البيع المدار واللعب في المساحات، أسعار العقارات في مصر بعد حرب إيران "ضحك على الدقون"
سوق العقارات في مصر، ظن الجميع في مصر أن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أثرت على أسعار الطاقة والعملة والذهب وتذاكر الطيران لكن نسى البعض أن من تداعيات الحرب أثرت بشكل مباشر على سوق العقارات.
ويتساءل البعض هل هذه الحرب أثرت في أسعار العقارات في مصر كما حدث بعمليات النزوح الكبير للسوريين والسودانيين والتي قفزة بسعر الوحدات السكنية في مصر إلى ثلاثة أضعاف قيمتها الإيجارية.
وللإجابة عن هذه الأسئلة تستعرض “الإسكان 24” أراء بعض القائمين على السوق العقاري لمعرفة نحن إلى أين؟ .
تأثير حرب إيران على سوق العقارات في مصر
بداية أكد أمجد حسنين، عضو غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات، أن الطلب على العقار في مصر شهد زيادة ملحوظة منذ بداية الحرب، خاصة وأن استقرار أسعار العقارات يعود إلى آلية التسعير بالجنيه مع تثبيت السعر لفترات سداد طويلة تصل حالياً إلى نحو 10 سنوات، ما يعزز جاذبية الاستثمار العقاري في ظل تقلبات سعر الصرف.
وأضاف أن العديد من الشركات العقارية اتجهت إلى سياسة "البيع المدار" أو المحدود، بحيث تحافظ على وتيرة مبيعات معينة بدلاً من رفع الأسعار، في انتظار وضوح الرؤية بشأن تطورات الأوضاع الجيوسياسية.
صدمة التكاليف
وأوضح عضو غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات أن تقدير التكاليف في المرحلة الحالية لا يزال صعباً في ظل استمرار الحرب، لافتاً إلى أن المعطيات المتاحة غير كافية لتحديد التأثيرات الدقيقة على التكاليف أو المبيعات.
وتوقع أنه عقب انتهاء الحرب، ستتمكن الأسواق، بما في ذلك مصر ودول الخليج، من استعادة قوتها بشكل أكبر، ما سيسمح بتقييم أوضح لتأثيرات الأزمة على القطاع العقاري والاستثمار بشكل عام.
وفيما يتعلق بالأسعار، أكد أن الشركات العقارية قررت امتصاص صدمة ارتفاع التكاليف دون تحميلها للمشترين في الوقت الراهن، على عكس ما حدث في عام 2023، مشيراً إلى أن بعض الشركات لجأت إلى تقليص فترات التقسيط أو تبني سياسات بيع أكثر تحفظاً.
أسعار العقارات والتضخم
وأضاف أن أسعار العقارات في مصر تشهد ارتفاعاً سنوياً يتماشى مع معدلات التضخم أو يتجاوزها، بما يحافظ على قيمة استثمارات العملاء، موضحاً أن الزيادات خلال العام الماضي تراوحت بين 15% و20%، مع احتمال تسجيل زيادات طفيفة مستقبلاً نتيجة ارتفاع التكاليف.
وأشار إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على تنفيذ المشروعات في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد كالحديد والأسمنت، والتي قد تستغرق وقتاً للعودة إلى طبيعتها حتى بعد انتهاء الحرب، ما قد يدفع الشركات للبحث عن أساليب بديلة للالتزام بالجداول الزمنية.
مشروعات عقارية جديدة
وأكد أن التأثير المتوقع للحرب على القطاع العقاري في مصر ودول الخليج سيكون إيجابياً على المدى المتوسط، لافتاً إلى أن الشركات الكبرى عادة ما تقود النشاط خلال فترات الأزمات عبر طرح مشروعات جديدة.
وتوقع الإعلان عن عدد كبير من المشروعات، خاصة في الساحل الشمالي، الذي يشهد طلباً متزايداً من المصريين والأجانب، مع ترقب طرح مشروعات فندقية وسكنية جديدة قبل موسم الصيف وتسويقها خلاله.
وفي نفس السياق كشف تقرير "سافيلز" مصر، عن أن السوق العقارية المصرية تواصل الحفاظ على استقرارها رغم التطورات الإقليمية الراهنة، حيث لا تزال تعمل بوتيرة طبيعية إلى حد كبير، كما يواصل المطورون تنفيذ مشروعاتهم المخططة، فيما تحافظ مستويات الطلب على استقرارها.
وأوضحت "سافيلز" في تقريرها عن السوق المصرية، أن التحديات الحالية تُشبه إلى حد كبير تلك التي واجهها السوق خلال فترات الاضطرابات الإقليمية السابقة، إذ يرتبط تأثيرها الاقتصادي على مصر بشكل أساسي بعوامل خارجية، وليس إلى تأثر مباشر بالأحداث، وتُعد تكاليف الطاقة من أبرز التحديات في المرحلة الحالية، لما لها من تأثير في ارتفاع التكاليف عبر مختلف مكونات السوق.
وأشارت إلى أن القطاع العقاري المصري يواجه ضغوطاً قصيرة الأجل على التكاليف، حيث ترتبط أساساً بتحركات سعر الصرف، وارتفاع مدخلات الطاقة، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد.
و لفتت "سافيلز" إلى أنه إلى الآن لا يتم رصد أي مؤشرات على حدوث إعادة تسعير واسعة النطاق للأصول العقارية حيث يحافظ المطورون على انضباطهم التسعيري، مع الاستمرار في إعطاء الأولوية لنشاط المبيعات وتسليم المشروعات.
وكشفت أن العديد منهم أخذ بالفعل في الاعتبار مستويات مرتفعة لسعر الصرف خلال تقلبات عام 2024، ما أتاح لهم استيعاب جزء من الزيادات الحالية في التكاليف.
وأكدت "سافيلز" أن مقومات الطلب لا تزال قوية، إذ لا يزال القطاع العقاري يُنظر إليه على أنه وسيلة للتحوط ضد التضخم، إذ يتجه المشترون إلى العقارات للحفاظ على القيمة.
ومابين توقعات عضو غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات وتقرير “سافيلز” نجد مجموعة العتال “هولدينج” لها رأي آخر حيث أكد رئيس مجلس إدارتها أحمد العتال في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي، أن الشركة قررت تخفيض أسعار الوحدات بمشروع "101" في مدينة مستقبل سيتي، شرق القاهرة، بنسبة تتراوح بين 15% و20%، في إطار مراجعة شاملة لهيكل التسعير.
وأوضح أن الزيادات السعرية التي شهدتها السوق العقارية المصرية خلال العامين الماضيين "لم تكن دقيقة في بعض جوانبها"، وأسهمت في خلق فجوة بين مستويات الأسعار والقدرة الشرائية للعملاء، ما انعكس على وتيرة المبيعات.
متغيرات اقتصادية وإعادة تسعير
وأضاف أن قرار التخفيض يأتي ضمن توجه استراتيجي لتصحيح المسار وإعادة التوازن إلى السوق، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة استندت إلى إدخال تعديلات هندسية على المشروع سمحت بزيادة عدد المباني والوحدات، بما ساهم في خفض نصيب الوحدة من تكلفة الأرض والخدمات، إلى جانب الاستفادة من استقرار نسبي في أسعار بعض مدخلات البناء خلال الفترة الأخيرة.
وأشار "العتال" إلى أن السوق أصبحت في حاجة ملحة إلى إعادة تسعير حقيقية تتماشى مع المتغيرات الاقتصادية، بجانب تقديم قيمة فعلية تتناسب مع الأسعار، فضلاً عن تحفيز المبيعات بعد فترة من التحوط المبالغ فيه في سياسات التسعير.
تباطؤ وتراكم الفوائد
بينما يرى الخبير الاقتصادي، هاني توفيق، أن السوق العقارية المصرية تشهد تباطؤاً ملحوظاً، وهو يستدعي إعادة النظر في أولويات تخصيص الموارد، موضحاً أن حجم الاستثمار العقاري في مصر يمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط عالمي يدور حول 10%، معتبراً أن هذا الفارق يعزز الحاجة إلى إعادة التوازن داخل الاقتصاد بدلاً من التوسع المستمر في المشروعات العقارية.
وأوضح توفيق أن ما تشهده السوق حالياً من تصحيح سعري يعد أمراً ضرورياً للتخلص من المخزون غير المباع، لافتاً إلى أن الفجوة الكبيرة بين الأسعار والقدرة الشرائية للمستهلكين تعد أحد أبرز أسباب التباطؤ.
وأضاف أن الوحدات غير المباعة تمثل عبئاً مالياً متزايداً على المطورين نتيجة تراكم الفوائد، ما يدفعهم إما إلى خفض الأسعار أو التوسع في فترات السداد كبديل لتحفيز الطلب.
توقعات صادمة في 2026
ومن جهة أخرى وبصيغة جازمة أكد رئيس مجلس إدارة شركتي "منصات للتطوير العقاري" و"معمار الإشراف"، أحمد أمين مسعود، أن أسعار العقارات في مصر لن تنخفض، سواء حاليا أو في المستقبل القريب، موضحًا أن ارتفاع التكاليف والضرائب، إلى جانب مصاريف التشغيل والعمالة، يجعل أي تراجع في الأسعار أمرًا مستبعدًا تمامًا.
وأضاف أن أسعار العقارات لن تنخفض في ظل الزيادات الدورية في أسعار الأراضي من قبل الحكومة في كل طرح، متوقعاً أن تصل الزيادة في أسعار العقارات خلال العام الجاري إلى نحو 10–15%.
وأوضح أن القطاع العقاري المصري يرتكز على أسس قوية من الطلب الفعلي وليس على المضاربات، لافتًا إلى أن الفجوة بين العرض والطلب ما زالت واسعة جدًا، حيث يغطي المعروض الحالي نحو 10% فقط من احتياجات السوق الحقيقية.
ممارسات مضللة
وخلافا لهذا الرأي يرى د.أحمد أنيس رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لخبراء التقييم العقاري، أن تراجع تكلفة التمويل مؤخراً قد يفتح المجال أمام المطورين لتقديم عروض أكثر جذباً، في ظل توقعات بانخفاض إضافي لأسعار الفائدة خلال السنوات المقبلة، بما يقلل أعباء تمويل المشروعات طويلة الأجل.
وقال إن "المطور الذكي هو من يسبق السوق بخطوات، ويعيد تسعير مشروعاته مبكراً لجذب العملاء، بدلاً من الانتظار حتى تفرض عليه ظروف السوق هذا التوجه، مشيراً إلى أن تراجع توقعات سعر الصرف، أتاح مساحة لإعادة النظر في الأسعار الحالية.
وأوضح أحمد أنيس أن ما يُتداول عن تخفيضات تصل إلى 20% لا يعكس الواقع بالكامل، إذ يتم الانخفاض بشكل غير مباشر عبر العروض وزيادة فترات السداد التي قد تمتد إلى 12 عاماً، مشيرًا إلى أن هذا النموذج قد يخلق فجوات تمويلية، لأن تنفيذ المشروعات يتم خلال سنواتها الأولى بينما تُحصَّل الأقساط على مدى طويل، ما قد يؤثر على استقرار التنفيذ.
وأفاد بأن تقديم خصومات مباشرة على الأسعار قد يكون في بعض الأحيان بديلاً أقل تكلفة من الاقتراض البنكي، الذي تصل فوائده إلى 25% أو 26%، حيث يفضل المطور الحصول على سيولة فورية حتى وإن كان ذلك على حساب هامش الربح.
وتوقع أن يشهد عام 2026 إعلان المزيد من المطورين عن تخفيضات سعرية، مدفوعة بظروف السوق والحاجة إلى تنشيط المبيعات، مشيراً إلى أن بعض الشركات تفضل تقديم مزايا غير مباشرة بدلاً من خفض السعر، مثل التشطيب المجاني أو التسهيلات التمويلية.
كما حذر من بعض الممارسات التسويقية المضللة، أبرزها التلاعب في مساحات الوحدات، حيث يتم تحميل مساحات إضافية على المساحة الإجمالية للوحدة، لإظهار انخفاض سعر المتر في حين أن المساحة الصافية الفعلية تكون أقل من المعلن.