الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

تساؤلات حول إدارة الأراضي السياحية.. هل تتحول «الأرض المخصصة» من أداة للتنمية إلى أصل قابل للتسقيع؟

مليارات مجمدة تحت الشمس.. لماذا تتأخر هيئة التنمية السياحية في سحب أراضي المستثمرين غير الجادين؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في ملف الاستثمار السياحي، لا تبدأ مسؤولية الدولة عند تخصيص الأرض للمستثمر، بل تبدأ معها مرحلة أكثر أهمية، وهي التأكد من أن الأرض تحولت بالفعل إلى مشروع منتج يضيف إلى الاقتصاد ويوفر فرص عمل ويزيد الطاقة الفندقية ويجذب الاستثمارات والسائحين.
لكن على امتداد عدد من المناطق السياحية، يظل سؤال قديم حاضرًا بقوة: ماذا يحدث للأراضي التي حصل عليها مستثمرون منذ سنوات ولم تتحول حتى الآن إلى مشروعات بالمعدلات المستهدفة؟

السؤال لا يتعلق برفض الاستثمار أو التضييق على المستثمرين، وإنما بكيفية إدارة أحد أهم أصول الدولة، خاصة أن الأرض السياحية تختلف عن أي أصل عقاري آخر؛ فالقيمة الحقيقية لها لا تتحقق بمجرد تخصيصها، وإنما عندما تتحول إلى مشروع يعمل ويحقق عائدًا اقتصاديًا للدولة والمستثمر والمجتمع.


 

الأرض لا تُمنح لكي تنتظر

عندما تخصص الدولة أرضًا لإقامة فندق أو قرية سياحية أو مشروع خدمي، فإنها تفترض وجود برنامج زمني واضح للتنفيذ، ومراحل محددة لضخ الاستثمارات، ونسب إنجاز يمكن من خلالها قياس جدية المستثمر.

وبالتالي فإن مرور السنوات دون تحقيق المستهدفات يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى استمرار أحقية المستثمر في الاحتفاظ بالأرض، ومدى التزام الجهة صاحبة الولاية بتطبيق بنود التعاقد واللوائح المنظمة.

فليس منطقيًا أن تحصل أرض على صفة «استثمارية سياحية» ثم تظل لسنوات خارج دورة الإنتاج، بينما تتغير قيمتها السوقية بصورة كبيرة خلال الفترة نفسها.

هنا تظهر مخاطر ما يعرف في السوق بـ«تسقيع الأراضي»، وهي حالة لا يكون الهدف الأساسي فيها بالضرورة تطوير الأرض في التوقيت المقرر، وإنما الاحتفاظ بها باعتبارها أصلًا ترتفع قيمته مع مرور الوقت.

 

لماذا لا تتحرك الهيئة في الوقت المناسب؟

السؤال الأكثر إلحاحًا هنا يتعلق بآليات المتابعة داخل هيئة التنمية السياحية.. هل تمتلك الهيئة حصرًا محدثًا لجميع الأراضي المخصصة؟.. وهل تعرف بشكل دقيق تاريخ تخصيص كل قطعة، والموعد المحدد لبدء التنفيذ، ونسبة الإنجاز الفعلية، وحجم الاستثمارات التي تم ضخها، وأسباب أي تأخير؟

والأهم: ماذا يحدث عندما يثبت أن المستثمر لم يلتزم بالبرنامج الزمني أو نسب التنفيذ المقررة؟… فإذا كانت العقود واللوائح تضع إجراءات للتعامل مع حالات عدم الجدية، فإن المشكلة لا تكون في وجود القاعدة، وإنما في سرعة تفعيلها، لأن التأخر في اتخاذ القرار لا يحافظ بالضرورة على الاستثمار، بل قد يزيد من تعقيد الأزمة.

 

كل سنة تأخير ترفع تكلفة استعادة الأرض

الأرض التي تبقى سنوات طويلة دون تنمية لا تظل في الحالة القانونية والاقتصادية نفسها التي كانت عليها عند التخصيص.. قد تتداخل معها تعاقدات، وتمويلات، ومبيعات، ومقاولون، ومنازعات، وطلبات تعديل، ومراسلات، وإجراءات تسوية، وهو ما يجعل استعادة الأرض وإعادة طرحها أكثر صعوبة بمرور الوقت.

ومن هنا فإن التأخر في الحسم قد يتحول من إجراء إداري مؤقت إلى مشكلة مؤسسية كاملة.. فلو كان المستثمر غير جاد، فإن اكتشاف ذلك مبكرًا يسمح بإعادة الأرض إلى دورة الاستثمار وإسنادها إلى مستثمر قادر على التنفيذ.

أما تركها سنوات إضافية، فيعني عمليًا تأجيل فرصة أخرى للتنمية.. أين تذهب القيمة الاقتصادية للأرض المجمدة؟

القضية لا تتوقف عند سعر الأرض، فعندما تتعطل قطعة أرض سياحية كبيرة، لا تتوقف فقط عملية بناء مجموعة من المنشآت، وإنما تتعطل سلسلة اقتصادية كاملة.

مشروع سياحي يعني شركات مقاولات، وعمالة، ومهندسين، وموردين، ونقلًا، وخدمات، وطاقة، ومياه، ومطاعم، وأنشطة ترفيهية، وغرفًا فندقية، وإيرادات ضريبية ورسومًا، وربما موارد دولارية من السياحة.

وبالتالي فإن الأرض غير المستغلة لا تمثل فقط أصلًا عقاريًا مجمدًا، وإنما تمثل نشاطًا اقتصاديًا لم يبدأ أصلًا.. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كم تبلغ تكلفة السنوات التي ظلت فيها هذه الأراضي خارج دورة التنمية؟

 

هل جميع المستثمرين أمام معيار واحد؟

من أكثر الملفات حساسية في إدارة الأراضي أن يشعر السوق بوجود تفاوت في التعامل بين المستثمرين.

وهنا يجب التأكيد أن الحديث عن وجود مجاملات أو تمييز لصالح مستثمرين بعينهم لا يجوز تحويله إلى حقيقة صحفية دون مستندات تثبته.

لكن في المقابل، من حق السوق والمواطن أن يسأل عن معيار تطبيق القواعد.. هل يخضع المستثمر الكبير والصغير للمدد والإجراءات نفسها؟.. وهل يتم التعامل مع نسب التنفيذ وفق معاييرموحدة؟.. وهل تبدأ إجراءات السحب في الحالات المتشابهة في توقيتات متقاربة.. وهل توجد حالات حصلت على مدد إضافية أو تسويات رغم عدم تحقيق المستهدفات نفسها التي أدت إلى سحب أراضٍ من مستثمرين آخرين؟

هذه الأسئلة لا تستهدف مستثمرًا بعينه، وإنما تستهدف التأكد من أن القاعدة واحدة على الجميع.

 

رئيس الهيئة أمام اختبار حقيقي

ومع تولي قيادة جديدة لملف هيئة التنمية السياحية، تصبح قضية الأراضي غير المستغلة واحدة من أهم الملفات التي تحتاج إلى مراجعة شاملة.

قد تكون الفترة التي قضاها رئيس الهيئة في موقعه حتى الآن غير كافية للحكم على أدائه بصورة نهائية، لكن ذلك لا يمنع من طرح تساؤلات حول الخطوات التي يمكن أن تبدأ بها الهيئة خلال المرحلة المقبلة.

وفي مقدمة هذه الخطوات يأتي إعداد خريطة كاملة للأراضي السياحية المخصصة، تتضمن تاريخ التخصيص، والموقف التعاقدي، ونسب التنفيذ، وحجم الاستثمارات، والمواعيد المحددة، وأسباب التأخير، والموقف القانوني لكل مشروع.

فبدون هذه البيانات يصعب تكوين صورة حقيقية عن حجم الأراضي التي تعمل بالفعل، وتلك التي تأخرت، وتلك التي توقفت، وتلك التي أصبحت محل نزاعات أو طلبات تسوية.

 

المطلوب ليس سحب الأراضي بالجملة

وفي المقابل، فإن الدعوة إلى تشديد الرقابة لا تعني أن الحل هو سحب كل أرض تأخر تنفيذها.

فبعض المشروعات قد تتعطل لأسباب خارجة عن إرادة المستثمر، مثل تأخر المرافق أو تغيرات اقتصادية كبيرة أو ظروف تمويلية أو مشكلات في التراخيص، وهنا يصبح من واجب الجهة الإدارية دراسة كل حالة بصورة منفردة.

لكن الفارق كبير بين المستثمر الذي يواجه عائقًا حقيقيًا ويثبت جديته، وبين من يحتفظ بالأرض لسنوات دون تنفيذ حقيقي.

وهنا يجب أن يكون المعيار هو المستند ونسبة الإنجاز والبرنامج الزمني، وليس حجم المستثمر أو اسمه أو علاقاته داخل السوق.

 

هل نحتاج إلى «كشف حساب» للأراضي السياحية؟

ربما يكون أحد أهم الإجراءات التي يمكن أن تعيد الثقة إلى هذا الملف هو إعلان موقف أكثر وضوحًا من الأراضي المخصصة.

ليس بالضرورة الإعلان عن كل التفاصيل التجارية أو السرية للعقود، وإنما نشر مؤشرات أساسية عن حركة التنمية: عدد الأراضي المخصصة، عدد المشروعات التي دخلت التنفيذ، المشروعات المتعثرة، نسب الإنجاز، الأراضي التي تم سحبها، والأراضي التي تمت إعادة تخصيصها.

مثل هذه البيانات تجعل تقييم أداء منظومة التنمية أكثر موضوعية، وتغلق الباب أمام الشائعات، وتمنح المستثمر الجاد رسالة واضحة بأن الدولة تحمي الأرض من التسقيع كما تحمي المستثمر من القرارات العشوائية.

 

من يحاسب على الأرض التي لم تُنمَّ؟

السؤال النهائي لا ينبغي أن يكون: لماذا تسحب الدولة الأرض؟ بل ربما يكون السؤال الأهم: لماذا انتظرت كل هذه السنوات قبل أن تتحرك؟ إذا كان المستثمر غير جاد، فلماذا لم يتم اكتشاف ذلك مبكرًا؟ وإذا كان جادًا لكنه يواجه عوائق، فأين خطط إزالة تلك العوائق؟ وإذا كانت الأرض محل تسويات ومفاوضات، فما الجدول الزمني لإنهاء الملف؟ وإذا كان المشروع متوقفًا تمامًا، فلماذا تظل الأرض خارج دورة الاستثمار؟

أما إذا كانت هناك حالات حصلت على مدد أو تسويات استثنائية، فمن حق السوق أن يعرف: ما المعايير التي استندت إليها تلك القرارات؟

 

التنمية تبدأ بعد التخصيص

المعادلة ببساطة أن تخصيص الأرض ليس إنجازًا في حد ذاته.. فالإنجاز الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأرض إلى مشروع، والمشروع إلى استثمار، والاستثمار إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى قيمة مضافة للاقتصاد.

ولهذا فإن هيئة التنمية السياحية لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد قطع الأراضي التي خصصتها، وإنما أيضًا بعدد المشروعات التي نجحت في تحويل تلك الأراضي إلى مشروعات حقيقية تعمل على الأرض.

وفي النهاية، فإن ملف الأراضي السياحية يحتاج إلى إدارة أكثر حسمًا وشفافية؛ إدارة تفرق بين المستثمر الجاد والمتعثر لأسباب حقيقية، وبين من يحتفظ بالأرض سنوات دون تحقيق المستهدفات.

فالأرض التي خصصتها الدولة للسياحة ليست مخزنًا للقيمة.. وإنما أصل من أصول التنمية، وكل عام يمر دون استغلالها هو عام آخر تتأجل فيه فرصة اقتصادية جديدة.