الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

هاني أبو زيد يكتب: راندة المنشاوي تعيد تعريف علاقة الدولة بالمطورين.. «الأرض لمن ينفذ»

راندة المنشاوي وزيرة
راندة المنشاوي وزيرة الإسكان

في ملف الإسكان، لا تكمن أهمية القرارات الجديدة دائما في تفاصيلها الإجرائية، وإنما في الفلسفة التي تقف خلفها، وفي الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى أحد أهم أصولها الاقتصادية: الأرض.

ومن هذه الزاوية تحديدا، تبدو تحركات المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، في ملف تخصيص الأراضي للمطورين العقاريين، أكبر من مجرد تطوير آلية للتخصيص أو منح المستثمر مزيدا من المرونة في التقدم والسداد.

فالرسالة الأهم التي يمكن قراءتها من التحرك الجديد هي أن الدولة تريد الانتقال من فكرة «من يحصل على الأرض؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «من يستطيع أن يحول الأرض إلى مشروع حقيقي في الوقت المحدد؟»

وهنا تحديدا تظهر ملامح رؤية جديدة في إدارة واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل قطاع التشييد والعقارات.

 

راندة المنشاوي.. من إدارة الأرض إلى إدارة القيمة

الأرض بالنسبة للدولة ليست مجرد أصل يمكن بيعه أو تخصيصه وتحقيق إيراد من ورائه، وإنما هي نقطة البداية لمشروع تنموي كامل.

ولهذا فإن حصول شركة على قطعة أرض داخل مدينة جديدة لا ينبغي أن يكون هو نهاية القصة، وإنما بدايتها.

المطلوب بعد التخصيص أن تتحول الأرض إلى مبان، والمباني إلى سكان، والسكان إلى مجتمع متكامل، والمجتمع إلى حركة اقتصادية تنتج فرص عمل وتخلق طلبا على الخدمات وتحرك قطاعات المقاولات والتجارة والنقل وغيرها.

ومن هنا تأتي أهمية توجه وزيرة الإسكان إلى إعادة النظر في آليات تخصيص الفرص الاستثمارية، بحيث يصبح القدرة على التنفيذ والالتزام بالبرامج الزمنية عنصرا أكثر حضورا في تقييم المستثمر.

هذه ليست مجرد مسألة إدارية، وإنما إعادة ترتيب للأولويات.

«الأرض لمن ينفذ».. رسالة الوزيرة للسوق

لسنوات طويلة، ظل حجم محفظة الأراضي التي يمتلكها المطور أحد مؤشرات قوته داخل السوق.

لكن امتلاك الأرض في حد ذاته لا يصنع مدينة، ولا يوفر وحدة سكنية، ولا يخلق فرصة عمل.

المطور الحقيقي هو الذي يستطيع تحويل الأرض إلى قيمة.

ومن هنا فإن ربط التخصيص بقدرة المستثمر على التنفيذ يمكن أن يخلق معيارا جديدا للمنافسة داخل السوق العقارية، وهو معيار لا يقيس فقط القدرة على الدفع، وإنما يقيس القدرة على الإنجاز.

وهذه النقطة تحديدا تمنح تحركات وزيرة الإسكان أهمية خاصة، لأنها تنقل النقاش من «كم أرضا نخصص؟» إلى «كم مشروعا ننجز؟».

والفرق بين السؤالين كبير.

 

لماذا يأتي هذا التحول الآن؟

قطاع العقارات لم يعد مجرد قطاع لبيع وشراء الوحدات، وإنما أصبح واحدا من أهم محركات الاقتصاد المصري.

خلف كل مشروع عقاري توجد شركات مقاولات، وعمال، وموردون، ومصانع أسمنت وحديد، وشركات تشطيبات، وخدمات نقل، ومكاتب هندسية، ومؤسسات تمويل، ثم في النهاية آلاف الأسر التي تنتقل إلى الوحدات الجديدة.

ولهذا فإن تأخر مشروع كبير لا يعني فقط تأخر مبان، وإنما يعني تجميد سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية.

وهنا يصبح قرار الأرض جزءا من سياسة اقتصادية أوسع.

فإذا كانت الأرض قد أصبحت متاحة للمستثمر، فإن بقاءها دون تنفيذ لسنوات يعني أن الدولة لم تحصل على العائد التنموي الذي كانت تستهدفه من تخصيصها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم حرص راندة المنشاوي على أن تكون برامج التنفيذ والجدول الزمني جزءا أساسيا من منظومة التعامل مع المطورين.

الوزيرة أمام معادلة دقيقة.. تشجيع المستثمر ومحاسبة المتأخر

لكن إدارة الملف ليست بهذه البساطة.

فالقطاع الخاص يحتاج إلى مرونة، والأسواق لا تسير دائما وفقا للجداول الموضوعة على الورق.

أسعار مواد البناء يمكن أن تتغير، وتكاليف التمويل ترتفع، والطلب قد يتراجع، وقد تظهر أزمات اقتصادية أو جيوسياسية تؤثر في قدرة الشركات على التنفيذ.

ولهذا فإن نجاح السياسة الجديدة لن يقاس بمدى تشددها مع المطورين، وإنما بقدرتها على تحقيق توازن أكثر صعوبة: منح المستثمر الجاد المساحة التي يحتاجها، وفي الوقت نفسه منع تحول المرونة إلى مبرر دائم لتأجيل التنفيذ.

وهنا تظهر أهمية الإدارة.

فالوزير الذي يضع قواعد جامدة قد يضر بالسوق، والوزير الذي يترك القواعد بلا ضوابط قد يضر بالدولة والمواطن.

أما التحدي الحقيقي فهو بناء نظام يعرف متى يمنح المرونة، ومتى يطلب الالتزام، ومتى يعيد تقييم الموقف.

 

من «المطور صاحب الأرض» إلى «المطور صاحب الإنجاز»

إذا نجحت المنظومة الجديدة، فقد نشهد تغييرا تدريجيا في طريقة تقييم الشركات العقارية.

لن تكون الشركة الأقوى فقط لأنها تمتلك مئات أو آلاف الأفدنة، وإنما لأنها تمتلك القدرة على تحويل هذه الأراضي إلى مشروعات.

وساعتها يصبح سجل التنفيذ نفسه أحد أهم أصول المطور.

الشركة التي تسلم في موعدها، وتلتزم بالمواصفات، وتنجز مشروعاتها، وتثبت قدرتها على إدارة مراحل التطوير، ستكون بطبيعة الحال أكثر جدارة بالحصول على فرص جديدة.

وهذا من شأنه أن يخلق نوعا من المنافسة على الإنجاز بدلا من المنافسة على حيازة الأرض فقط.

وهنا ربما تكون إحدى أهم النتائج غير المباشرة لتحرك وزيرة الإسكان.

 

المواطن في قلب المعادلة

قد يبدو الحديث عن تخصيص الأراضي شأنا يخص الدولة والمطورين، لكن المواطن هو المستفيد النهائي من أي إصلاح في هذه المنظومة.

عندما تتسارع المشروعات، يزيد المعروض.

وعندما يزيد المعروض، تصبح أمام المواطن اختيارات أكثر.

وعندما تكتمل المدن في توقيتاتها، يحصل السكان على الخدمات التي تم التخطيط لها بالتوازي مع البناء.

وعندما يلتزم المطور ببرنامجه الزمني، تقل حالة عدم اليقين التي يعيشها المشتري الذي يدفع أمواله اليوم في انتظار وحدة قد يستلمها بعد سنوات.

ومن هنا فإن معركة الإسكان ليست فقط معركة أرض أو مبان، وإنما معركة ثقة. ثقة المستثمر في الدولة. وثقة الدولة في المستثمر. وثقة المواطن في الاثنين.

 

راندة المنشاوي أمام اختبار مختلف

ولأن القرارات الكبيرة لا تقاس لحظة إعلانها، فإن الاختبار الحقيقي لسياسة وزيرة الإسكان الجديدة سيبدأ بعد التخصيص.

كم مشروعًا بدأ التنفيذ؟

كم مشروعًا التزم ببرنامجه؟

كم شركة استطاعت تحويل الأرض إلى نشاط حقيقي؟

وكم قطعة أرض ظلت خارج دورة التنمية؟

هذه الأرقام هي التي ستكشف خلال الفترة المقبلة ما إذا كانت المنظومة الجديدة نجحت بالفعل في تغيير سلوك السوق أم أنها بقيت مجرد تعديل في الإجراءات.

وهنا أعتقد أن قوة التجربة لا تكمن فقط في القرار، وإنما في قدرة الوزيرة على تحويل القرار إلى نظام قابل للقياس والمتابعة والمحاسبة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في إدارة ملف بهذا الحجم.

 

الإسكان أمام مرحلة «ما بعد بيع الأرض»

ربما يكون أهم ما في المرحلة الحالية أن وزارة الإسكان لم تعد مطالبة فقط بتوفير الأراضي أو طرح الوحدات.

المرحلة الجديدة تتطلب إدارة دورة كاملة:

أرض يتم تخصيصها، ثم مشروع يبدأ، ثم تنفيذ يتقدم وفقا لجدول زمني، ثم وحدات تسلم، ثم خدمات تعمل، ثم مدينة تنمو وتصبح قادرة على جذب السكان والاستثمارات.

وهذا يعني أن نجاح الوزارة لن يكون في عدد قطع الأراضي التي تم تخصيصها، وإنما في عدد المدن والمشروعات التي أصبحت تعمل بالفعل.

وهنا تصبح رؤية راندة المنشاوي أمام فرصة مهمة لإعادة صياغة علاقة الدولة بالسوق العقارية.

علاقة لا تقوم على فكرة أن الدولة تمنح الأرض والمطور ينفذ متى استطاع، وإنما على شراكة واضحة: الدولة توفر الأرض والبنية الأساسية والإطار التنظيمي، والمطور يقدم التمويل والخبرة والتنفيذ والالتزام.

 

«الأرض لمن ينفذ».. قاعدة جديدة للسوق؟

إذا استطاعت وزيرة الإسكان أن تجعل هذه الفلسفة ممارسة مستقرة وليست قرارا مؤقتا، فإنها تكون قد نقلت ملف الأراضي إلى مستوى آخر.

الأرض لن تصبح مكافأة للمستثمر، وإنما أداة لقياس قدرته على صناعة التنمية.

والمطور لن يقاس فقط بحجم ما يملك، وإنما بما أنجز.

والمدينة لن تقاس بعدد العمارات التي ظهرت على خريطتها، وإنما بعدد السكان والخدمات والوظائف والأنشطة التي أصبحت تعمل داخلها.

وهنا تحديدا يمكن أن يصبح شعار المرحلة الجديدة في الإسكان أكثر وضوحا:

الأرض ليست لمن يطلبها.. وإنما لمن يستطيع أن يصنع منها قيمة.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام راندة المنشاوي.

فإذا نجحت في تحويل هذه الفكرة إلى ثقافة عمل داخل منظومة الإسكان والمجتمعات العمرانية، فلن تكون قد غيرت فقط طريقة تخصيص الأراضي، وإنما ستكون قد وضعت معيارا جديدا للعلاقة بين الدولة والمطورين: الدولة تشجع الاستثمار، لكنها في المقابل تنتظر إنجازا حقيقيا على الأرض.

وفي النهاية، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله الدولة بأرضها ليس أن تبيعها بأعلى سعر، وإنما أن تجعلها تنتج أعلى قيمة ممكنة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لسياسة «الأرض لمن ينفذ».