الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

تكليف مصطفى الشيمي بقيادة الشركة يفتح صفحة مختلفة في إدارة منظومة تضم 25 شركة تابعة.. والرهان على إنهاء الإدارة التقليدية ورفع كفاءة التشغيل والخدمة

محمد كمال الهواري يكتب: «القابضة للمياه» أمام اختبار جديد.. راندة المنشاوي تعيد ترتيب أخطر ملفات المرافق

محمد كمال الهواري
محمد كمال الهواري

منذ توليها حقيبة وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، بدأت المهندسة راندة المنشاوي التعامل مع الملفات الكبرى باعتبارها منظومات تحتاج إلى مراجعة شاملة، وليس مجرد أوضاع إدارية يجري التعامل معها بالآليات المعتادة.

وتقوم فلسفة الوزيرة، وفقًا لما تعكسه تحركاتها الأخيرة، على إعادة تقييم الأداء، وفحص مواطن القوة والضعف، ومراجعة آليات اتخاذ القرار، والتدخل في الملفات الحساسة قبل أن تتحول التحديات المتراكمة إلى أزمات يصعب احتواؤها.

ومن بين هذه الملفات، تأتي الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، التي تمثل واحدة من أهم مؤسسات المرافق في مصر، وتضم تحت مظلتها 25 شركة تابعة، تتولى تشغيل وإدارة منظومة واسعة من محطات مياه الشرب والصرف الصحي، وشبكات النقل والتوزيع، والروافع، ومحطات المعالجة، وخدمات ترتبط بصورة مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين.

وفي هذا الإطار، جاء تكليف المهندس مصطفى الشيمي بالقيام بمهام رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب التنفيذي للشركة القابضة، في خطوة تعكس اتجاهًا لإعادة ضبط منظومة العمل، وتجديد أدوات الإدارة، واختيار قيادة تمتلك خبرة فنية وتنفيذية من داخل قطاع مياه الشرب والصرف الصحي.

تغيير القيادة.. بداية لإعادة بناء المنظومة

لم يكن تغيير القيادة في الشركة القابضة مجرد تبديل إداري، فطبيعة المسؤوليات التي تتحملها الشركة تفرض مراجعة مستمرة لأساليب الإدارة، خاصة في ظل اتساع نطاق المشروعات، وزيادة أعداد المشتركين، وتنوع احتياجات المدن والقرى، وارتفاع تكلفة التشغيل والصيانة والطاقة.

وعلى مدار سنوات، ارتبط اسم المهندس ممدوح رسلان بقيادة الشركة القابضة، وشهدت فترة توليه المسؤولية التعامل مع عدد من الملفات والمشروعات الكبرى في قطاع المياه والصرف الصحي.

إلا أن طول مدة البقاء في موقع قيادي لا يعني بالضرورة أن الأدوات الإدارية نفسها تظل مناسبة لكل مرحلة، خصوصًا أن قطاع المرافق شهد تغيرات متسارعة، وأصبح مطالبًا بالتعامل مع تحديات جديدة تتعلق بالتحول الرقمي، وتقليل الفاقد، وتحسين التحصيل، ورفع كفاءة المحطات والشبكات، والتوسع في التحلية وإعادة استخدام المياه.

ومن هنا، يمكن فهم قرار المهندسة راندة المنشاوي باعتباره محاولة لإعادة تقييم طريقة إدارة الشركة القابضة، والانتقال بها إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على الكفاءة والبيانات والمتابعة والقدرة على الاستجابة السريعة.

 بين إنجازات الماضي وضغوط المرحلة الجديدة

شهدت السنوات الماضية تنفيذ ومتابعة مشروعات مهمة في مجال مياه الشرب والصرف الصحي، والتعامل مع احتياجات متزايدة في مختلف المحافظات، إلا أن حجم القطاع واتساع نطاقه جعلا بعض التحديات أكثر وضوحًا، خاصة فيما يتعلق بمستوى التشغيل والصيانة وسرعة التعامل مع الأعطال وكفاءة المتابعة داخل الشركات التابعة.

كما ظهرت ملاحظات وانتقادات بشأن الحاجة إلى تطوير آليات التواصل مع المواطنين، وتحسين سرعة الاستجابة للشكاوى، وزيادة الحضور الميداني في المحطات والشبكات، والتعامل بصورة أكثر فاعلية مع بعض مظاهر التهالك أو القصور في عدد من المواقع.

وهنا يجب التمييز بين تقييم الأداء العام لمنظومة إدارية ضخمة، وبين توجيه اتهامات شخصية إلى أي مسؤول سابق؛ فوجود ملاحظات على الأداء لا يعني تلقائيًا ثبوت مخالفات أو فساد، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن ضرورة تطوير الأدوات التي تدار بها هذه المنظومة.

فالمرحلة الجديدة لا تسمح بالاكتفاء بتسيير الأعمال، وإنما تتطلب إدارة قادرة على استباق المشكلات، ووضع خطط للصيانة والإحلال والتجديد، ومتابعة التنفيذ، وربط المسؤولية بالنتائج.

«القابضة للمياه».. كيان خدمي واقتصادي في الوقت نفسه

أصبحت الشركة القابضة مطالبة بإدارة قطاع المياه والصرف الصحي باعتباره كيانًا خدميًا واقتصاديًا في آن واحد؛ فالأمر لا يتعلق فقط بضمان تشغيل المحطات، وإنما أيضًا بإدارة الموارد بكفاءة، وترشيد الإنفاق، وتحسين التحصيل، وخفض نسب الفاقد، وتعظيم الاستفادة من الأصول والاستثمارات.

وتتطلب هذه المهمة مراجعة دقيقة لتكاليف التشغيل، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتطوير نظم المعلومات، واستخدام البيانات في تحديد الأولويات، وربط الأداء المالي بمستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.

كما أن التوسع في مشروعات التحلية، وإعادة استخدام المياه، وتطوير محطات المعالجة، ورفع كفاءة شبكات مياه الشرب والصرف الصحي، يفرض أسلوبًا إداريًا أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة والاستثمارات الضخمة.

وبالتالي، فإن نجاح الشركة القابضة لم يعد يقاس فقط بعدد المحطات التي تعمل أو المشروعات التي تم تنفيذها، وإنما بقدرتها على تقديم خدمة مستقرة، وإدارة أصولها بكفاءة، وتقليل الهدر، وتحقيق أفضل استخدام ممكن للموارد المتاحة.

 

 مصطفى الشيمي.. خبرة فنية من قلب القطاع

اختيار المهندس مصطفى الشيمي لقيادة الشركة القابضة يحمل دلالة مهمة، فهو ليس بعيدًا عن طبيعة القطاع، بل يمتلك خبرة سابقة في مواقع فنية وتنفيذية داخل منظومة مياه الشرب، كما سبق له رئاسة شركة مياه الشرب بالقاهرة.

وتمنحه هذه الخبرة معرفة مباشرة بتفاصيل التشغيل والصيانة، وطبيعة العمل داخل المحطات والروافع، ومشكلات الشبكات، وخطط الإحلال والتجديد، وآليات التعامل مع الطوارئ والأعطال.

وتحتاج الشركة القابضة في هذه المرحلة إلى قيادة تدرك الفارق بين التقارير المكتبية والواقع الميداني، وتستطيع قراءة الأرقام وربطها بما يحدث على الأرض، سواء داخل محطات الإنتاج أو شبكات التوزيع أو مواقع الصرف الصحي.

كما أن وجود قيادة من داخل القطاع قد يساعد على تسريع فهم الملفات، وتحديد الأولويات، وتحسين التنسيق بين الشركة القابضة والشركات التابعة، بدلًا من إهدار وقت طويل في التعرف على طبيعة العمل وتفاصيله.

التكنولوجيا والتحول الرقمي في قلب المرحلة الجديدة

تتجه منظومة مياه الشرب والصرف الصحي إلى الاعتماد بصورة أكبر على التكنولوجيا الحديثة، وبرامج التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ونظم المتابعة والتحليل، وهو ما يفرض تغييرًا في طريقة إدارة الشركات التابعة.

وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أهمية استخدام التكنولوجيا الحديثة، ورفع كفاءة العنصر البشري، وتطبيق معايير السلامة والصحة المهنية، بما يضمن تطوير الأداء وتحسين بيئة العمل داخل المحطات والمواقع التابعة للشركة.

وتبرز أهمية هذه الملفات في قدرتها على تحسين اكتشاف الأعطال، ومتابعة معدلات الاستهلاك، وتحليل بيانات التشغيل، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة الصيانة، وتحسين التعامل مع الأزمات قبل تفاقمها.

كما أن التحول الرقمي يمكن أن يساهم في تطوير العلاقة مع المواطنين، من خلال تحسين استقبال الشكاوى، وسرعة تسجيلها، ومتابعة التعامل معها، وقياس مدى الاستجابة لها بصورة أكثر دقة وشفافية.

 

الجمعيات العامة.. رقابة أكثر انتظامًا على الشركات التابعة

يمثل عقد اجتماعات الجمعيات العامة لعدد من الشركات التابعة، بحضور ممثلي الجهاز المركزي للمحاسبات، خطوة مهمة على طريق تعزيز المتابعة المالية والإدارية.

فالشركة القابضة لا تدير شركة واحدة، وإنما تشرف على منظومة واسعة من الشركات، لكل منها طبيعة تشغيلية وجغرافية ومالية مختلفة، وهو ما يجعل المتابعة الدورية ضرورة لضمان توحيد المعايير، ومراجعة النتائج، والوقوف على أوجه القصور، وتحديد الشركات التي تحتاج إلى تدخل أو دعم إضافي.

وتساعد هذه الاجتماعات على مراجعة الأداء المالي، ومناقشة نتائج الأعمال، وتقييم كفاءة التشغيل، ومتابعة الالتزامات، وربط الخطط الموضوعة بمعدلات التنفيذ الفعلية.

كما تمنح الإدارة العليا فرصة أكبر لفهم الفروق بين الشركات التابعة، وعدم التعامل معها باعتبارها كيانات متشابهة، إذ تختلف احتياجات شركة تعمل في القاهرة عن أخرى في الصعيد أو الدلتا أو المناطق الحدودية.

 رسالة الوزيرة.. لا مجال لإدارة الملفات الحساسة بالأسلوب القديم

يمكن قراءة قرار راندة المنشاوي في ضوء رغبتها في إعادة ضبط إيقاع قطاع شديد الحساسية، خاصة أن أي خلل في منظومة مياه الشرب والصرف الصحي ينعكس سريعًا على المواطنين، ويضع الدولة أمام ضغوط خدمية وإدارية كبيرة.

فالقطاع لم يعد يحتمل الاعتماد على ردود الأفعال أو انتظار تفاقم الأعطال، كما أن ضخامة الاستثمارات المطلوبة، واتساع الشبكات، وتزايد تكلفة الطاقة والصيانة، تتطلب إدارة أكثر دقة وانضباطًا.

ومن هنا، فإن تكليف مصطفى الشيمي لا يرتبط فقط بتغيير اسم رئيس الشركة، وإنما يحمل توجهًا نحو إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز المتابعة الميدانية، وتحسين التنسيق مع الشركات التابعة، ورفع كفاءة التشغيل، وتطوير آليات التعامل مع الأزمات.

 

الاختبار الحقيقي.. تحويل التغيير إلى نتائج

يبقى التحدي الأساسي أمام القيادة الجديدة في تحويل قرار التكليف إلى برنامج إصلاح واضح، يبدأ بتقييم شامل لأوضاع الشركات التابعة، ورصد المشكلات المتراكمة، وتحديد الاحتياجات العاجلة، ووضع جداول زمنية للتطوير والإحلال والصيانة.

كما يتطلب النجاح رفع كفاءة الشركات الـ25 التابعة، وتحسين الأداء المالي، وتقليل الفاقد، وزيادة معدلات التحصيل، وتسريع التعامل مع الأعطال، وتحسين مستوى الخدمة، وتطوير قدرات العاملين.

ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة بناء منظومة المتابعة، بحيث لا تظل المعلومات حبيسة التقارير، وإنما تتحول إلى قرارات تنفيذية قابلة للقياس، مع وجود مؤشرات واضحة لتقييم أداء كل شركة ومحطة وشبكة.

 

 صفحة جديدة في إدارة قطاع المياه

في النهاية، فإن قرار المهندسة راندة المنشاوي بإعادة ترتيب قيادة الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي يمثل بداية لمرحلة جديدة في إدارة أحد أهم قطاعات المرافق بالدولة.

فالرهان لم يعد على تغيير رئيس مجلس الإدارة فقط، وإنما على تغيير فلسفة العمل داخل المؤسسة، والانتقال من الإدارة التقليدية إلى نموذج يعتمد على التكنولوجيا والبيانات، والمتابعة الميدانية، والانضباط المالي، وسرعة الاستجابة، وربط الأداء بمستوى الخدمة.

وإذا نجحت القيادة الجديدة في تحويل هذه الرؤية إلى خطوات عملية، فإن الشركة القابضة ستكون أمام فرصة حقيقية لاستعادة كفاءتها، وتطوير شركاتها التابعة، وتحسين خدماتها، والتعامل مع تحديات المرحلة المقبلة بعقلية أكثر مرونة وقدرة على الإنجاز.