«الإسكان 24» يكشف المستور..
«دموع التماسيح» في بيت الوطن.. مصري بالكويت يستعطف وزيرة الإسكان للحصول على قطعة أرض والمفاجأة: 20 قطعة باسمِه وأسرته
في واقعة تثير علامات استفهام حول بعض ممارسات المتعاملين مع مشروع «بيت الوطن»، ظهر مواطن مصري مقيم في الكويت، يدعى خالد أبو النجا، في مقطع فيديو موجهاً رسالة إلى وزيرة الإسكان المهندسة راندة المنشاوي، يشكو خلالها من عدم تمكنه من الحصول على قطعة أرض، مطالباً بتدخل الوزارة لإنصافه ومنحه فرصة للحصول على قطعة ضمن المشروع.
المقطع، الذي اعتمد بشكل كبير على لغة الاستعطاف والحديث عن معاناة المصريين بالخارج، سرعان ما فتح باباً واسعاً للتساؤلات، خاصة بعدما ظهرت ردود من متعاملين مع مشروع «بيت الوطن» تشير إلى أن صاحب الشكوى ليس بعيداً عن سوق الأراضي بالمشروع، وإنما يرتبط ـ وفق ما جرى تداوله والتحري بشأنه ـ بعدد كبير من قطع الأراضي التي سبق تخصيصها له ولأفراد من أسرته.
مناشدة للحصول على «قطعة واحدة».. والقصة لها وجه آخر
قدم صاحب الفيديو نفسه باعتباره مواطناً مغترباً يبحث عن قطعة أرض تساعده على تحقيق حلم الاستقرار، متحدثاً عن صعوبة الحصول على الأراضي المطروحة ضمن مشروع «بيت الوطن»، ومحملاً مسؤولية ما وصفه بالحرمان لما سماهم «حيتان وسماسرة» السوق.
وطالب الشاكي وزيرة الإسكان بالتدخل لمنحه فرصة للحصول على قطعة أرض، في رسالة بدا أنها تستهدف تحريك الرأي العام ووضع الوزارة أمام مطلب إنساني يتعلق ـ بحسب روايته ـ بمواطن مغترب يريد امتلاك قطعة من أرض وطنه.
لكن هذه الرواية اصطدمت سريعاً بتعليقات ومعلومات متداولة بين عدد من المتعاملين في المشروع، دفعت إلى إعادة النظر في القصة من زاوية مختلفة تماماً.
كيف تشكو التجار وأنت منهم؟.. تعليقات تقلب المشهد
عقب انتشار الفيديو، شهدت منصات التواصل الاجتماعي نقاشاً واسعاً بين عدد من المصريين بالخارج والمتابعين لمشروع «بيت الوطن».
ولم تتوقف التعليقات عند التعاطف مع صاحب الشكوى، بل اتجه جانب كبير منها إلى التشكيك في روايته، حيث اتهمه متابعون بأنه من كبار المتعاملين في أراضي المشروع، وأن لديه سوابق في الحصول على أكثر من قطعة أرض.
وتكررت تساؤلات من قبيل: كيف يمكن لشخص يمتلك هذا العدد من التخصيصات أن يقدم نفسه باعتباره مواطناً محروماً من فرصة الحصول على قطعة أرض؟
وهنا تحولت القصة من مجرد شكوى فردية إلى سؤال أكبر يتعلق بمدى استفادة بعض المتعاملين من طروحات «بيت الوطن»، وما إذا كانت الأراضي التي يفترض أن تكون موجهة بالأساس لتحقيق هدف السكن والاستقرار تتحول في بعض الحالات إلى أداة للمضاربة والمتاجرة.

20 قطعة أرض.. الرقم الذي يغير رواية الشكوى
وبحسب ما خلصت إليه المعلومات التي جرى تتبعها في إطار التحقيق، فإن الصورة لا تتوقف عند مجرد امتلاك قطعة أو قطعتين، إذ تشير البيانات التي جرى الاستناد إليها إلى تخصيص ما لا يقل عن 20 قطعة أرض باسم صاحب الشكوى وأفراد من عائلته عبر مراحل مختلفة من مشروع «بيت الوطن».
وهنا تبرز المفارقة الأساسية في الواقعة، ففي الوقت الذي يظهر فيه صاحب الفيديو مطالباً بـ«قطعة أرض واحدة» باعتبارها حقاً لمواطن مغترب، فإن المعلومات المتاحة حول التخصيصات السابقة تضعه في دائرة مختلفة تماماً عن المواطن الذي يخوض للمرة الأولى تجربة التقدم للحصول على قطعة أرض.
والفارق هنا ليس في عدد القطع فقط، وإنما في طبيعة التعامل معها أيضاً، إذ تطرح التخصيصات المتعددة تساؤلات حول الغرض الحقيقي من الحصول على هذا العدد الكبير من الأراضي: هل كان الهدف هو بناء مساكن لأفراد الأسرة، أم أن جزءاً منها دخل في دائرة الاستثمار والمضاربة وإعادة البيع؟

«بيت الوطن».. سكن للمغترب أم سوق للمضاربة؟
منذ إطلاق مشروع «بيت الوطن» للمصريين بالخارج، ارتبط المشروع بفكرة أساسية تتمثل في توفير أراضٍ ووحدات للمصريين المقيمين خارج البلاد، بما يتيح لهم الاحتفاظ بارتباط اقتصادي وعقاري بوطنهم الأم، والمساهمة في ضخ العملة الأجنبية داخل الاقتصاد المصري.
لكن ندرة الأراضي مقارنة بحجم الطلب تجعل كل قطعة أرض مطروحة محل منافسة قوية بين المتقدمين.
ومن هنا تصبح مسألة حصول شخص واحد أو عائلة واحدة على عدد كبير من القطع محل تساؤل مشروع، خصوصاً إذا كان ذلك يتزامن مع إعادة تداول الأراضي في السوق وتحقيق مكاسب من فروق الأسعار.
فإذا كان المواطن الذي ينتظر منذ سنوات فرصة واحدة للحصول على قطعة أرض لا يجدها، بينما يستطيع آخر الحصول على عشرات القطع بصورة مباشرة أو من خلال أفراد أسرته، فإن المشكلة لا تصبح فقط في عدد الأراضي المتاحة، وإنما في كيفية توزيع الفرص ومنع تحول الطروحات إلى نشاط مضاربي واسع.
الفيديو كأداة ضغط.. عندما تتحول المظلومية إلى وسيلة تفاوض
المفارقة الأبرز في الواقعة أن الشكوى لم تأتِ في صورة تظلم رسمي تقليدي، وإنما عبر مقطع فيديو يخاطب الوزيرة بشكل مباشر، ويستند إلى لغة عاطفية تستهدف الوصول إلى الجمهور قبل وصولها إلى المسؤول.
وهذه الطريقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أدوات الضغط في العديد من القضايا العامة؛ إذ يمكن لمقطع قصير يحمل رواية واحدة أن ينتشر على نطاق واسع قبل أن تتاح فرصة فحص التفاصيل أو مراجعة المستندات والبيانات المرتبطة بالقضية.
لكن في ملف الأراضي تحديداً، تبدو الأرقام أكثر قدرة على حسم الجدل من العبارات المؤثرة.
فالمواطن الذي يطلب قطعة أرض للمرة الأولى يختلف جذرياً عن متعامل سبق أن حصل على عدة تخصيصات، كما أن تقييم الشكوى لا يمكن أن ينفصل عن التاريخ السابق للمتقدم وتخصيصاته وتعاملاته.
من يستحق الأولوية؟
القضية تفتح الباب أمام سؤال أوسع يتجاوز صاحب الفيديو نفسه: كيف يمكن ضمان وصول الأراضي إلى أكبر عدد ممكن من المصريين بالخارج، بدلاً من تركزها في يد مجموعة محدودة من المتعاملين؟
فمع ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، أصبحت الفجوة بين سعر التخصيص والسعر المتداول في السوق عاملاً جاذباً للمضاربة، وهو ما يجعل أي مشروع عقاري حكومي بحاجة إلى ضوابط واضحة تمنع تحويله من وسيلة لتحقيق الاستقرار إلى قناة لتحقيق أرباح سريعة.
وفي المقابل، فإن مجرد امتلاك شخص عدة قطع لا يعني بالضرورة وجود مخالفة قانونية؛ إذ يجب الفصل بين حق التملك وفق القواعد المعلنة وبين استخدام هذا الحق في المضاربة أو إعادة البيع بالمخالفة لشروط التخصيص.
ولهذا تظل المستندات الرسمية وشروط المشروع هي الفيصل النهائي في تحديد المسؤولية.
«المظلومية» لا تحسمها الكاميرا.. وإنما السجلات
الواقعة، بصرف النظر عن تفاصيلها النهائية، تقدم درساً مهماً في التعامل مع الشكاوى التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
فالفيديو قد يقدم رواية مؤثرة، لكنه لا يستطيع وحده إثبات صحتها أو خطئها.
وفي قضية مثل «بيت الوطن»، توجد سجلات تخصيص وبيانات تحويلات وشروط للتصرف في الأراضي، وهي الأدوات التي تستطيع الجهات المختصة من خلالها تحديد الصورة الكاملة.
ومن ثم، فإن أي شكوى تتعلق بحرمان مواطن من فرصة التخصيص يجب أن تُفحص في ضوء تاريخه السابق في المشروع، وعدد التخصيصات التي حصل عليها هو وأفراد أسرته، ومدى التزامه بشروط الحجز والتصرف في الأراضي.
في انتظار رد رسمي
وتبقى الكرة في ملعب الجهات المعنية بوزارة الإسكان لكشف الحقيقة الكاملة بشأن الواقعة، وبيان موقف صاحب الشكوى من التخصيصات السابقة، ومدى صحة ما تم تداوله بشأن امتلاكه وأفراد أسرته لنحو 20 قطعة أرض ضمن «بيت الوطن»، وما إذا كانت هناك أي مخالفات تتعلق بإعادة البيع أو المضاربة.