تقارير رقابية كشفت المستور في الملف الشائك:
“الإسكان” تفتح ملف “أم النور للتعمير” في العبور الجديدة.. وتراجع أراضي بـ 1.5 مليار جنيه
في المدن الجديدة، الأرض ليست مجرد قطعة على خريطة أو رقم داخل ملف تخصيص، فخلف كل قطعة أرض أموال دولة، وخطط عمرانية، ومواطنون ينتظرون وحداتهم، واستثمارات يفترض أن تتحول من أوراق وعقود إلى مبانٍ ومجتمعات جديدة.
ولهذا، عندما تتوقف عجلة التنفيذ، أو تظهر علامات استفهام حول الالتزامات والتوقيتات والقدرة على استكمال المشروعات، تبدأ أجهزة الدولة في فتح الملفات من جديد.
ماذا يحدث في شركة أم النور بالعبور
وهذا بالضبط ما يحدث الآن في أحد الملفات المرتبطة بشركة «أم النور للتعمير والإسكان» بمدينة العبور الجديدة، لمالكها باهر (ب. ف) ، حيث دخلت أراضي الشركة في دائرة الفحص والمراجعة ضمن تحركات أوسع تقودها وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية لمراجعة ملفات عدد من الكيانات العقارية.
وبحسب المعلومات، فإن الملف لم يعد مجرد متابعة روتينية لموقف تنفيذ مشروع أو مراجعة مستحقات مالية، لكنه أصبح جزءًا من تحرك رقابي وقانوني أوسع يستهدف حماية أصول ومقدرات تتجاوز قيمتها الإجمالية 1.5 مليار جنيه.
في الفترة الأخيرة، بدأت أجهزة وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة إعادة فتح عدد من الملفات التي ظلت لسنوات محاطة بعلامات استفهام، والهدف هذه المرة لم يكن البحث في الأوراق فقط، وإنما إعادة قراءة المشهد بالكامل، للتعرف على ماذا حدث في الأراضي التي تم تخصيصها؟ وكم تم تنفيذه فعليًا؟ وهل التزم المستثمر بالشروط والجداول الزمنية؟والأهم هل يمتلك القدرة المالية الحقيقية لاستكمال المشروع؟
قطاع الشئون العقارية والتجارية ينتفض
هذه الأسئلة كانت حاضرة في المراجعات التي طالت عددًا من قطع الأراضي المرتبطة بشركة «أم النور للتعمير والإسكان»، بحسب المعلومات الواردة من ملف المراجعات الذي تولاه قطاع الشئون العقارية والتجارية بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بالتنسيق مع جهاز تنمية مدينة العبور.
واللافت أن التعامل مع الملف جرى وفق مراجعة كل حالة على حدة، بعيدًا عن المعالجات العامة أو القرارات الموحدة.
فلكل قطعة أرض موقف قانوني، ولكل مشروع نسبة تنفيذ، ولكل التزام مالي حساباته، وهو ما دفع الجهات المختصة إلى إعادة فحص الصورة كاملة.
الزيارات الميدانية تكشف المستور
وفي ملفات الأراضي، تبقى الورقة وحدها غير كافية، فالمشروع قد يبدو منتظمًا داخل المستندات، بينما تكشف الزيارة الميدانية صورة مختلفة تمامًا، ولهذا، ركزت المراجعات على مطابقة الموقف التنفيذي على الأرض بما تم الاتفاق عليه عند تخصيص الأراضي، إلى جانب مراجعة مدى الالتزام بالشروط البنائية والتوقيتات المحددة للتنفيذ.
وبحسب المعلومات، أظهرت عمليات الفحص وجود اختلالات شابت بعض مسارات التعامل السابقة، وهو ما استدعى انتقال الملف إلى مرحلة أكثر تشددًا في المراجعة.
ولم يتوقف الأمر عند السؤال عن المباني وما تم إنجازه، بل امتد إلى نقطة أكثر أهمية وهي هل الشركة قادرة أصلًا على استكمال التزاماتها؟
فهيئة المجتمعات العمرانية، وفق المعلومات، بدأت فحص الملاءة المالية والقدرة الفعلية على استكمال المشروعات، في محاولة لتجنب سيناريوهات التعثر التي لا يدفع ثمنها المستثمر وحده.
ففي النهاية، هناك دولة لها مستحقات، وهناك مواطنون قد يكونون قد دفعوا مقدمات حجز، وهناك مشروع لا يمكن أن يظل معلقًا إلى أجل غير معلوم.
نتائج المراجعة دفعت قطاع الشئون العقارية إلى إعادة النظر في ملفات التعامل المرتبطة بالأراضي محل الفحص، مع دراسة عدد من المسارات القانونية لإنهاء الأوضاع غير المنضبطة.
إجراءات لفسخ التخصيص وسحب قطع الأراضي
ومن بين هذه المسارات، اتخاذ إجراءات لفسخ التخصيص وسحب قطع الأراضي التي يثبت عدم تنميتها أو استمرار مخالفة شروط التخصيص والتنفيذ.
وفي الحالات التي يسمح موقفها القانوني بتوفيق الأوضاع، يجري بحث إعادة التعامل على الأراضي وفقًا للأسعار السوقية الحالية، بما يحفظ حقوق هيئة المجتمعات العمرانية.
كما تشمل التحركات حصر المستحقات المالية المتأخرة والعمل على تحصيل حقوق الدولة دون ترك مساحة مفتوحة للمماطلة أو التأجيل.
وهنا تظهر ملامح السياسة الجديدة بوضوح، الأرض التي حصل عليها المستثمر للتنمية يجب أن تتحول إلى مشروع حقيقي، وليس إلى أصل مجمد ينتظر ارتفاع الأسعار أو يظل حبيس النزاعات والتأجيل.
تأخر التدخل في بعض الملفات قد يؤدي إلى أزمة أكبر
لكن ما يجري في ملف «أم النور» لا يتعلق فقط بحسابات الأراضي والمستحقات المالية، فالجانب الأكثر حساسية يتعلق بالمواطنين.
وزارة الإسكان تدرك أن تأخر التدخل في بعض الملفات قد يؤدي إلى أزمة أكبر في المستقبل، خاصة عندما تتعثر الشركات بعد أن تكون قد بدأت بالفعل في التعامل مع عملاء أو حجز وحدات.
ولهذا، فإن مراجعة قدرة المطور على التنفيذ أصبحت واحدة من النقاط الأساسية في التحركات الأخيرة.
الفكرة هنا ليست انتظار وقوع الأزمة، ثم البحث عن حل لها بعد سنوات، والهدف، بحسب المعلومات، هو التدخل قبل أن يتحول التعثر إلى واقع يدفع ثمنه المواطنون.
وقبل أن يجد الحاجز نفسه أمام مشروع دفع فيه جزءًا من مدخراته، بينما التنفيذ على الأرض لا يسير بالوتيرة التي كان يتوقعها.
«أم النور» ليست الملف الوحيد
والأهم أن التحرك في ملف شركة «أم النور للتعمير والإسكان» لا يبدو منفصلًا عن تحركات أوسع داخل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
فبحسب المعلومات، شملت المراجعات ملفات عدد من الشركات والمستثمرين، من بينها «ريدفن للاستثمار العقاري»، و«كوفيل للتنمية العمرانية»، و«المراسم للمراكز التجارية»، و«هندسة مواد البناء».
كما امتدت المراجعات إلى ملفات أخرى، من بينها القطعة C1 وشركات مثل «كرييتف كونستراكشن» و«أوراديا»، وهو ما يكشف أن ما يحدث ليس تحركًا ضد شركة بعينها، وإنما إعادة فتح لملفات ثقيلة داخل سوق المدن الجديدة.
ملفات تتعلق بأراضٍ ومشروعات ومستحقات ومواعيد تنفيذ، وتحتاج إلى إجابات واضحة.
خط فاصل بين المطور الجاد والمتقاعس
منذ سنوات، كان الحديث عن دعم المطورين العقاريين أحد الملفات الرئيسية في السوق، لكن الدعم شيء، وترك الالتزامات دون تنفيذ شيء آخر.
وهنا تضع وزارة الإسكان، بحسب التحركات الجارية، خطًا واضحًا بين الطرفين، المطور الجاد الذي يواجه تحديات حقيقية ويعمل على تنفيذ مشروعه، يحتاج إلى حلول وتيسيرات تساعده على الاستمرار.
أما من لا ينفذ، أو يعجز عن الوفاء بالتزاماته، أو يستمر في مخالفة شروط التخصيص، فإن الدولة تمتلك الأدوات القانونية التي تمكنها من استرداد أراضيها وإعادة توجيهها إلى مسار التنمية.
وهذا هو جوهر الرسالة التي تحملها الملفات المفتوحة حاليًا، لا أحد فوق شروط التخصيص، وولا أرض يمكن أن تبقى إلى الأبد خارج دورة التنمية.
أجهزة الدولة عينها صاحية
ربما يكون هذا هو العنوان الحقيقي لما يحدث الآن داخل ملف الأراضي في المدن الجديدة، فالمراجعات لم تعد تنتظر سنوات حتى تتحول المشكلات إلى أزمات معقدة، ولا يبدو أن الملفات القديمة ستبقى مغلقة لمجرد مرور الوقت، فالأراضي تخضع للفحص ، والموقف التنفيذي يخضع للمراجعة، والقدرة المالية يتم التدقيق فيها، ووالمستحقات يتم حصرها.
وفي النهاية، يبقى لكل حالة مسارها القانوني، بالنسبة لملف «أم النور» في العبور الجديدة، فإن الأيام المقبلة ستكشف إلى أي مدى ستصل الإجراءات بعد انتهاء المراجعات، لكن المؤكد حتى الآن أن رسالة وزارة الإسكان وصلت إلى السوق بوضوح “أجهزة الدولة عينها صاحية”، والأرض التي خرجت من ملكية الدولة بهدف التنمية، ستظل تحت المتابعة حتى تتحول إلى مشروع حقيقي.
أما زمن ترك الملفات معلقة، أو التعامل مع التعثر باعتباره أمرًا يمكن أن يستمر بلا نهاية، فيبدو أن الدولة بدأت تضع له نهاية مختلفة.