24 ربيع الأول 1448 الموافق الأحد 06 سبتمبر 2026

"الإسكان في عهد السيسي" | الحلقة الثانية.. كيف كانت التحديات والمشكلات قبل الجمهورية الجديدة؟

الاسكان في عهد ما
الاسكان في عهد ما قبل السيسي

قبل أن نتحدث عن المدن الجديدة، ومشروعات الإسكان، وتطوير المناطق غير الآمنة، وتغيير خريطة العمران في مصر.. يجب أن نعود أولًا إلى ما قبل عام 2014.

كيف كان شكل أزمة الإسكان؟
أين كان يتركز السكان؟
ماذا عن العشوائيات والمناطق غير الآمنة؟
وهل كان المعروض من الوحدات السكنية قادرًا على تلبية احتياجات المواطنين؟

هذه الأسئلة تمثل المدخل لفهم التحولات التي شهدها قطاع الإسكان والعمران خلال السنوات التالية.

لا تفوتك الحلقة الأولي | 

“الإسكان في عهد السيسي”| الحلقة الأولى.. من 7% إلى 14%.. كيف تغيرت خريطة العمران في مصر خلال عقد؟

 

أزمة لم تكن مجرد "شقق ناقصة"

على مدار سنوات طويلة، تراكمت أمام قطاع الإسكان مجموعة من التحديات المتشابكة؛ فلم تكن المشكلة في عدد الوحدات السكنية فقط، وإنما في مكان السكن، وجودته، وقدرة المواطن على تحمل تكلفته، وتوافر الخدمات والمرافق حوله.

تمثلت أبرز تحديات التنمية العمرانية قبل 2014 في ضيق الحيز العمراني المأهول، والنمو العشوائي على الأراضي الزراعية، والفجوة بين العرض والطلب على الوحدات السكنية، والتكدس العمراني والسكاني، وتراجع جودة الحياة، والاختناقات المرورية، وضعف خدمات مياه الشرب والصرف الصحي. أي أن الأزمة كانت أكبر من مجرد بناء عمارات جديدة؛ كانت أزمة خريطة عمرانية كاملة.

مساحة صغيرة تحمل ملايين المصريين

ظلت الكتلة السكانية مركزة بدرجة كبيرة في الوادي والدلتا، بينما بقيت مساحات شاسعة من الأراضي المصرية خارج نطاق العمران.

هذا التركيز أدى إلى ضغط متزايد على المدن القائمة، وارتفاع الكثافات، وتوسع البناء بصورة عشوائية في بعض المناطق، بالتزامن مع استمرار الزيادة السكانية.

وهنا ظهرت واحدة من أصعب معادلات العمران المصري: سكان أكثر.. ومساحة مأهولة محدودة.. واحتياج متزايد إلى السكن والخدمات وفرص العمل.

ومن ثم أصبح التوسع الأفقي المنظم خارج الوادي والدلتا أحد الملفات التي تحتاج إلى معالجة طويلة المدى.

العشوائيات: ملايين يعيشون خارج التخطيط

ربما كان ملف المناطق العشوائية وغير المخططة هو الصورة الأكثر وضوحًا لحجم المشكلة.

فوفق بيانات رسمية استعرضتها وزارة الإسكان، كان هناك قبل 2014 نحو 14 مليون نسمة يعيشون في مناطق عشوائية على مستوى الجمهورية، بينما تصل بعض التقديرات، وفق تعريف أوسع للمناطق العشوائية غير المخططة، إلى نحو 20 مليون نسمة.

والأكثر خطورة أن نحو 1.7 مليون مواطن كانوا يقطنون في 357 منطقة غير آمنة بدرجات خطورة مختلفة.  ولم تكن المشكلة مجرد مبانٍ غير منظمة.

بعض هذه المناطق ارتبط بمخاطر إنشائية، أو مواقع شديدة الخطورة، أو نقص حاد في الخدمات والمرافق، أو صعوبة الوصول والحركة، وهو ما جعل قضية «السكن الآمن» تتجاوز مفهوم توفير وحدة سكنية إلى حماية حياة المواطنين وتحسين جودة معيشتهم.

السكن غير الآمن.. عندما يتحول المنزل إلى خطر

في بعض المناطق، لم يكن المواطن يعاني فقط من ضيق المسكن أو انخفاض مستوى التشطيب، وإنما من ظروف تجعل المكان نفسه غير ملائم للحياة.

وقد وصفت وزارة الإسكان، في عرض رسمي عن ملف المناطق غير الآمنة، هذه المساكن بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من السلامة والمساحة المناسبة للمعيشة، فضلًا عن معاناة بعض المناطق من نقص الخدمات والمرافق الأساسية وصعوبة الحركة والارتباط بالمناطق المحيطة.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد المناطق العشوائية غير الآمنة 351 منطقة عام 2016، بمساحة إجمالية بلغت نحو 4.5 ألف فدان. وكانت مناطق الخطورة من الدرجة الثانية هي الأكثر عددًا، بإجمالي 251 منطقة. 

وهنا كانت الدولة أمام سؤال صعب: كيف يمكن نقل ملايين المواطنين من بيئات عمرانية غير آمنة دون أن يتحول الحل إلى مجرد نقل المشكلة من مكان إلى آخر؟

الفجوة بين المعروض والطلب

التحدي الآخر كان مرتبطًا بالسوق السكنية نفسها. فمع النمو السكاني وارتفاع الطلب على السكن، لم يكن توفير وحدات جديدة بالوتيرة المطلوبة كافيًا وحده، خاصة بالنسبة لمحدودي ومتوسطي الدخل.

وتشير البيانات الرسمية التي عرضتها وزارة الإسكان إلى أن الاحتياج والعجز السكني في عام 2014 بلغ نحو 2.4 مليون وحدة لكن المشكلة لم تكن في الرقم وحده.

فالوحدة السكنية التي يحتاج إليها المواطن يجب أن تكون: متاحة + مناسبة لدخله + في موقع مناسب + مرتبطة بالمرافق والخدمات + قابلة للعيش على المدى الطويل.

ومن هنا ظهر التحدي الحقيقي أمام أي سياسة إسكان: كيف توفر الدولة «سكنًا» وليس مجرد «وحدة»؟

 

المدن الجديدة.. لماذا لم تكن تكفي وحدها؟

مصر لم تبدأ فكرة المدن الجديدة في 2014؛ فقد شهدت العقود السابقة إنشاء عدد من المدن والتجمعات العمرانية الجديدة.

لكن التحدي كان في حجم الطلب وسرعة النمو السكاني ومدى قدرة المدن الجديدة على استيعاب المواطنين والأنشطة الاقتصادية.

وبحسب عرض وزارة الإسكان، خلال الفترة من 1976 إلى 2014 كانت مشروعات الإسكان الموجهة لمحدودي الدخل تتم بالكامل في المدن الجديدة، مع تركز الجزء الأكبر منها في إقليم القاهرة الكبرى، بينما تغيرت خريطة التوزيع لاحقًا لتشمل محافظات الجمهورية بصورة أوسع.

وبالتالي لم يكن المطلوب فقط بناء مدن جديدة، وإنما ربطها بالطرق والمرافق وفرص العمل والخدمات حتى تتحول إلى مجتمعات حقيقية.

 

المرافق.. أزمة لا يراها المواطن في صورة العقار

الإسكان لا يبدأ من باب الشقة وينتهي عنده. ووراء كل مدينة وشوارعها وعماراتها شبكة ضخمة من المرافقمياه شرب، صرف صحي، كهرباء، طرق، اتصالات، نقل، وخدمات عامة.

ولهذا كانت ضعف بعض خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب الاختناقات المرورية، جزءًا من تحديات العمران التي تم تسجيلها رسميًا قبل 2014. ()

وهنا تتضح طبيعة الأزمة: كل وحدة سكنية جديدة تحتاج إلى مدينة حولها.. وكل مدينة تحتاج إلى اقتصاد وخدمات وبنية أساسية.

البناء على الأراضي الزراعية.. الوجه الآخر للأزمة

في الوقت الذي كانت فيه مصر تعاني من محدودية الرقعة المأهولة، كان التوسع العمراني غير المنظم يضغط على الأراضي الزراعية.

فبدلًا من خروج العمران بصورة منظمة إلى مناطق جديدة، شهدت بعض المناطق امتدادًا عشوائيًا للكتلة السكنية على حساب الأراضي الزراعية.

ولذلك ارتبط ملف الإسكان بملفات أخرى مثل: الحفاظ على الأرض الزراعية – التخطيط العمرانيالطرقالمرافقالتنمية الاقتصادية – توزيع السكان. وأصبح علاج أزمة الإسكان مرتبطًا بالضرورة بإعادة التفكير في مكان بناء المدن نفسها.

 

المشكلة كانت أكبر من وزارة الإسكان

عند النظر إلى الصورة كاملة، يتضح أن التحديات المتراكمة لم تكن مسؤولية قطاع الإسكان وحده. فأزمة السكن كانت مرتبطة بالنمو السكاني، والعمل، والنقل، والخدمات، والصناعة، والاستثمار، والمرافق، والأراضي الزراعية.

ولهذا فإن أي تغيير حقيقي في خريطة العمران كان يحتاج إلى مشروع تنموي متكامل، وليس مجرد زيادة عدد الوحدات السكنية. وهنا تحديدًا تبدأ الحلقة التالية من الحكاية.

 

من «أزمة سكن» إلى «مشروع عمراني»

كان المشهد قبل 2014 يحمل مجموعة من الملفات المفتوحة في الوقت نفسه:

فجوة سكنية.
مناطق عشوائية وغير آمنة.
تكدس سكاني.
رقعة مأهولة محدودة.
ضغط على الأراضي الزراعية.
مرافق وخدمات تحتاج إلى توسع.
اختناقات مرورية.
ومدن جديدة تحتاج إلى ربطها بمقومات الحياة والعمل.

ولذلك فإن فهم ما حدث بعد 2014 لا يمكن أن يبدأ من أرقام المشروعات التي تم تنفيذها فقط، وإنما من فهم حجم وتعقيد المشكلة التي كان مطلوبًا التعامل معها.

 

وفي الحلقة المقبلة، ننتقل إلى أول الملفات التي كانت تحتاج إلى تدخل عاجل:

«العشوائيات الخطرة».. كيف بدأت مصر رحلة القضاء على المناطق غير الآمنة؟

ومن 357 منطقة غير آمنة وملايين المواطنين في مناطق غير مخططة، إلى مشروعات مثل الأسمرات وبشاير الخير وروضة السيدة ومعًا.. كيف تغيرت فلسفة التعامل مع هذا الملف من التطوير الجزئي إلى بناء مجتمعات سكنية متكاملة؟