24 ربيع الأول 1448 الموافق الأحد 06 سبتمبر 2026

“الإسكان في عهد السيسي”| الحلقة الأولى.. من 7% إلى 14%.. كيف تغيرت خريطة العمران في مصر خلال عقد؟

الحلقة الاولي الإسكان
الحلقة الاولي الإسكان في عهد الرئيس السيسي

لعقود طويلة، ظلت مصر تعاني من مشكلة عمرانية مزمنة؛ ملايين المواطنين يتركزون في نطاق جغرافي محدود حول وادي النيل والدلتا، بينما ظلت مساحات شاسعة من أراضي الدولة خارج نطاق التنمية العمرانية.

ومع بداية عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بدأ التعامل مع هذه المشكلة باعتبارها قضية دولة تتجاوز بناء الوحدات السكنية إلى إعادة رسم الخريطة العمرانية لمصر بالكامل.

لم تعد المعادلة تقتصر على توفير «شقة» للمواطن، وإنما أصبحت تقوم على إنشاء مدن جديدة، وتوفير شبكات طرق ومرافق، ونقل الأنشطة الاقتصادية، وخلق مراكز عمرانية جديدة تستوعب الزيادة السكانية وتفتح المجال أمام التوسع والاستثمار.

7%.. الرقم الذي اختصر أزمة العمران

على مدار عقود، تركزت الكتلة السكانية المصرية في نسبة محدودة للغاية من مساحة البلاد، وهو ما أدى إلى ضغوط متزايدة على المدن القائمة.

زيادة سكانية مستمرة، ارتفاع أسعار الأراضي، تكدس عمراني، ضغط على المرافق والخدمات، وامتداد عشوائي للبناء على الأراضي الزراعية.

وفي المقابل، كانت الصحراء تمثل المساحة الأكبر من مصر، لكنها لم تكن مستغلة بالشكل الذي يسمح بخلق مراكز عمرانية واقتصادية قادرة على استيعاب جزء كبير من النمو السكاني.

ومن هنا جاءت فكرة التوسع خارج الوادي والدلتا باعتبارها أحد المحاور الرئيسية للسياسة العمرانية خلال السنوات الأخيرة.

من بناء الوحدات إلى بناء المدن

التحول الأهم لم يكن في عدد الوحدات التي تم تنفيذها فقط، وإنما في طبيعة المشروعات نفسها.

فبدلًا من إنشاء تجمعات سكنية منفصلة، اتجهت الدولة إلى إنشاء مدن متكاملة تضم الإسكان والخدمات والطرق والمرافق والمناطق التجارية والإدارية والصناعية والترفيهية.

ومن أبرز النماذج العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة، وشرق بورسعيد، ومدينة ناصر بغرب أسيوط، ومدينة غرب قنا، وحدائق العاصمة، وغيرها من المدن التي دخلت ضمن منظومة التوسع العمراني الجديدة.

هذه المدن لم تكن مجرد امتداد عمراني، وإنما استهدفت خلق مراكز جديدة للحياة والعمل والاستثمار.

مدن الجيل الرابع.. تغيير فلسفة العمران

مع ظهور مفهوم «مدن الجيل الرابع»، بدأت فلسفة بناء المدن الجديدة تأخذ شكلًا مختلفًا.

فالمدينة الجديدة لم تعد مجرد عمارات ووحدات سكنية، وإنما أصبحت تعتمد على منظومة أوسع تشمل:

  • بنية تحتية وشبكات مرافق حديثة.
  • طرق ومحاور تربطها بالمدن القائمة.
  • مناطق خدمية وتجارية.
  • جامعات ومراكز تعليمية.
  • مناطق صناعية واستثمارية.
  • مساحات خضراء ومناطق ترفيهية.
  • حلول رقمية وذكية لإدارة الخدمات.

والهدف النهائي هو أن تصبح المدينة مكانًا للسكن والعمل والاستثمار والحياة، وليس مجرد منطقة لإقامة السكان.

العاصمة الإدارية.. نموذج للتحول

ولعل العاصمة الإدارية الجديدة كانت النموذج الأكثر وضوحًا لفكرة إعادة توزيع مراكز التنمية.

فالمشروع لم يستهدف فقط إنشاء تجمع سكني جديد، وإنما إقامة مركز إداري واقتصادي جديد يضم مؤسسات الدولة ومناطق أعمال وسكنًا وخدمات، مع شبكة طرق ومرافق وبنية تحتية حديثة.

وبذلك أصبحت العاصمة الإدارية واحدة من أبرز العلامات التي يمكن من خلالها قراءة التحول في الفكر العمراني المصري خلال العقد الأخير.

العلمين.. الساحل يتحول إلى مدينة

الأمر نفسه ظهر في العلمين الجديدة. فالساحل الشمالي الذي ارتبط لعقود بفكرة المصايف والموسم الصيفي، بدأ يتحول تدريجيًا إلى منطقة تضم مدينة متكاملة ومشروعات سكنية وسياحية وتجارية وخدمية، بما يعزز فكرة العمران طوال العام بدلًا من الاقتصار على الاستخدام الموسمي.

وأصبحت الأبراج والمناطق الترفيهية والخدمية والجامعات والمشروعات الاستثمارية جزءًا من مشهد عمراني جديد على الساحل.

 

 المدن الجديدة ليست القصة كلها

ورغم أهمية المدن الجديدة، فإن التحول العمراني لم يقتصر على البناء في الصحراء.

في المدن القائمة نفسها، بدأت الدولة تنفيذ مشروعات لتطوير المناطق غير الآمنة، وإعادة تنظيم مناطق عمرانية، وإنشاء وحدات سكنية بديلة، وتطوير مناطق تاريخية، ورفع كفاءة البنية الأساسية.

ومن الأسمرات إلى بشاير الخير، ومن روضة السيدة إلى مشروعات تطوير القاهرة التاريخية، أصبحت هناك محاولة للتعامل مع المشكلة داخل المدن القائمة بالتوازي مع بناء مدن جديدة خارجها.

وهنا تظهر واحدة من أهم سمات التجربة العمرانية خلال السنوات الماضية:

مصر كانت تبني خارج الوادي.. وفي الوقت نفسه تعيد ترتيب ما هو قائم داخله.

الرقم لا يعني مجرد مساحة جديدة

زيادة الرقعة المأهولة ليست مجرد إضافة أرقام إلى خريطة مصر.

فكل مساحة عمرانية جديدة تحتاج إلى طرق ومياه وصرف صحي وكهرباء واتصالات ومدارس ومستشفيات وخدمات وفرص عمل.

وهذا يعني أن التوسع العمراني أصبح مرتبطًا بمجموعة ضخمة من القطاعات الاقتصادية الأخرى.

قطاع المقاولات والتشييد، صناعة مواد البناء، الحديد والأسمنت، الصناعات الهندسية، النقل والخدمات اللوجستية، والقطاع العقاري والاستثماري، كلها استفادت بصورة مباشرة أو غير مباشرة من حجم النشاط العمراني.

وبالتالي أصبح العمران أحد محركات النشاط الاقتصادي والتشغيل، وليس مجرد ملف خدمي.

 

هل نجحت مصر في حل المشكلة؟

هنا يجب أن نتوقف. فزيادة الرقعة المعمورة وإنشاء عشرات المدن والمشروعات لا تعني أن الملف العمراني أصبح بلا تحديات.

لا تزال هناك تحديات مرتبطة بزيادة السكان، ومعدلات الإشغال في المدن الجديدة، وتوفير فرص العمل بالقرب من مناطق السكن، ورفع كفاءة المدن القائمة، وضمان الاستخدام الأمثل للأراضي، وتحقيق التوازن بين المعروض العقاري والطلب الحقيقي.

كما أن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: كم مدينة جديدة تم بناؤها؟ بل: كم مدينة أصبحت بالفعل مجتمعًا عمرانيًا واقتصاديًا مكتملًا؟

من هنا تبدأ الحكاية

خلال أكثر من عقد، انتقلت مصر من التعامل مع أزمة الإسكان والعمران باعتبارها مشكلة وحدات سكنية إلى محاولة أوسع لإعادة تشكيل الخريطة العمرانية للدولة. مدن جديدة. إسكان لمحدودي ومتوسطي الدخل. تطوير للمناطق غير الآمنة. شبكات طرق ومرافق. توسعات عمرانية خارج الوادي والدلتا. ومشروعات ضخمة أعادت تعريف شكل عدد من المدن المصرية. لكن خلف كل هذه المشروعات قصة أخرى..

كيف استطاعت الدولة التعامل مع واحدة من أصعب أزمات العمران في مصر: المناطق غير الآمنة والعشوائيات الخطرة؟

الحلقة الثانية

في الحلقة الثانية من «الإسكان في عهد السيسي» نفتح ملفًا ظل لعقود أحد أكثر الملفات تعقيدًا:

«العشوائيات الخطرة.. كيف تغيرت حياة سكان المناطق غير الآمنة؟»