24 ربيع الأول 1448 الموافق الأحد 06 سبتمبر 2026

أراضي المدن الجديدة تدخل عصر «المستثمر القادر على التنفيذ».. الإسكان تعيد رسم قواعد التخصيص وتغلق الباب أمام تسقيع الأراضي

م. راندة المنشاوي
م. راندة المنشاوي وزيرة الإسكان

في خطوة تستهدف إعادة ضبط سوق الأراضي الاستثمارية بالمدن الجديدة، اعتمدت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية منظومة جديدة لآليات تخصيص الفرص الاستثمارية، تضع القدرة الفعلية على التنفيذ والملاءة المالية في مقدمة معايير اختيار المستثمرين، وتمنح في الوقت نفسه الشركات المصرية والأجنبية مرونة أكبر في التقدم والسداد.

الرسالة الأبرز في المنظومة الجديدة تبدو واضحة: الحصول على الأرض لم يعد هدفًا في حد ذاته، وإنما البداية الفعلية لمشروع يجب أن يرى النور وفق برنامج زمني محدد.

المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية

وأعلنت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، أن المنظومة تستهدف توجيه أراضي المدن الجديدة إلى الشركات الأكثر قدرة على تنفيذ المشروعات وفق البرامج الزمنية والاشتراطات المحددة، مع رفع كفاءة استغلال الأراضي وتحويل الفرص الاستثمارية المطروحة إلى مشروعات حقيقية تضيف للاقتصاد وتدعم التنمية العمرانية.

من «جدية الحجز» إلى اختبار الملاءة المالية

أحد أبرز التغييرات التي تحملها المنظومة الجديدة يتعلق بطريقة التقدم على الفرص الاستثمارية.

فبحسب الدكتور وليد عباس، نائب وزير الإسكان للمجتمعات العمرانية، أصبح المستثمر الراغب في التقدم مطالبًا بسداد قيمة مقدم الثمن بالكامل عند التقدم، إلى جانب المصروفات الإدارية ومجلس الأمناء وفقًا للقواعد المقررة.. وهنا تتغير فلسفة التخصيص بصورة واضحة.

الدكتور وليد عباس، نائب وزير الإسكان للمجتمعات العمرانية

فبدلًا من الاكتفاء بمبلغ جدية حجز ثم انتظار قرار التخصيص لاستكمال قيمة المقدم، أصبح توافر مقدم الثمن المطلوب أحد المؤشرات الرئيسية على جدية الشركة وقدرتها المالية على الدخول في المشروع.

وتستهدف هذه الخطوة تقليص أعداد المتقدمين غير القادرين على استكمال إجراءات التخصيص أو تنفيذ المشروع، إلى جانب تضييق المساحة أمام الممارسات التي تستهدف الحصول على الأرض ثم إعادة بيعها أو المتاجرة بها بدلًا من تطويرها.

بمعنى آخر، تسعى الوزارة إلى الانتقال من مفهوم «المستثمر القادر على شراء الأرض» إلى مفهوم أكثر تشددًا وهو «المستثمر القادر على تنمية الأرض».

هل تنتهي ظاهرة إعادة بيع الأراضي؟

هذا السؤال يمثل أحد أهم الملفات التي تحاول المنظومة الجديدة التعامل معها، فالوزارة لا تنظر إلى سداد مقدم الثمن بالكامل باعتباره إجراءً ماليًا فقط، وإنما تربطه برفع مستوى الجدية وتقليل فرص دخول مستثمرين لا يمتلكون القدرة الحقيقية على تنفيذ المشروعات.

ومن خلال ربط التقدم بالسداد الفعلي للمقدم، يصبح دخول المستثمر إلى المنافسة مرتبطًا بامتلاكه قدرة مالية تتناسب مع حجم الفرصة الاستثمارية وطبيعة النشاط المستهدف.

وتؤكد الوزارة في الوقت نفسه أنها ستتابع موقف تنفيذ المشروعات بعد التخصيص، مع تطبيق الضوابط على جميع الشركات دون استثناء، بما يعني أن الحصول على الأرض لن يكون نهاية الإجراءات، وإنما بداية لمرحلة أخرى من الرقابة على التنفيذ.

 

المستثمر الأجنبي يحصل على «محفظة سويفتات»

ولم تتوقف إعادة هيكلة المنظومة عند المستثمر المحلي، إذ حملت التعديلات آلية جديدة للتعامل مع تحويلات المستثمرين الأجانب.

وكشف الدكتور أحمد عمارة، المشرف على قطاع الشئون العقارية والتجارية، عن إنشاء «محفظة إلكترونية للسويفتات» يتم من خلالها تسجيل التحويلات التي يجريها المستثمر الأجنبي لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وربطها بحسابه الإلكتروني.

الدكتور أحمد عمارة، المشرف على قطاع الشئون العقارية والتجارية

وتمنح الآلية الجديدة المستثمر مرونة لم تكن متاحة بالصيغة التقليدية، إذ يمكنه استخدام السويفتات المسجلة في محفظته للتقدم على فرص استثمارية مختلفة وفق القواعد والنسب المحددة لكل فرصة.

والأهم أنه في حال عدم فوزه بالفرصة التي تقدم عليها، تعود قيمة السويفت المستخدم إلى محفظته مرة أخرى، ليتمكن من إعادة استخدامه في فرصة استثمارية أخرى.

وهكذا تتحول التحويلات المالية من مبالغ مرتبطة بفرصة واحدة إلى رصيد استثماري إلكتروني أكثر مرونة، مع وجود سجل واضح لتحويلات المستثمر وإمكانية متابعتها إلكترونيًا.

 

لا آلية واحدة للتخصيص.. الإسكان تفتح أكثر من باب

المنظومة الجديدة لا تعتمد على أسلوب موحد للتخصيص، وإنما تقدم مجموعة من الآليات التي تتناسب مع طبيعة الفرص وإمكانات الشركات.. وتشمل هذه الآليات التخصيص بنظام البيع بالجنيه المصري، والتخصيص بالعملة الأجنبية للمستثمرين والشركات الأجنبية، والترخيص بالانتفاع، والتخصيص بنظام خصم المستحقات المالية، بالإضافة إلى آلية كبار المطورين والمستثمرين «VIP».

ويعكس هذا التنوع محاولة لتحقيق معادلة صعبة: تسهيل دخول الاستثمارات دون التنازل عن معايير الجدية والقدرة المالية والفنية.

أما آلية كبار المطورين والمستثمرين، فتستهدف الشركات صاحبة الخبرات والإمكانات الكبيرة وسجل الأعمال الذي يتناسب مع حجم وطبيعة الفرص المطروحة، مع إتاحة التفاوض بشأن السعر وأسلوب السداد بما يحقق مصلحة الهيئة.

 

التخصيص ينتقل بالكامل إلى المسار الإلكتروني

التحول الرقمي يمثل عنصرًا أساسيًا في المنظومة الجديدة، فبدءًا من عرض الفرص الاستثمارية واستقبال طلبات الشركات ورفع المستندات، وصولًا إلى دراسة الطلبات وإجراء المفاضلة وإعلان النتائج، تعتمد الإجراءات بصورة كبيرة على النظام الإلكتروني من خلال بوابة خدمات المستثمرين.

كما تتضمن المنظومة آلية للتعامل مع حالات تساوي العروض المالية، بما يسمح باستقبال عروض مالية أعلى وفقًا للضوابط، بما يحقق أفضل عائد للهيئة ويحافظ في الوقت نفسه على تكافؤ الفرص بين المتنافسين.. وهذا التحول لا يستهدف فقط تسريع الإجراءات، وإنما يضع عملية التخصيص أمام قواعد أكثر وضوحًا وقابلية للمتابعة والمراجعة.

 

مساحة الأرض تحدد «ساعة التنفيذ»

التغيير لا يتعلق فقط بكيفية الحصول على الأرض، وإنما يمتد إلى ما يحدث بعدها.. وأوضح المهندس أحمد إبراهيم، نائب رئيس الهيئة لقطاع التخطيط والمشروعات، أن مدد تنفيذ المشروعات أصبحت مرتبطة بمساحة الأرض وطبيعة النشاط، فالمشروعات الكبيرة أو الأنشطة التي تحتاج إلى مراحل تنفيذ متعددة يمكن أن تحصل على مدد أطول، بينما تظل الشركة ملتزمة بالبرنامج الزمني المحدد لها، مع تطبيق الإجراءات المقررة في حالة عدم الالتزام.

كما تخضع المشروعات التي تحتاج إلى قرارات وزارية أو موافقات خاصة لضوابط ومدد تتناسب مع طبيعتها.. وهنا تظهر فلسفة جديدة في إدارة الأراضي: لا تخصيص بلا تنفيذ، ولا استمرار في الاحتفاظ بالأرض دون استغلال فعلي.

 

مرونة في السداد.. لكن بضوابط

وفي مقابل تشديد معايير الجدية، تتيح المنظومة للمستثمرين أكثر من وسيلة للسداد، سواء نقديًا أو بالعملة الأجنبية وفق الآلية المحددة، أو من خلال خصم المستحقات المالية المستحقة للشركات لدى الهيئة، فضلًا عن نظام الترخيص بالانتفاع.. وتختلف الضوابط بحسب قيمة الأرض ونسبة المقدم ومدد السداد ومواعيد الأقساط وطبيعة النشاط، بما يسمح بتوفير مرونة مالية للمستثمر، مع الحفاظ على حقوق هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

 

الرسالة الجديدة من «الإسكان»

تكشف المنظومة الجديدة عن توجه أكثر حسمًا في إدارة الأراضي الاستثمارية بالمدن الجديدة، فالوزارة تحاول الجمع بين 3 أهداف متوازية: جذب المزيد من الاستثمارات، وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، وفي الوقت نفسه منع تحول الأراضي إلى أصول للمضاربة وإعادة البيع بعيدًا عن التنمية المستهدفة.

وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي للمنظومة لن يكون في عدد الأراضي التي يتم تخصيصها، وإنما في عدد المشروعات التي ستتحول من أوراق وقرارات تخصيص إلى مشروعات قائمة تعمل على الأرض، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة بمثابة اختبار عملي لفلسفة جديدة في سوق الأراضي: الأولوية ليست لمن يستطيع التقدم على الأرض، وإنما لمن يستطيع تنفيذ المشروع.