الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

أول من فكر في تحويل الصحراء إلى عمق عمراني:

"صناع العمران" الحلقة الأولى.. حسب الله الكفراوي.. عراب “المدن الجديدة” الذي أعاد رسم خريطة مصر

حسب الله الكفراوي
حسب الله الكفراوي

في وقت كانت فيه مصر محاصرة داخل شريط ضيق من الوادي والدلتا.. كانت المشكلة العمرانية أكبر من مجرد نقص المساكن.

السكان يتزايدون.. المدن تتمدد على حساب الأراضي الزراعية.. والقاهرة تزدحم بالناس والوظائف والمؤسسات.. بينما الصحراء المصرية تبدو مساحة هائلة لا تجد طريقها إلى خريطة العمران.

في هذه اللحظة ظهرت فكرة مختلفة..لماذا لا تذهب مصر إلى الصحراء بدل أن يستمر العمران في التهام الوادي؟

لم تكن الفكرة جديدة تمامًا.. لكن أحد أكثر الرجال ارتباطًا بتحويلها إلى مشروع واسع كان المهندس حسب الله الكفراوي.. الرجل الذي التصق باسمه لاحقًا لقب «أبو المدن الجديدة».. كما عرفه كثيرون بلقب «وزير الغلابة».

لكن قصة الكفراوي رحمة الله عليه  لم تبدأ من مكتب الوزير، ولكنها بدأت من موقع العمل.

من السد العالي.. ثم من كهرباء الصعيد.. ثم من تعمير مدن القناة بعد حرب أكتوبر.. قبل أن يصل إلى وزارة التعمير والإسكان في أكتوبر 1977 ويحمل معه خبرة مهندس اعتاد أن يرى المشروع على الأرض قبل أن يراه في الأوراق.

 

من دمياط إلى السد العالي.. المدرسة الأولى

وُلد حسب الله الكفراوي في دمياط عام 1930،  درس الهندسة وبدأ حياته المهنية في وزارة الأشغال.. ثم انتقل إلى أسوان للعمل في مشروع السد العالي.

وهناك أمضى سنوات شكلت جانبًا مهمًا من شخصيته المهنية، كان المشروع من أكبر مشروعات مصر في ذلك الوقت.. ولم يكن العمل فيه مجرد حسابات هندسية ومخططات على الورق.

بحسب رواية الكفراوي نفسه.. عمل في السد العالي منذ عام 1958 حتى 1964.. ثم تولى رئاسة المنطقة الجنوبية لخطوط الكهرباء من سوهاج إلى أسوان.

كان شابًا في منتصف الثلاثينيات.. لكنه وجد نفسه أمام مشروع ضخم وفرق عمل ومعدات ومئات الكيلومترات من خطوط الكهرباء.

في حواراته اللاحقة كان يتحدث عن هذه المرحلة باعتبارها مدرسة حقيقية في الإدارة، كان قريبًا من العمال.. يعيش بينهم ويتابع التنفيذ ميدانيًا.. ويتعامل مع المشكلة وقت حدوثها بدل انتظار التقارير.

هذه التجربة ستصبح مهمة جدًا عندما ينتقل بعد سنوات إلى ملف التعمير، لأن المدن الجديدة التي ستظهر لاحقًا لم تكن بالنسبة له مجرد عمارات تحتاج إلى مهندس يصممها.. وإنما مشروعات تحتاج إلى طرق ومياه وصرف وكهرباء وصناعة وعمالة وسكان.

من الكهرباء إلى تعمير مدن القناة

بعد سنوات العمل في قطاع الكهرباء.. انتقل الكفراوي إلى واحدة من أهم مراحل حياته المهنية.

بعد حرب أكتوبر، كانت مدن القناة أمام مهمة ضخمة، مدن تعرضت للدمار.. وسكان هُجّروا.. وبنية أساسية تحتاج إلى إعادة بناء.

تولى الكفراوي مسؤولية جهاز تعمير منطقة القناة.. وفي روايته عن هذه الفترة كانت المهمة واضحة، إعادة الحياة إلى المدن وتهيئة الظروف لعودة السكان.

وهنا ظهر أسلوبه التنفيذي بصورة أوضح، فلم يكن المطلوب وضع خطة عمرانية لسنوات طويلة فقط.. وإنما إنجاز أعمال على الأرض في ظروف صعبة.

وبحسب شهادته.. جرى تنفيذ جانب كبير من أعمال إعادة التعمير خلال فترة قصيرة امتدت من 1974 إلى 1976.

كانت تجربة القناة بالنسبة له أكثر من محطة وظيفية، كانت اختبارًا لفكرة ستصبح لاحقًا محور تجربته كلها عنوانها “العمران ليس مباني فقط.. وإنما منظومة كاملة يجب أن تعمل في الوقت نفسه”، وهذه الفكرة ستظهر بوضوح عندما يدخل وزارة التعمير والإسكان.

 

أبريل 1977.. اللحظة التي ولدت فيها خريطة المدن الجديدة

في أبريل 1977.. استدعاه الرئيس أنور السادات، وبحسب رواية الكفراوي نفسه.. كان السؤال متعلقًا بمشكلة تركز المصريين في الوادي والدلتا.. وكيف يمكن لمصر أن تتوسع خارج المساحة الزراعية المحدودة، وخرج الكفراوي من اللقاء إلى إعداد تصور واسع للتنمية العمرانية.

وفي يوليو من العام نفسه.. تحدث عن تصور لتقسيم الجمهورية إلى مناطق تنموية ودراسة إمكانات كل منطقة ومواردها، وكانت الفكرة تتجاوز بناء مدينة هنا أو مشروع إسكان هناك ، كان يريد أن تصبح الصحراء جزءًا من الحياة الاقتصادية والسكانية لمصر.

وتحدث عن ست مناطق للتنمية تشمل سيناء.. ومنطقة قناة السويس.. والبحر الأحمر.. ومنطقة بحيرة السد العالي.. والوادي الجديد.. والساحل الشمالي، كما تحدث عن برنامج يستهدف إنشاء 17 مدينة جديدة.

وهنا تبدأ واحدة من أهم النقاط التي يجب التوقف عندها، فعدد المدن المرتبطة بتجربة الكفراوي يختلف بين المصادر.

بعض المصادر الرسمية تتحدث عن 15 مدينة.. بينما تتحدث مصادر أخرى عن 16 أو 17 مدينة.. والكفراوي نفسه تحدث عن برنامج من 17 مدينة.

وهذا الاختلاف لا يقلل من حجم المشروع.. لكنه يوضح ضرورة الفصل بين التخطيط والتنفيذ وبين المدن التي بدأت في عهده والمدن التي اكتمل تنفيذها لاحقًا.

 

أبو المدن الجديدة.. لماذا خرج العمران إلى الصحراء؟

الفكرة الأساسية كانت بسيطة في ظاهرها.. إذا كان الوادي لا يتسع لكل المصريين.. فلا بد من خلق وديان عمرانية جديدة في الصحراء.

لكن تحويل الفكرة إلى واقع كان أكثر تعقيدًا، فالمدينة الجديدة تحتاج إلى مياه ، و كهرباء،و طرق ، كما تحتاج إلى صرف صحي ومدارس وخدمات.

والأهم أنها تحتاج إلى سبب يجعل الناس ينتقلون إليها، ولهذا ارتبطت تجربة الكفراوي منذ بدايتها بفكرة الجمع بين السكن والعمل.

لم يكن الهدف أن تبنى عمارات في الصحراء ثم ينتظر السكان سنوات حتى تصل إليها الحياة، كانت الصناعة بالنسبة لهذا التصور جزءًا من عملية إنشاء المدينة نفسها.

وهنا ظهرت مدن مثل العاشر من رمضان ومدينة السادات و6 أكتوبر و15 مايو ودمياط الجديدة ضمن مشروع المدن الجديدة، ولم تكن جميعها متشابهة في الوظيفة أو الحجم أو توقيت الإنشاء.. لكن الفكرة المشتركة كانت الخروج من مركزية الوادي والقاهرة إلى مجتمعات جديدة لها اقتصادها ومرافقها وخدماتها.

 

العاشر من رمضان و6 أكتوبر والسادات.. المدينة التي تبحث عن وظيفة

 

العاشر من رمضان أصبحت واحدة من أبرز النماذج التي ارتبطت بمشروع المدن الصناعية الجديدة، والفكرة هنا مهمة جدًا، فالمدينة لا يمكن أن تنجح فقط لأن الدولة بنت فيها وحدات سكنية.

إذا لم توجد فرص عمل.. سيظل السكان مرتبطين بالقاهرة أو المدن القديمة، ولهذا أصبحت الصناعة جزءًا أساسيًا من تجربة المدن الجديدة.

وتتحدث المصادر الرسمية عن مئات المصانع التي ارتبطت بهذه التجربة.. بينما يرد رقم 920 مصنعًا في عدد من المصادر عند الحديث عن حصيلة تجربة الكفراوي.

 

مدينة السادات.. أكثر من مدينة جديدة

مدينة السادات تحمل قصة مختلفة، فبحسب رواية الكفراوي.. لم تكن مجرد مدينة جديدة لتخفيف الضغط عن القاهرة، كانت جزءًا من تصور لإعادة توزيع الوظائف الحكومية نفسها.

في ذلك الوقت كان التفكير يتجه إلى نقل عدد كبير من الوزارات والهيئات من القاهرة إلى مدينة جديدة.. مع الإبقاء على الوزارات السيادية داخل العاصمة، وكانت مدينة السادات هي المرشح الرئيسي لهذا الدور.

بل تحدث الكفراوي لاحقًا عن إنشاء مجمع للوزارات في المدينة، وكان التصور أوسع من ذلك.. إذ تحدث عن توزيع بعض الوزارات والهيئات على مدن مثل العاشر من رمضان وبرج العرب.. وربط هذه المدن بشبكة من الطرق.

المشروع لم يتحول إلى عاصمة إدارية ثانية بالمعنى الذي كان يتصوره، لكن الفكرة نفسها تكشف شيئًا مهمًا في عقل الكفراوي فقد كان ينظر إلى العمران باعتباره وسيلة لإعادة توزيع الدولة.. وليس فقط لإعادة توزيع السكان.

 

مدينة بلا صناعة ليست مدينة

هذه ربما تكون أهم قاعدة يمكن استخلاصها من تجرة حسب الله الكفراوي ، فالمدينة الجديدة عند الكفراوي لم تكن مشروع إسكان فقط، كانت منظومة، فالسكان يحتاجون إلى العمل، والصناعة تحتاج إلى العمال، والصناعة تحتاج إلى طرق ومياه وكهرباء.

والسكان يحتاجون إلى مدارس ومستشفيات وخدمات، وبالتالي فإن إنشاء المدينة كان يعني بناء شبكة مترابطة من الأنشطة، ومن هنا جاء ارتباط مشروع المدن الجديدة بالمناطق الصناعية.

العاشر من رمضان والسادات و6 أكتوبر ودمياط الجديدة أصبحت أمثلة مختلفة على محاولة ربط العمران بالنشاط الاقتصادي، وهذا يفسر لماذا لا يمكن قراءة تجربة الكفراوي من خلال عدد العمارات وحده.

دمياط الجديدة.. العمران يلتقي بالصناعة والميناء

بالنسبة إلى الكفراوي.. كانت دمياط حالة خاصة، هو ابن دمياط أصلًا.. وعمل محافظًا لها قبل توليه الوزارة، وخلال فترة عمله الوزاري ارتبط اسمه بمشروع دمياط الجديدة ومشروعات الميناء.

افتُتح ميناء دمياط رسميًا في يوليو 1986.. وكان المشروع جزءًا من تصور أوسع لربط التنمية العمرانية بالنشاط التجاري والصناعي.

وهنا تظهر مرة أخرى فلسفة الكفراوي، مدينة جديدة.. منطقة صناعية.. ميناء.. شبكات طرق.. ومرافق، وكل عنصر يدعم الآخر.

ولذلك فإن أهمية التجربة لم تكن في عدد المباني التي ظهرت على الأرض.. وإنما في محاولة بناء منظومة اقتصادية كاملة حول المدينة.

 

ميناء الدخيلة.. العمران لا ينتهي عند حدود المدينة

ارتبطت فترة الكفراوي كذلك ببدء إنشاء ميناء الدخيلة في الإسكندرية، وهنا يتسع مفهوم التعمير مرة أخرى، فالميناء ليس مشروع إسكان.. لكنه جزء من شبكة التنمية.

والمصنع يحتاج إلى ميناء، والميناء يحتاج إلى طرق، والمدينة تحتاج إلى العمال، وهكذا يصبح التخطيط العمراني مرتبطًا بالنقل والتجارة والصناعة.

هذه النظرة هي التي جعلت تجربة الكفراوي مختلفة عن مفهوم وزارة الإسكان باعتبارها جهة لبناء الوحدات فقط.

 

وزير الغلابة.. عندما أصبح الإسكان قضية تمويل

إذا كان لقب «أبو المدن الجديدة» مرتبطًا بالجانب العمراني في تجربته.. فإن لقب «وزير الغلابة» ارتبط بصورة أكبر بالإسكان منخفض التكلفةـ واللافت أن الكفراوي نفسه قال إن لقب «وزير الغلابة» كان من أهم الأوسمة التي حصل عليها في حياته.

في حواراته تحدث عن نماذج إسكان منخفض التكلفة تعتمد على مقدمات محدودة وفترات سداد طويلة وفوائد منخفضة، كان الهدف أن يصبح الحصول على المسكن ممكنًا بالنسبة إلى شرائح واسعة من محدودي ومتوسطي الدخل.

وتظهر هنا فكرة مهمة أخرى، فحل أزمة الإسكان لا يتوقف عند البناء، و هناك سؤال آخر: من سيدفع ثمن الوحدة؟.. ومن هنا جاءت أهمية التمويل.

 

بنك التعمير والإسكان.. حين دخل التمويل إلى معادلة العمران

ارتبط الكفراوي بإنشاء بنك التعمير والإسكان باعتباره مؤسسة متخصصة في تمويل الإسكان والتنمية العمرانية، وتنسب بعض المصادر بداية الفكرة إلى عام 1978.. بينما يحدد البنك نفسه تاريخ تأسيسه القانوني في 30 يونيو 1979، والاختلاف في التاريخ لا يغير النقطة الأساسية:

في سنوات الكفراوي ظهرت محاولة لإنشاء ذراع مالية متخصصة تتعامل مع مشكلة الإسكان، وهذا مهم لأن الدولة كانت أمام معادلة صعبة، هناك طلب ضخم على الوحدات، لكن الموارد العامة وحدها لا تكفي لبناء كل ما يحتاجه السكان.

لذلك كان التمويل جزءًا من الحل ، وهكذا أصبح ملف الإسكان بالنسبة للكفراوي مزيجًا من أرض وبناء و تمويل ومرافق وتخطيط.

 

المرافق أولًا.. لأن الصحراء لا تسكنها العمارات

من أكثر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها عند الحديث عن المدن الجديدة أن نتخيل أن المشروع بدأ بالعمارات، لكن الصحراء لا تتحول إلى مدينة بمجرد بناء العمارات، فالمياه كانت قضية أساسية، والصرف الصحي كذلك.. وأيضا الكهرباء والطرق، ولهذا ارتبطت فترة الكفراوي بمشروعات للبنية الأساسية امتدت إلى مناطق مختلفة.

وتذكر المصادر مشروعات لخطوط المياه.. وشبكات الصرف.. وخطوط ربط المدن الجديدة بالمصادر الرئيسية للمياه، من بينها خط الكريمات.. ومشروعات المياه المرتبطة بالغردقة وسفاجا.. ودراسات لإيصال المياه إلى سيناء، وهذه المشروعات لم تكن هامشية، كانت هي التي تجعل فكرة الاستقرار خارج الوادي ممكنة أصلًا.

سيناء.. حين يصبح العمران جزءًا من التنمية

سيناء احتلت مكانًا مهمًا في تصور الكفراوي، فهو لم ينظر إليها باعتبارها منطقة تحتاج إلى مشروعات منفصلة.. وإنما كجزء من خريطة التنمية المصرية.

وتحدث في حواراته عن استصلاح مساحات واسعة.. والاستفادة من المياه الجوفية.. وإنشاء تجمعات سكانية.. وتطوير النشاط الزراعي والتعديني والسياحي.

كما تحدث عن مشروعات سكنية وتعميرية في مناطق مختلفة من سيناء، لكن هنا يجب التمييز بين ما طرحه كتصور تنموي وبين ما نُفذ بالفعل في عهده.

فبعض الأفكار كانت برامج مقترحة على نطاق واسع.. ولم تتحول كلها إلى مشروعات مكتملة، ولهذا فإن قوة تجربة الكفراوي لا تحتاج إلى تحويل كل فكرة طرحها إلى إنجاز، ما يكفي هو أن نرى حجم الخريطة التي كان يفكر فيها.

 

الساحل الشمالي.. الصحراء ليست مساحة مهجورة

الساحل الشمالي كان أيضًا جزءًا من التصور الأوسع، لكن الكفراوي لم يكن يتحدث عن الساحل فقط باعتباره مكانًا للمصايف.

كان يرى إمكانات زراعية وعمرانية وسياحية مرتبطة بالمنطقة، وتحدث عن أفكار للتنمية والزراعة واستغلال الموارد، بعض هذه الأفكار بقي في إطار التصور ولم يتحول إلى مشروع مكتمل خلال فترة مسؤوليته.

 

«هونج كونج مصرية».. حلم قناة السويس

ربما كانت أكثر أفكار الكفراوي طموحًا تلك المتعلقة بقناة السويس، في حواراته تحدث عن تصور يجعل منطقة القناة مركزًا صناعيًا وتجاريًا وخدميًا وسياحيًا.

كان يتصور مناطق حرة وصناعات وخدمات للسفن ومراكز للتجارة والنقل، ووصف حلمه للمنطقة بأنه أقرب إلى إنشاء «هونج كونج مصرية».

كانت رؤية تنموية طرحها الكفراوي.. وبعض عناصرها ظهرت لاحقًا بأشكال مختلفة في مسارات تنموية أخرى.

وهنا تظهر إحدى المفارقات المهمة في تجربته، فبعض الأفكار كانت أكبر من الفترة التي شغل فيها الوزارة.

 

عندما اصطدمت الرؤية بالواقع

أي تجربة بهذا الحجم لا يمكن أن تكون سلسلة من النجاحات المتصلة، كان هناك نقص في الموارد، وكانت هناك مشكلة توفير المرافق.

وكان نقل السكان إلى الصحراء يحتاج إلى حوافز اقتصادية، وكانت البيروقراطية تحديًا دائمًا، كما أن إنشاء مدينة كاملة يحتاج إلى سنوات.. بينما المسؤول السياسي والإداري يعمل داخل حدود زمنية محددة.

والكفراوي نفسه تحدث في حواراته عن مشكلات عديدة واجهها في مشروعاته، لكن ربما كانت أهم أدواته هي أسلوب الإدارة الميدانية الذي اكتسبه منذ السد العالي ثم تعمير القناة.

فهو لم يكن ينظر إلى المشروعات باعتبارها أوراقًا تمر بين المكاتب، وكان يميل إلى النزول إلى موقع التنفيذ.. متابعة العمل.. والضغط من أجل الإنجاز، وهذه الطريقة ستصبح جزءًا من الصورة التي التصقت به بعد خروجه من الوزارة.

 

15 مدينة أم 17؟.. لماذا تختلف الروايات؟

 

الهيئة العامة للاستعلامات تتحدث عن 15 مدينة جديدة ارتبطت بتجربة حسب الله الكفراوي، مصادر أخرى تتحدث عن 16 مدينة، والكفراوي نفسه تحدث عن برنامج لإنشاء 17 مدينة.

زقد يكون الاختلاف ناتجًا عن اختلاف تعريف «المدينة المرتبطة بالتجربة».. وهل المقصود المدن التي بدأ إنشاؤها بالفعل.. أم المدن الواردة في الخطة.. أم المدن التي اكتمل جزء منها خلال فترة الوزارة.

 

ما الذي بقي من الكفراوي؟

بعد سنوات طويلة من مغادرته الوزارة.. لم تعد المدن الجديدة مجرد تجربة مرتبطة بوزير سابق، تحولت إلى أحد المسارات الرئيسية في التخطيط العمراني المصري.

مدن جديدة تتوسع، ومناطق صناعية ترتبط بالمجتمعات العمرانية، وطرق ومرافق تربط المدن الجديدة بالمدن القديمة، ومحاولات متكررة لتخفيف الضغط عن القاهرة والوادي.

لكن ذلك لا يعني أن كل مشكلات المدن الجديدة انتهت، فبعض المدن احتاج سنوات طويلة حتى يصبح مأهولًا بصورة كبيرة، وبعضها واجه مشكلة المسافة عن فرص العمل، وبعضها نجح اقتصاديًا أكثر من غيره، وبعض الأفكار التي طرحها الكفراوي ظلت مجرد أفكار.

 

 

من وزير إلى فكرة

حسب الله الكفراوي غادر الوزارة في أكتوبر 1993 بعد نحو 16 عامًا من العمل الوزاري المتصل تقريبًا، وبعد خروجه ظل يتحدث عن مشروعاته وأفكاره.. وفي مقدمتها المدن الجديدة والإسكان وقناة السويس ونقل الوزارات وتعمير سيناء.

وحصل على عدد من الأوسمة والتكريمات خلال مسيرته.. وكان من أبرز ما ارتبط به تكريمه رسميًا بعد سنوات من العمل العام.

لكن ربما لم يكن التكريم الأهم بالنسبة إليه وسامًا رسميًا، هو نفسه قال إن لقب «وزير الغلابة» كان أغلى وسام حصل عليه.

وهنا تعود القصة إلى بدايتها، مهندس بدأ حياته في مواقع العمل..انتقل إلى السد العالي.. ثم إلى تعمير القناة.. ثم وجد نفسه أمام سؤال أكبر، كيف يمكن لمصر أن تستوعب سكانها دون أن تلتهم الأرض الزراعية التي تعيش عليها؟.. وكانت إجابته بناء مدن جديدة.

 

الرجل الذي حاول أن يوسّع حدود مصر العمرانية

ربما يكون من السهل بعد عقود أن ننظر إلى المدن الجديدة ونعتبر وجودها أمرًا طبيعيًا، لكنها لم تكن دائمًا كذلك.

كانت هناك فترة كان فيها انتقال العمران إلى الصحراء فكرة تحتاج إلى قرار سياسي.. ومياه ومرافق وطرق واستثمارات.. وقبل كل ذلك تحتاج إلى شخص يصر على أن المدينة الجديدة ليست مشروع إسكان منفصلًا عن باقي الدولة.

هنا يظهر حسب الله الكفراوي.. ليس باعتباره الرجل الوحيد الذي صنع المدن الجديدة.. فالمشروعات الكبرى لا يصنعها فرد واحد.

وليس باعتباره صاحب كل مشروع حمل اسمه لاحقًا.. فبعض المشروعات بدأ قبل عهده واستكمل بعده.

ولكن باعتباره واحدًا من أبرز المسؤولين الذين حوّلوا فكرة الخروج من الوادي إلى برنامج واسع للمدن والمرافق والصناعة والإسكان.

قد تختلف المصادر حول عدد المدن، وقد تختلف حول بعض الأرقام، وقد تظل بعض أفكاره محل نقاش.

لكن هناك شيء يصعب تجاهله، بعد تجربة الكفراوي.. لم تعد الصحراء في التخطيط المصري مجرد أرض بعيدة عن العمران، أصبحت جزءًا من خريطة مصر المستقبلية.

وهنا ربما تكمن الإجابة عن السؤال الأهم، هل كان حسب الله الكفراوي مجرد وزير نفذ مشروعات في زمنه؟، أم أن بعض الأفكار التي حملها معه من السد العالي والقناة إلى وزارة التعمير ساهمت في تغيير الطريقة التي تنظر بها الدولة المصرية إلى العمران؟

الأرقام والوقائع تقول إن أثر التجربة تجاوز فترة وجوده في الوزارة.

أما تقييم هذا الأثر.. وما تحقق من رؤيته وما لم يتحقق.. فيمكن احكم عليه من خلال المدن التي بقيت.. والمشروعات التي اكتملت.. والأفكار التي تأخرت.. وتلك التي لم تغادر الورق.

 

صناع العمران في مصر 

 

الحلقة الثانية.. عثمان أحمد عثمان

انتظرونا