“صناع العمران” الحلقة الثانية.. عثمان أحمد عثمان.. “مهندس التحولات الكبرى”
ولدت تجربة عثمان أحمد عثمان في بيئة اتسمت بالنشاط العمراني والتحديات الاقتصادية على السواء، فقد ولد في مدينة الإسماعيلية في 6 أبريل 1917، في أسرة متوسطة الحال؛ حيث كان والده يعمل في تجارة بسيطة، وتوفي وعثمان لا يزال في سن طفولته المبكرة، مما فرض على الأسرة واقعًا اقتصاديًا صلبًا أثر في تكوين شخصيته وتوجهه المبكر نحو العمل والاعتماد على الذات.
درس عثمان في مدارس الإسماعيلية حتى حصل على الشهادة الثانوية، ليبدأ رحلته الأكاديمية ملتحقًا بكلية الهندسة بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، وتخرج في قسم الهندسة المدنية عام 1940.
كانت مصر في تلك الفترة تعتمد بشكل شبه كامل في مشروعات التشييد والبنية التحتية الكبرى على الشركات الأجنبية أو المقاولين الكبار ذوي العلاقات الوثيقة بالإدارة الاستعمارية أو رأس المال الأجنبي.
بدأ عثمان حياته المهنية عقب تخرجه بمبلغ بسيط، حيث أسس ورشة صغيرة وأخذ ينفذ أعمال مقاولات صغيرة في الإسماعيلية وما حولها، شملت بناء منازل صغيرة، وأعمال صيانة، ومبانٍ بسيطة لصالح أفراد وهيئات محلية، وكانت هذه المرحلة بمثابة حقل تجارب ميداني تعلم خلاله آليات التعامل مع العمالة اليدوية، وتوفير مواد البناء، وإدارة شح التمويل
من الورشة إلى الكيان: تأسيس «المقاولون العرب» والتوسع الإقليمي
في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1947، أطلق عثمان أحمد عثمان اسم "شركة عثمان أحمد عثمان وشركاه" على نشاطه الذي بدأ يتسع تدريجيًا، غير أن النقلة النوعية الأولى للشركة لم تكن داخل حدود مصر، بل كانت في منطقة الخليج العربي، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات.
خلال أوائل الخمسينيات، ومع بداية الطفرة النفطية في الخليج العربي، رصد عثمان حاجة تلك الدول الناشئة إلى بنية تحتية سريعة (طرق، مستشفيات، مدارس، ومطارات)، وسافر عثمان إلى السعودية ونفذ مشروعًا لبناء شبكة مياه ومبانٍ حكومية في الرياض والظهران، متبعًا أسلوب الانضباط والتنفيذ السريع.
ساهمت هذه المشروعات في ضخ رؤوس أموال ضخمة للشركة، وسمحت لها بشراء معدات ثقيلة وتدريب كوادر هندسية مصرية على طراز حديث، وهو ما عاد بالنفع على الكيان عند عودته للتوسع في الداخل المصري.
تغير الاسم التجاري للشركة ليصبح "المقاولون العرب - عثمان أحمد عثمان وشركاه"، واعتمدت الشركة في هيكلها الإداري على نظام الحوافز المباشرة للعمالة، وتوزيع مكافآت المرتبطة بالإنتاجية، وتأسيس نظام رعاية اجتماعية وصحية للعمال، مما أوجد حالة من الولاء المؤسسي النادر في قطاع المقاولات وقتها.

السد العالي: معركة التشييد وتحدي الصخر
تعد مشاركة المقاولون العرب في مشروع السد العالي بأسوان (1960–1970) الاختبار الفني والإداري الأعظم في تاريخ الشركة وتاريخ عثمان أحمد عثمان نفسهـ ويخطئ البعض حين ينسب السد العالي بأكمله إلى شركة المقاولون العرب؛ فالسد كان مشروعًا قوميًا سياديًا شاركت فيه عشرات المؤسسات والشركات الحكومية والخبراء السوفييت وآلاف المهندسين والعمال، إلا أن دور المقاولون العرب كان محوريًا وموثقًا في تحويل مجرى النيل وحفر القناة المفتوحة والأعمال الصخرية المعقدة.
عند فتح باب المناقصات لأعمال الحفر والتحويل، تقدمت الشركة بعرض مالي وفني نافس الشركات الحكومية القائمة، وتولى عثمان إدارة العمل الميداني بنفسه في موقع السد.
واجه المشروع تحديات لوجستية وفنية بالغة القسوة؛ تمثلت في حفر ملايين الأمتار المكعبة من صخور الجرانيت الصلبة تحت درجات حرارة تجاوزت 45 درجة مئوية، ودون وجود أجهزة تكييف أو معدات حديثة بالقدر الكافي في المجمعات السكنية للعمال.
ابتكرت الشركة نظام عمل يعتمد على الورديات المتواصلة على مدار 24 ساعة، وقامت بتطوير أساليب التفجير ونقل الصخور بالتنسيق مع الخبراء السوفييت، وكان النجاح في حفر القناة المفتوحة وتحويل مجرى النيل في مايو 1964 بحضور الرئيس جمال عبد الناصر والزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف بمثابة شهادة الاعتماد الكبرى التي نقلت عثمان أحمد عثمان إلى مصاف قيادات الصناعة والعمران على المستوى القومي.

التأميم والتحول إلى القطاع العام.. الصراع الهيكلي واستمرار الإدارة
شهدت فترة الستينيات تحولات سياسية واقتصادية جذرية في مصر تمثلت في التوجه الاشتراكي وإصدار القرارات الاشتراكية لعام 1961 وما تلاها، ولم تكن شركة المقاولون العرب بمعزل عن هذه القرارات؛ ففي عام 1961 صُدر قرار بتأميم 50% من أسهم الشركة، ثم تلا ذلك في عام 1964 تحويلها بالكامل إلى ملكية الدولة تحت مظلة القطاع العام.
كان هذا التحول يمثل أزمة هيكلية لمعظم رجال الأعمال في ذلك العصر، إلا أن تجربة عثمان أحمد عثمان كانت استثنائية، فبدلًا من الانسحاب أو الاصطدام المباشر مع السلطة السياسية، وافق عثمان على البقاء في منصبه كرئيس لمجلس إدارة الشركة التي أصبحت مملوكة للدولة، بشرط احتفاظه بالصلاحيات الإدارية والفنية والتنظيمية لإدارة العمل بعيدًا عن البيروقراطية الحكومية التقليدية.
استطاع عثمان الحفاظ على مرونة إدارة الشركة وتوسيع حجم أعمالها بالرغم من تحولها إلى شركة قطاع عام، واستغلت الدولة هذا الكيان الضخم في تنفيذ المشروعات التنموية والعسكرية القومية، حيث أصبحت المقاولون العرب الذراع التنفيذي الأول لوزارة الإسكان والمرافق ومشروعات البنية التحتية للدولة.
مشروعات حرب الاستنزاف وإعادة الإعمار: الخرسانة تحت النار
عقب هزيمة يونيو 1967، واجهت مصر تحديًا وجوديًا تمثل في ضرورة بناء الدفاعات العسكرية على طول جبهة القناة وحماية العمق المصري من الغارات الجوية، ولعبت شركة المقاولون العرب تحت قيادة عثمان أحمد عثمان دورًا حاسمًا وموثقًا تاريخيًا في هذه المرحلة.
نفذت الشركة تحت إشراف القوات المسلحة مئات المشروعات العسكرية ذات الطابع الاستراتيجي، وشملت ، بناء وتين المخابئ الحصينة ومراكز القيادة للجيش المصري، وإنشاء القواعد الصاروخية والدشَم الخرسانية لحماية شبكة الدفاع الجوي، وإنشاء وتجهيز الممرات والمطارات العسكرية في مختلف المحافظات، بناء القواعد البحرية والأرصفة والمرافق الدفاعية.
خاض عمال ومهندسو المقاولون العرب العمل تحت القصف المباشر في مدن القناة (الإسماعيلية، السويس، بورسعيد)، وسقط العديد منهم شهداء أثناء عملية التشييد.
وعقب حرب أكتوبر 1973، أسندت الدولة إلى عثمان أحمد عثمان ملف إعادة إعمار مدن القناة التي دمرت أثناء الحرب، وتميزت هذه المرحلة بالسرعة القياسية في ترميم المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء وإعادة تمهيد الطرق، تمهيدًا لعودة المهجرين إلى ديارهم، وهو المجهود الذي تميز بطابع إنساني وهندسي متزامن

الدور الحكومي والسياسي: من المقاولات إلى صناعة القرار
دخل عثمان أحمد عثمان الدائرة السياسية الرسمية من أوسع أبوابها في عهد الرئيس أنور السادات، حيث ارتبط بصلة قرابة ومصاهرة مع الرئيس، وأصبح من أقرب مستشاريه في الشؤون الاقتصادية والعمرانية.
تولى عثمان أحمد عثمان مناصب حكومية وسياسية بارزة، فقد شغل منصب وزير التعمير والإسكان، حيث تولى الحقيبة الوزارية في أكتوبر 1973 في حكومة الرئيس السادات، واستمر في منصبه عبر التعديلات الوزارية المتتالية حتى أواخر عام 1976.
كما انتخب نقيبًا للمهندسين المصريين لعدة دورات متتالية بدءًا من عام 1979، حيث ساهم في تطوير صندوق النقابة وتأسيس المشروعات الاستثمارية والخدمية للمهندسين (مثل مشروع السكن والنادي وصندوق التكافل).
كما شغل عضوية مجلس الشعب عن دائرة الإسماعيلية لعدة دورات نيابية.
عثمان أحمد عثمان وزيرا
خلال فترة توليه الوزارة، وضع عثمان مخططات التوسع العمراني خارج الشريط النيلي الضيق، وساهم في وضع اللبنات الأولى لمفهوم "المدن الجديدة" في مصر (مثل مدينة العاشر من رمضان ومدينة 6 أكتوبر)، بالإضافة إلى توسيع شبكات الطرق الرئيسية ومحاور الكباري على النيل (مثل كوبري 6 أكتوبر بالقاهرة).
غير أن الجمع بين العمل التجاري/المؤسسي للشركة والمنصب الحكومي جلب عليه نقدًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا من القوى المعارضة في ذلك الوقت، والتي اتهمته بدمج المصالح الخاصة بالعمل العام، وهو التحدي السياسي والأخلاقي الذي ظل يلاحق تجربته في الأوساط الصحفية والسياسية.
فلسفة الإدارة والأسلوب المؤسسي.. النموذج العثماني
لم تكن تجربة المقاولون العرب مجرد توفيق هندسي، بل كانت نموذجًا إداريًا فريدًا في بيئة الأعمال المصرية. ارتكزت فلسفة عثمان أحمد عثمان الإدارية على مبادئ صارمة شملت، ربط الأجر بالإنتاج الميداني، وصرف مكافآت فورية للمهندسين والعمال في مواقع العمل فور تحقيق الأهداف قبل مواعيدها المحددة، و إنشاء "جمعية عثمان أحمد عثمان الخيرية" والمؤسسات العلاجية الخاصة بالشركة، حيث توفرت للعمال وأسرهم رعاية صحية وسكنية شاملة، مما جعل العامل يشعر بأن الشركة هي بيته الداعم.
كما منح مهندسي الموقع وصنع القرار الفني في الميدان صلاحيات واسعة دون الرجوع للبيروقراطية المركزية، مع فرض رقابة صارمة على جودة التنفيذ والالتزام بالجداول الزمنية، بالإضافة الى تأسيس معهد المقاولون العرب للتدريب الهندسي والفني لتخريج العمالة الماهرة والمهندسين القادرين على تشغيل المعدات الحديثة.

الإرث والتقييم التاريخي.. ماذا تبقى من تجربة عثمان أحمد عثمان
توفي عثمان أحمد عثمان في 1 مايو 1999، تاركًا وراءه إرثًا عمرانيًا ومؤسسيًا لا يزال حجر زاوي في قطاع التشييد المصري والإقليمي.
ففد تحولت شركة المقاولون العرب إلى واحدة من أكبر شركات المقاولات في الشرق الأوسط وإفريقيا، وتمددت أفرعها في أكثر من 30 دولة. لم يتوقف تأثير التجربة عند حدود المباني والكباري، بل أثبتت إمكانية بناء مؤسسة قطاع عام تعمل بآليات وصلاحيات القطاع الخاص من حيث الكفاءة والسرعة.
نجح عثمان أحمد عثمان في التكيف مع ثلاثة عهود سياسية مختلفة (الملكية، ثم الناصرية، ثم الساداتية)، محولًا التحديات السياسية والاقتصادية إلى فرص لبناء الكيان، ورغم الجدل السياسي والصحفي الذي أحاط بجمعه بين النفوذ والمال، تبقى بصماته العمرانية في السد العالي، وإعمار القناة، وقواعد الدفاع الجوي، والكباري والأنفاق، شاهدًا على دور فرد ومؤسسة في تشكيل البنية التحتية لمصر الحديثة.

الحلقة القادمة.. محمد إبراهيم سليمان.. المفترى عليه في ملف الإسكان