21 ذو الحجة 1447 الموافق الأحد 07 يونيو 2026

عندما تصبح الصورة أهم من الخدمة

ملوك اللقطة.. هل تحولت بعض أجهزة المدن الجديدة من حل المشكلات إلى صناعة الصورة؟

رئيس الجهاز ملك اللقطة
رئيس الجهاز ملك اللقطة

في كل مرة يتجول فيها رئيس جهاز مدينة جديدة داخل أحد المشروعات، تمتلئ الصفحات الرسمية بعشرات الصور ومقاطع الفيديو والتصريحات التي تتحدث عن الإنجازات ومعدلات التنفيذ والمتابعات الميدانية.

لكن بعيدًا عن الكاميرات والبيانات الرسمية، يطرح عدد من السكان سؤالًا مختلفًا: هل تعكس هذه الصور الواقع الفعلي للخدمات على الأرض أم أنها أصبحت جزءًا من سباق العلاقات العامة وصناعة الصورة؟

خلال السنوات الأخيرة، شهدت المدن الجديدة توسعًا ملحوظًا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة لعرض الأنشطة اليومية لرؤساء الأجهزة، حتى أصبحت بعض الصفحات تنشر جولات وصورًا شبه يومية لرؤساء المدن أثناء تفقد المشروعات أو متابعة الأعمال.

بين الإنجاز الحقيقي وإنجاز الصورة

لا خلاف على أهمية التواصل مع المواطنين وإطلاعهم على ما يجري من أعمال، لكن الجدل يبدأ عندما يشعر السكان بوجود فجوة بين ما يُنشر على الصفحات الرسمية وما يواجهونه في حياتهم اليومية.

ففي بعض المدن، تتكرر شكاوى المواطنين من الطرق أو المياه أو التشجير أو النظافة أو تأخر الخدمات، بينما تستمر الصفحات الرسمية في نشر بيانات تتحدث عن معدلات إنجاز مرتفعة ومتابعات ميدانية مكثفة.

وهنا يبرز السؤال: هل أصبحت بعض الأجهزة أكثر اهتمامًا بتوثيق الإنجاز من تحقيقه؟

عصر "اللقطة"

يرى متابعون للشأن العمراني أن بعض المسؤولين أصبحوا يدركون أن الصورة المنتشرة على مواقع التواصل قد تحقق أثرًا أسرع من معالجة مشكلة خدمية تحتاج إلى وقت وميزانية وجهد.

وبالتالي تتحول الجولات الميدانية أحيانًا إلى مادة إعلامية أكثر منها أداة رقابية أو تنفيذية.

فالمواطن لا يقيس النجاح بعدد الصور المنشورة، وإنما بسرعة حل مشكلاته وجودة الخدمات التي يحصل عليها.

صفحات الدعم غير الرسمية

ظاهرة أخرى لفتت الانتباه خلال السنوات الأخيرة، وهي ظهور صفحات وحسابات على مواقع التواصل تتبنى الدفاع المستمر عن بعض المسؤولين أو الأجهزة التنفيذية.

هذه الصفحات تهاجم المنتقدين أحيانًا وتتبنى رواية واحدة للأحداث، ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذا النشاط ومدى استقلاليته.

وفي المقابل، يرى آخرون أن هذه الصفحات مجرد مجموعات من المؤيدين أو المستفيدين أو المواطنين الراضين عن الأداء، وليست بالضرورة جزءًا من منظومة منظمة.

المواطن بين الواقع والمنشور

المشكلة الحقيقية لا تتعلق بالصور أو الصفحات أو البيانات الصحفية، وإنما بمدى انعكاس كل ذلك على حياة المواطن.

فإذا كانت الطرق ممهدة والمياه مستقرة والخدمات تعمل بكفاءة والمشروعات تنجز في مواعيدها، فلن يهتم أحد بعدد الصور المنشورة.

أما إذا استمرت المشكلات رغم كثافة البيانات الإعلامية، فإن الفجوة بين الواقع والخطاب الرسمي ستتسع بمرور الوقت.

هل تحتاج الأجهزة إلى مؤشرات أداء معلنة؟

يطالب عدد من الخبراء بضرورة الاعتماد على مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس بدلاً من الاكتفاء بالبيانات والصور، مثل زمن الاستجابة للشكاوى ونسب تنفيذ المشروعات. ومعدلات رضا المواطنين وجودة الخدمات ونسب إنجاز المرافق وحجم المشكلات التي تم حلها فعليًا.

فهذه الأرقام هي التي تسمح بتقييم الأداء الحقيقي بعيدًا عن الانطباعات الشخصية أو الحملات الإعلامية.

الجمهورية الجديدة تحتاج نتائج

نجحت الدولة في إنشاء عشرات المدن الجديدة وضخ استثمارات ضخمة في البنية الأساسية والمرافق، لكن نجاح هذه المدن لا يتوقف على حجم الإنفاق فقط، بل على كفاءة الإدارة وقدرتها على حل المشكلات اليومية للمواطنين.

وفي النهاية، قد تصنع الصورة انطباعًا مؤقتًا، لكن ما يبقى في ذاكرة السكان هو الخدمة التي حصلوا عليها، والطريق الذي سلكوه، والمياه التي وصلت إلى منازلهم، والمشكلة التي تم حلها.

أما "اللقطة"، فمهما كانت متقنة، لا يمكن أن تكون بديلًا عن الإنجاز الحقيقي على الأرض.عنوان بديل قوي: "بين الكاميرا والواقع.. هل تحولت بعض أجهزة المدن الجديدة إلى مصانع للإنجازات الورقية؟"