنته النائبة، فإن المساحات محل الجدل تتجاوز 15 ألف فدان، وهو رقم ضخم يعكس حجم القضية، خصوصًا أن الحزام الأخضر في العبور يُنظر إليه باعتباره أحد أهم المساحات المفتوحة داخل نطاق المدينة. كما أشارت إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بإزالة الأشجار، وإنما بمدى الالتزام بالمخططات العمرانية والحفاظ على التوازن البيئي للمدينة.

لكن السؤال الأكثر إلحاحًا هو، كيف انتقلت هذه الأراضي من كونها مساحات خضراء إلى مناطق مطروحة للتطوير والإنشاء؟ وهل جرى تغيير استخدام أجزاء منها بقرارات رسمية معلنة، أم أن ما يحدث على الأرض يتجاوز المخططات والتخصيصات المعتمدة؟

المفارقة أن الدولة نفسها تطرح أراضي في مدينة العبور لأنشطة استثمارية وتجارية وخدمية، في إطار خطة تستهدف تعظيم الاستفادة من الأراضي وتوفير الخدمات والتوسع العمراني، وقد أعلنت وزارة الإسكان في أبريل 2026 طرح أربع قطع أراضٍ بالعبور لأنشطة تجارية وحضانة ومخازن ومعارض.

مصير المساحات التي يفترض أن تظل خضراء ومفتوحة

وهنا لا تكمن المشكلة في الاستثمار أو إقامة المشروعات في حد ذاته، وإنما في مصير المساحات التي يفترض أن تظل خضراء ومفتوحة، فالتنمية لا تعني بالضرورة إزالة كل مساحة خضراء وتحويلها إلى مبانٍ، كما أن تعظيم قيمة الأرض لا ينبغي أن يكون على حساب جودة الحياة داخل المدينة.

والأهم أن السكان يريدون إجابة واضحة عن سؤال ظل يتردد،  من صاحب القرار؟

فإذا كانت أعمال التخصيص أو تغيير الاستخدام تمت بصورة قانونية، فمن الجهة التي أصدرت الموافقات؟ وما المساحات التي تغير نشاطها؟ وما طبيعة المشروعات التي ستقام عليها؟ وإذا لم تتغير الاستخدامات رسميًا، فمن سمح بأعمال التجريف والإنشاء؟

إزالة مساحات خضراء في محيط الحي التاسع والتبة

وتزداد علامات الاستفهام مع تداول شكاوى عن إزالة مساحات خضراء في محيط الحي التاسع والتبة، بينما لم يحصل السكان، بحسب ما أثير على تفسير واضح لطبيعة الأعمال الجارية أو المشروعات المستهدفة.

لذلك، فإن المطلوب ليس مجرد نفي أو تبادل للمسؤوليات بين الجهاز والهيئة والوزارة، وإنما كشف حساب معلن للحزام الأخضر في العبور يتضمن خريطة الأراضي، وملكيتها وتخصيصاتها، وما تم تغيير نشاطه، وما سيظل أخضر، والمشروعات التي حصلت على موافقات، والجهة التي أصدرت كل قرار.

فالسؤال في النهاية ليس ضد التنمية، وإنما ضد غياب الشفافية، وإذا كان ما يحدث تطويرًا حقيقيًا للعبور، فلماذا لا يعرف المواطن تفاصيله؟ وإذا كانت هناك مشروعات قانونية، فلماذا لا تعلن الجهات المختصة خريطة واضحة لها؟ أما إذا كانت هناك أعمال تمت بالمخالفة، فالمطلوب هو وقفها ومحاسبة المسؤول عنها.

الحزام الأخضر ليس مجرد أرض خالية تنتظر البناء؛ إنه جزء من هوية المدينة، وتحويله من الخضرة إلى الخرسانة قرار يجب أن يعرف المواطن كيف اتُخذ، ولماذا اتُخذ، ومن المستفيد منه، وماذا سيبقى للمدينة بعد أن تختفي المساحات الخضراء.