تسبب في إهدار مليار و51 الف ولابد من محاسبته
الإسكان 24” ينشر نص أخطر حكم قضائي ضد رئيس صندوق التنمية الحضرية
في أي بلد في العالم، إذا ثبت إهمال مسؤول أو تقصيره، تكون الإقالة الفورية، العقاب الذي يناله، ناهيك عن ملاحقته قضائيا، والزج به خلف غياهب السجون إذا ثبت إهداره للمال العام، لكن في مصر تبدو الآية مختلفة تماما، فالفاشل يستمر في منصبه، ومن أضاع أكثر من مليار جنيه على الدولة بدلا من محاسبته ومحاكمته، يتم تكريمه بمنحه مناصب جديدة، وتكليفه بمهام أخرى، وترقيته إلى مناصب أعلى.
وهذا ما يحدث تحديدا مع خالد صديق ، رئيس صندوق التنمية الحضرية، الذي ورط الدولة وأضاع عليها، مبلغ خرافي، في إحدى مشروعات الصندوق بمدينة نصر، ووفقا لحكم فضائي وزارة الأسكان ملزمة بسداد مبلغ: 1,051,900,800 جنيه، أي أكثر من مليار و51 مليون جنيه ، تعويض لأصحاب ارض للغير بني عليها مشروع خاص بصندوق التنمية الحضرية ، وذلك خطأ لا يتغتفر لرئيس مجلس إدارة الصندوق، حيث قام بالبناء على أرض مملوكة للغير دون التأكد من سند الملكية وتبعيتها للصندوق ، وما تلا ذلك من ظهور آخرين، قدموا من المستندات ما يثبت ملكيتهم لمساحة 43829 متر مربع اي ما يساوي مساحة 10 فدان ونصف أقيم عليها المشروع وحكمت محكمة الاستئناق لصالحهم بتعويض خرافي.
الاسكان 24 يحصل علي صورة من الحكم
وحصل "الإسكان 24" على نص الحكم في قضية «المليار جنيه» التي هزت صندوق التنمية الحضرية، والتي انتهت فيها محكمة استئناف القاهرة إلى إلزام الممثل القانوني للصندوق بسداد مبلغ يتجاوز مليار جنيه لصالح ملاك أرض استولى عليها للمنفعة العامة دون صدور قرار بنزع الملكية، وفق ما أورده الحكم الصادر في الاستئنافين رقمي 1880 و3987 لسنة 28 قضائية.
وتكشف أوراق القضية عن نزاع بدأ بسبب أرض تبلغ مساحتها 43829.20 متر مربع، جرى تسليمها إلى الجهة المستفيدة في 15 فبراير 2021، بحسب ما أثبته تقرير الخبير المنتدب في الدعوى، دون صدور قرار بنزع الملكية وفق الإجراءات القانونية.
وتعود بداية النزاع إلى إقامة ملاك الأرض دعوى قضائية طالبوا فيها بالتعويض عن الأراضي المستولى عليها، إلى جانب الريع المستحق عن فترة الاستيلاء والفوائد القانونية، مستندين إلى أن الاستيلاء تم دون اتباع الإجراءات المنصوص عليها في قانون نزع الملكية للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته.
تقرير الخبراء
وبحسب تقرير الخبير، الذي أودع ملف الدعوى بتاريخ 4 أكتوبر 2022، قدرت قيمة الأرض على أساس سعر 20 ألف جنيه للمتر المربع، بإجمالي بلغ 876 مليونًا و584 ألف جنيه.
كما انتهى الخبير إلى احتساب ريع عن الأرض بنسبة 7% من قيمتها خلال الفترة محل البحث.
بداية الحكم الذي أشعل النزاع
في 30 ديسمبر 2023 أصدرت محكمة أول درجة حكمها في الدعوى رقم 174 لسنة 2023 مدني حكومة كلي شمال القاهرة، حيث قضت بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى محافظ القاهرة ورئيس حي شرق مدينة نصر ورئيس مجلس الوزراء لرفعها على غير ذي صفة، بينما ألزمت صندوق التنمية الحضارية بأداء التعويض والريع اللذين انتهى إليهما تقرير الخبير، إضافة إلى الفوائد القانونية بواقع 4% من تاريخ صيرورة الحكم نهائيًا وحتى السداد.
الحكم لم يكن نهاية النزاع، إذ طعن ملاك الأرض عليه بالاستئناف رقم 1880 لسنة 28 ق مطالبين بزيادة التعويض بما يتناسب مع تفاقم الضرر وتغير قيمة العملة.
وفي المقابل، أقام صندوق التنمية الحضرية الاستئناف رقم 3987 لسنة 28 ق، مطالبًا بإلغاء الحكم، ودفع بعدم الاختصاص الولائي للمحاكم العادية، وبانعقاد الاختصاص للقضاء الإداري، كما تمسك بعدم الاختصاص المحلي، وطلب في الموضوع رفض الدعوى وندب لجنة خبراء ثلاثية.
المحكمة تحسم الاختصاص
محكمة استئناف القاهرة رفضت دفوع الصندوق المتعلقة بالاختصاص الولائي، مؤكدة أن مصدر التزام الجهة نازعة الملكية بتعويض أصحاب العقارات هو القانون وليس العمل غير المشروع، سواء التزمت الجهة بإجراءات نزع الملكية أم لم تلتزم بها.
وأوضحت المحكمة أن الاستيلاء على العقار دون اتباع الإجراءات القانونية يؤدي إلى تمكين الدولة من حيازة العقار وتخصيصه للمنفعة العامة، وهو ما يرتب لأصحاب الشأن الحقوق التي قررها قانون نزع الملكية، وفي مقدمتها الحق في التعويض.
كما رفضت المحكمة الدفع بعدم الاختصاص المحلي، موضحة أن الصندوق سبق أن تمسك بهذا الدفع أمام محكمة أول درجة، لكنه لم يطعن على الحكم الصادر بشأن الاختصاص في حينه، فأصبح الحكم نهائيًا وحائزًا للحجية في هذا الشأن.
من 876 مليونًا إلى أكثر من مليار جنيه
وفي الجزء الأهم من الحكم، أعادت محكمة الاستئناف النظر في قيمة التعويض، مؤكدة أن تقدير التعويض في حالات نزع الملكية يكون وفقًا للقواعد القانونية المنظمة لذلك.
واستندت المحكمة إلى المادة 6/2 من قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990 بعد تعديلها بالقانون رقم 24 لسنة 2018، والتي ترتب إضافة 20% إلى قيمة التقدير.
وبناءً عليه، عدلت المحكمة قيمة التعويض المستحق، وانتهت إلى إلزام الممثل القانوني لصندوق التنمية الحضرية بسداد مبلغ: 1,051,900,800 جنيه، أي أكثر من مليار و51 مليون جنيه.
ولم تتوقف الزيادة عند قيمة التعويض، إذ رأت المحكمة أن نسبة الريع التي انتهى إليها الخبير، وقدرها 7%، لا تكفي لجبر الضرر، فقامت بتعديلها إلى 15% من ثمن العقار المقدر، اعتبارًا من تاريخ الاستيلاء في 15 فبراير 2021 وحتى تاريخ صدور الحكم.
وحددت المحكمة توزيع مبلغ التعويض والريع بين صاحبي الحق بنسبة 60% للمستأنف الأول و40% للمستأنف الثاني.
رفض استئناف الصندوق
وفي منطوق الحكم، قبلت المحكمة الاستئنافين شكلًا، لكنها رفضت استئناف صندوق التنمية الحضرية موضوعيًا، بينما قبلت استئناف ملاك الأرض جزئيًا وعدلت الحكم المستأنف لصالحهما.
كما ألزمت الممثل القانوني لصندوق التنمية الحضرية بمصاريف الاستئنافين، إضافة إلى 100 جنيه مقابل أتعاب المحاماة، وأبقت على الحكم فيما عدا ما تم تعديله.








وبالعودة إلى أزمة الأرض محل النزاع، فالمعلومات التي وصلت إلينا بشأن مشروع صندوق التنمية الحضرية بمدينة نصر تفتح بابًا بحجم مليار جنيه؛ بابًا لا يجوز إغلاقه بتأشيرة مقتضبة أو رد مختصر، فالمبلغ ضخم ولا يمكن دفنه تحت خرسانة 54 عمارة، ولا تمريره باعتباره نزاعًا قضائيًا حول مشروع واعتبار خسارته نوعًا من التكاليف الإجمالية للمشروع. هذا المليار يمكن أن يبني مدرسة أو يشيد مستشفى.
المصادر تتحدث عن أرض دخلت ضمن مشروع سكني ضخم تابع لصندوق التنمية الحضرية، ثم ظهر من يزعم ملكيتها، فلجأ إلى القضاء، وحصل على حكم يقترب من مليار جنيه، قبل أن تُضاف إليه نحو 51 مليون جنيه قيل إنها مصروفات وأتعاب مرتبطة بالتقاضي.
اهدار مليار 51 مليون جنيه
رقم ثقيل لا يسقط من دفاتر الدولة مصادفة، ولا ينبغي أن يعبر من خزائنها في هدوء، ولا يجوز أن يختبئ خلف عبارة باردة من نوع "نزاع أمام القضاء".
فالقضية، تتجاوز اعتبارها حكمًا خسرته جهة حكومية؛ خاصة بعدما فرضت التفاصيل التي اطلعت عليها "فيتو" سلسلة طويلة من الأسئلة التي تبدأ من قبل أن تدخل أول حفارة إلى الأرض، وتمتد حتى آخر توقيع محتمل على أمر صرف المبلغ من خزينة الدولة.
مشروع بـ7 مليارات جنيه
في يوليو 2022، أعلن المهندس خالد صديق، رئيس صندوق التنمية الحضرية، أن مشروع الصندوق بمدينة نصر يقام على مساحة تقارب 40 فدانًا، بتكلفة تقديرية تصل إلى سبعة مليارات جنيه وفي نوفمبر 2024، وخلال جولة لرئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، أعلن رئيس الصندوق أن «الواحة فيو» يضم 54 عمارة و2528 وحدة سكنية، إلى جانب 76 محلًا تجاريًا، ومسجد، وحضانة، ونادٍ صحي، وملاعب وجراجات.
ثم طُرحت الوحدات للبيع، وبدأ تسليمها إلى المواطنين، لتصبح الأرض محل المشروع أصلًا عقاريًا قائمًا امتلأت دفاتره المحاسبية بمليارات الدولة وأموال المشترين
ولهذا يصبح السؤال الأول كاشفًا وفادحًا:
كيف يمكن أن تدخل أرض محل نزاع على الملكية ضمن مشروع حكومي بهذا الحجم؟
من راجع ملكية الأرض؟
قبل البناء توجد إجراءات لا تحتمل المجاملة ولا التقريب تشمل مراجعة سندات الملكية، وتحديد الحدود والإحداثيات، وإجراء الرفع المساحي، ومطابقة المستندات بالطبيعة، والكشف عن أي تداخل مع أملاك الغير أو نزاعات قضائية قائمة.
هذه الإجراءات تمثل بذاتها سور الحماية الأول لأموال الدولة والمنتفعين.
فإذا ثبت أن جزءًا من أرض المشروع مملوك لمواطن، أو كان محل نزاع جدي قبل بدء التنفيذ، فإننا لا نكون أمام "خطأ إداري" بل أمام ثقب واسع في منظومة الفحص والاستلام والمراجعة.
من سلَّم الأرض إلى الصندوق؟
ومن تسلَّمها؟
ومن أجرى الرفع المساحي؟
ومن راجع سند الملكية؟
ومن طابق الحدود على الطبيعة؟
ومن وقَّع على صلاحية الأرض للبناء؟
وهل ظهرت اعتراضات قبل التنفيذ ثم جرى تجاهلها، أم أن جهة ما لم تقم بواجبها من الأساس؟
بحسب المعلومات التي حصلنا عليها، تمسّك أحد المواطنين بملكيته لجزء من الأرض التي دخلت نطاق المشروع، ثم طرق أبواب القضاء مطالبًا بحقه والتعويض عما أُقيم فوقها.
منذ تلك اللحظة لم يعد الملف خلافًا عقاريًا عاديًا. لقد تحول إلى قنبلة مالية داخل مؤسسة عامة؛ قنبلة تعادل قيمتها أكثر من 15% من التكلفة التقديرية المعلنة للمشروع في 2022.
وكان المفترض أن تتحول القضية فورًا إلى ملف طوارئ قانوني وإداري، تصدر فيه التوجيهات بفحص كل ورقة، ومراجعة كل مذكرة دفاع، وتسجيل كل جلسة، واخطار رئيس الصندوق بتطوراته أولًا بأول.
لكن الرواية التي وصلت إلينا تحمل مفاجأة أشد خطورة
من غاب عن جلسة المليار؟
تقول المصادر إن صندوق التنمية الحضرية استأنف الحكم، لكنها تتحدث أيضًا عن غياب ممثله القانوني عن إحدى الجلسات الحاسمة، قبل أن ينتهي المسار إلى تأييد الحكم وإضافة نحو 70 مليون جنيه قيمة مصروفات وأتعاب المحاماة.
نحن لا نجزم بأن غياب المحامي كان سببًا في تأييد الحكم؛ فتلك مسألة لا يحسمها إلا ملف الدعوى ومحاضر الجلسات وأسباب المحكمة.
لكن إذا ثبت الغياب، فستقف الإدارة القانونية للصندوق أمام سؤال بالغ القسوة:
كيف يغيب ممثل جهة حكومية عن جلسة في قضية تبلغ مخاطرها المالية مليار جنيه؟
هل غاب سهوًا أم غاب عن عن عمد؟
هل أخطأ في متابعة الموعد؟
هل كانت هناك مذكرة دفاع مودعة تليق بحجم القضية أم كانت مجرد شيئ من الشكل؟
هلتم إبلاغ الإدارة العليا بالغياب؟
وهل فتح قطاع متابعة الإدارات القانونية للمؤسسات الحكومية بوزارة الاسكان او مجلس الوزراء تحقيقًا في القضية أم أن هذ القطاع نفسه نام في العسل مثل الإدارة القانونية ؟
المليار ليس مبلغًا هينًا.. ولا جلسة الحكم التي تنظر في إغاءه أو تأكيده يمكن أن يتم نسيانها في زحمة جداول المحامين. إنه رقم يكفي وحده لإشعال الضوء الأحمر في مكاتب الصندوق ووزارة الإسكان والأجهزة الرقابية.
أين خالد صديق؟
المهندس خالد صديق هو رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، والرجل الذي قدّم مشروع الواحة للرأي العام، وتحدث عن تكلفته ومساحته ووحداته ومراحل تنفيذه ومنصبه يؤكد رسميّا أنه مسؤول شخصيًا عن كل خطأ قانوني أو مساحي قد يكون وقع في المشروع، وهو بذلك يًصبح المسؤول الأول عن إهدار المليار و 70 مليون جنيه. وهنا يجب أن نسأله بوضوح:
متى علمت بالنزاع؟
متى علمت بالحكم الابتدائي؟
هل عُرض عليك تقدير المخاطر المالية؟
من كلّفته بمتابعة الاستئناف؟
هل أُخطروك بغياب ممثل الصندوق؟
وهل فتحت تحقيقًا داخليًا لتحديد المسؤولية، أم تركت المليار يغرق في بحر من الصمت؟
وماذا عن مصطفى منير؟
المعلومات التي وصلت إلينا تضع اسم المهندس مصطفى منير بين المسؤولين التنفيذيين الذين كانت لهم صلة بإدارة الملف.
لكن الصحافة الجادة لا تصنع مذنبًا من منصب، ولا تعلق المسؤولية في رقبة اسم قبل أن تتكلم المستندات.
تحديد مسؤوليته يتطلب قرار تكليف، أو مذكرة عرض، أو توقيعًا على إجراء، أو مستندًا يثبت أن الأرض أو النزاع أو القضية كانت تدخل ضمن اختصاصه الفعلي.
تقرير جريدة وموقع "الإسكان 24" هنا لا يبحث عن كبش فداء إنما يقدَّم للرأي العام صاحب الأموال التي يصرف منها قيادات الصندوق مرتباتهم صالورة كما هي، ويطرح نيابة عنه سلسلة من الاستفهامات التائهة حول ثلاثة ملفات يجب حسمها:
الأول عقاري وهندسي:
كيف دخلت أرض متنازع عليها في مشروع حكومي؟
الثاني إداري:
متى ظهر النزاع، ومن أداره، وهل كانت هناك فرصة لتسويته قبل تضخم تكلفته؟
الثالث قانوني:
كيف أدار الصندوق قضية تبلغ مخاطرها مليار جنيه؟ وهل حضر ممثلوه جميع الجلسات واستنفدوا طرق الطعن في مواعيدها؟
وقد يكون لكل مسار مسؤول مختلف. ولذلك فإن حصر القضية في غياب محامٍ — إن ثبت — قد يكون محاولة للنظر إلى طرف الخيط وترك البكرة كاملة في الظلام أمام الأجهزة الرقابية.
الملف امام الجهات ومن يحمي خالد صديق
إننا في "الإسكان 24" نضع الملف الآن أمام الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات ووزارة الإسكان، وأمام كل جهة تملك حق السؤال عن إهدار المال العام.
لا نطلب حكمًا مسبقًا، كل ما نطلبه هو فتح الخزائن المغلقة وإخراج الأوراق إلى الضوء:
قرار تخصيص الأرض وسند ملكيتها، والرفع المساحي المعتمد، ومحاضر التسليم، ومسار الدعوى، وأحكام أول درجة والاستئناف، ومحاضر الجلسات، وموقف الطعن، ومستندات سداد أي مبالغ، ونتائج التحقيقات الداخلية إن كانت قد أُجريت.
فما لا يمكن قبوله أن تخسر الخزانة العامة مليار و 51 مليون جنيه.. ثم لا يُحاسب أحد.
فالدولة قد تخسر قضية، وهذا طبيعي في دولة القانون. أما غير الطبيعي فهو أن تخسر مليارًا كان يمكن إنقاذه، ثم تضيع المسؤولية بين اللجان والتوقيعات وممرات الصمت.