الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

"صنّاع العمران" الحلقة الخامسة.. مصطفى مدبولي.. مهندس التخطيط العمراني الذي أدار أكبر تحول في بناء مصر الحديثة

مصطفى مدبولي
مصطفى مدبولي

على أطراف صحراء القاهرة الشرقية، حيث كانت الكثبان الرملية تطوق أطراف العاصمة لعقود طويلة، يقف المنظر العمراني لمدينة العاصمة الإدارية الجديدة ليشهد على نقلة ثقيلة في تاريخ التخطيط الممتد للهيكل السكاني والعمراني في مصر. 

لم تكن هذه النقلة وليدة قرار سياسي خاطف بقدر ما كانت تتويجاً لمسار تنفيذي وأكاديمي طويل، بدأ من أروقة معهد بحوث البناء والهندسة المعمارية ورسم المخططات الاستراتيجية، وصولاً إلى سدة إدارة السلطة التنفيذية في مصر.

رحلة صعود مصطفى مدبولي 

في قلب هذا التحول يتجلى اسم الدكتور مصطفى كمال مدبولي، الذي لم يأتِ إلى رأس الجهاز التنفيذي للدولة من سلك الإدارة السياسية التقليدية أو الأحزاب، بل خرج مباشرة من أروقة التخطيط الحجري، ومخططات إعادة توزيع السكان، ومهام الهيكلة العمرانية.

 تتبع مسيرة مدبولي يطرح سؤالاً مركزياً حول كيفية تشكُّل رؤية رجل انتقل من مقعد الباحث الأكاديمي والمدير التنفيذي لهيئة التخطيط العمراني، إلى كبينة القيادة في وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، ليصبح لاحقاً رئيساً لمجلس الوزراء، شاهداً وموجهاً لواحد من أكبر برامج التوسع العمراني والبنية التحتية في تاريخ مصر الحديث.


 سنوات التأسيس الأكاديمي والتخطيط الفني

قبل أن يدخل مصطفى مدبولي أروقة العمل الوزاري، كانت خلفيته المهنية قد صُيغت بالكامل داخل أطر الهندسة المعمارية والتخطيط الحضري، فقد حصل مدبولي على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من كلية الهندسة بجامعة القاهرة، ليتبعها بدرجة الماجستير، ثم الدكتوراة في الهندسة المعمارية بالتخصص في التخطيط العمراني من الكلية نفسها، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني بمدينة أكلاند في هولندا.

خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، عمل مدبولي بصفته باحثاً ومستشاراً فنياً في معهد بحوث تكنولوجيا البناء والإسكان، متدرجاً في السلم البحثي حتى تولى إدارة مركز التدريب والدراسات الحضرية بالمعهد. 

خاض مدبولي خلال هذه الفترة تجارب استشارية مع منظمات دولية متعددة، وعلى رأسها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، والبنك الدولي، وهيئة التعاون الدولي اليابانية، وهي الخبرات التي أتاحت له التعاطي مع إشكاليات التنمية الحضرية غير المنتظمة ومشاكل المناطق العشوائية في الدول النامية.

نقطة تحول في مسار مدبولي 

شهدت تلك الفترة نقطة تحول في مساره الفني حين عُين رئيسًا للمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، ليعقب ذلك صدور قرار تعيينه رئيساً لهيئة التخطيط العمراني بوزارة الإسكان.

 في هذا الموقع الفني، شارك مدبولي في صياغة المخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية لمصر، وهو المخطط الذي هدف إلى الخروج من الشريط الضيق للوادي والدلتا وزيادة الرقعة المأهولة بالسكان عبر صياغة محاور تنموية جديدة.
 

عقب الأحداث السياسية التي شهدتها مصر في سنوات التحول، انتقل مدبولي للعمل مديراً إقليمياً للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية من مقره بالقاهرة، وهو الموقع الذي اطلع من خلاله على أحدث أطر الحوكمة الحضرية واستراتيجيات الإدارة السكنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قبل أن يتم استدعاؤه لتولي الملف التنفيذي الأول للعمران في مصر.


مدبولي وزيرا للإسكان.. إرث المشاكل والرهانات الكبرى

عندما أدى الدكتور مصطفى مدبولي اليمين الدستورية وزيراً للإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، كان احتفاظه بهذا الموقع الميداني استمراراً عبر تعديلات وتشكيلات وزارية متعاقبة. 

لم تكن الحقبة التي تسلم فيها مدبولي مقاليد الوزارة سهلة على الإطلاق، إذ كان القطاع العمراني المصري يعاني من تراكمات هيكلية حادة تتمثل في عجز مزمن في المعروض من الوحدات السكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل، مما أدى إلى تفاقم أزمة العشوائيات والنمو غير المخطط، إلى جانب تراجع قدرة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عن توفير الأراضي المرفقة والمجهزة للمطورين، إضافة إلى تهالك وتراجع معايير التغطية لشبكات مياه الشرب والصرف الصحي في الأقاليم والريف.

تبنت الدولة آنذاك رؤية سياسية واقتصادية ترى في قطاع التشييد والبناء قاطرة سريعة للنمو الاقتصادي قادرة على امتصاص البطالة وتحريك عجلة عشرات الصناعات المرتبطة به، وهنا تقاطعت الرؤية الأكاديمية والتخطيطية لمدبولي مع التوجهات التنفيذية للدولة.

 

 سنوات الإسكان.. إعادة تشكيل الخريطة السكنية والمرفقية

شهدت فترة تولي مصطفى مدبولي وزارة الإسكان إطلاق وإدارة العديد من البرامج القومية التي أُسندت للوزارة وأجهزتها التنفيذية، حيث برز التمييز بوضوح بين الدور المباشر للهياكل التابعة لوزارة الإسكان، والدور المكمل للهيئة الهندسية للقوات المسلحة وباقي أجهزة الدولة.

ارتبط اسم مدبولي بالتنفيذ الموسع للمشروع القومي للإسكان الاجتماعي الذي أتاح توفير مئات الآلاف من الوحدات السكنية كاملة التشطيب لمحدودي الدخل عبر صندوق تمويل الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، مستفيداً من آليات التمويل العقاري والدعم النقدي المباشر. ولم يقتصر التوجه على محدودي الدخل فقط، بل امتد ليشمل طرح مشروعات سكنية متعددة الشرائح لتلبية طلب الطبقة المتوسطة وإسكان المستويات المرتفعة في المجمعات المغلقة والمدن الجديدة، مثل مشروعات دار مصر وسكن مصر وجنة.


إعداد مخططات الجيل الرابع من المدن الجديدة

وعلى صعيد التوسع العمراني، لم يقتصر العمل على إدارة المدن القائمة مثل القطامية والشروق والشيخ زايد وستة أكتوبر، بل شهدت هذه المرحلة إطلاق وإعداد مخططات الجيل الرابع من المدن الجديدة التي تستهدف المعايير البيئية والذكية.

 وجاءت في مقدمة هذه المدن العاصمة الإدارية الجديدة، حيث تولت وزارة الإسكان عبر هيئة المجتمعات العمرانية تنفيذ الأحياء السكنية الأولى والتأسيس لمنطقة الأعمال المركزية التي تضم البرج الأيقوني بالتعاون مع الشركة الصينية المعنية، إلى جانب مد الشبكات الرئيسية للبنية التحتية.

 كما امتد التوسع ليشمل مدينة العلمين الجديدة لتحويلها إلى مجتمع ساحلي استثماري يعمل طوال العام، فضلاً عن مدن المنصورة الجديدة وشرق بورسعيد وغرب أسيوط في الأقاليم.


 المناطق غير الآمنة والعشوائيات

وفي ملف المناطق غير الآمنة والعشوائيات، تولى مدبولي الإشراف المباشر على هذا الملف بالتنسيق مع صندوق تطوير المناطق العشوائية، وهو ما أثمر عن نقل قاطني البؤر الخطرة إلى مجتمعات حضرية بديلة مجهزة، مثل مشروعات الأسمرات وبشائر الخير وروضة السيدة، بالتوازي مع بدء التنفيذ الفلي لإعادة تخطيط وإعمار منطقة مثلث ماسبيرو بالقاهرة وفق آليات تعويض وتطوير متفق عليها مع السكان.

ولتخفيف العبء عن الموازنة العامة، استحدثت وزارة الإسكان نظام الشراكة مع المطورين العقاريين، حيث تقدم هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة الأرض كحصة عينية مقابل نسبة من الإيرادات أو الوحدات، مما فتح المجال أمام استثمارات ضخمة مع شركات التنمية العقارية الكبرى لتطوير مساحات شاسعة في مختلف المدن الجديدة.

 

الانتقال إلى رأس السلطة التنفيذية

عقب تكليفه بالقيام بأعمال رئيس مجلس الوزراء مؤقتاً في إحدى الفترات الانتقالية، صدر قرار رئيس الجمهورية بتكليف الدكتور مصطفى مدبولي بتشكيل الحكومة الجديدة. 

ومع انتقاله لرئاسة الحكومة، لم يتخلَّ مدبولي عن ذهن المهندس والتخطيطي، بل تمددت الرؤية العمرانية لتشمل كافة قطاعات الدولة، ليتحول العمران في أسلوب إدارته من مجرد بناء وحدات سكنية إلى إدارة أصول الدولة وتطوير بنيتها الأساسية.

تجلت هذه الفلسفة من خلال متابعته المباشرة للمبادرة الرئاسية حياة كريمة الخاصة بتطوير الريف المصري، حيث لعبت خبرته في شبكات الصرف الصحي والخدمات الأساسية دوراً في متابعة محاور مشروعات مياه الشرب ومحطات المعالجة والنية التحتية للقرى. كما استمر اهتمامه الشخصي بالملفات التاريخية لتطوير القاهرة، مثل تطوير القاهرة الخديوية، وسور مجرى العيون، وبحيرة عين الصيرة، وإعادة إحياء حديقة تلال الفسطاط، إلى جانب إعادة تنظيم استغلال الأراضي في الساحل الشمالي الغربي وإخضاعها لولايات تنظيمية موحدة تابعة لهيئة المجتمعات العمرانية لإقامة مجتمعات متكاملة.


 قراءة في التجربة والمحطات الموثقة

إن القراءة المنطقية والتاريخية لمسيرة مصطفى مدبولي تعتمد على التمييز الدقيق بين التخطيط الفني والنتائج الميدانية المتحققة، إضافة إلى التفريق بين الإنجاز الشخصي والعمل المؤسسي الواسع للدولة.

 لم تكن المشروعات الكبرى التي ظهرت خلال هذه العقود جهداً فردياً، بل حُشدت لها مؤسسات متعددة من وزارات النقل والتخطيط والهيئة الهندسية، حيث تجلى دور مدبولي في إضفاء الطابع التخطيطي والهيكلي وصياغة بيئة الطرح الاستثماري للهيئات التابعة لوزارته.

في المقابل، واجهت تجربة التوسع العمراني السريع نقاشات وتحديات فنية واقتصادية، تمثلت في التكاليف الاستثمارية الضخمة التي تطلبتها مشروعات البنية التحتية في أوقات شهدت ضغوطاً مالية، إضافة إلى تأثير التغيرات الاقتصادية على القدرة الشرائية للأسواق في استيعاب بعض الشرائح السكنية، ومطالبات بعض الخبراء بإعادة التوازن بين التوسع الإنشائي والاستثمار المباشر في القطاعات الإنتاجية كالصناعة والخدمات البشرية.

 

مسيرة غير تقليدية أوصلت مدبولي إلى القمة 

تُظهر السيرة التوثيقية للدكتور مصطفى مدبولي مساراً غير تقليدي في النخبة التكنوقراطية المصرية، إذ نادراً ما وصل باحث هندسي وتخطيطي متخصص في شؤون عمران المدن إلى سدة رئاسة الحكومة الإدارية والسياسية لأطول فترة متصلة في العقود الأخيرة.

سواء قُرئت تجرِبة مدبولي من زاوية الاتساع العمراني غير المسبوق، أو من زاوية التحديات الضخمة التي فرضها التمويل والتشغيل، فإن الأكيد أن بصمته البنيوية والتخطيطية ستظل محفورة في خريطة الجغرافيا المصرية الحديثة، من مخططات الورق في هيئة التخطيط العمراني، إلى الأبراج والمجتمعات السكنية الواقعية، وصولاً إلى إدارة القرارات التنفيذية من مقر الحكومة بالعاصمة الإدارية الجديدة.

 

الحلقة القادمة .. راندة المنشاوي.. سيدة الإسكان التي غيرت قواعد اللعبة