أطاحت بـ “رسلان” في الوقت المناسب:
كيف أنقذت المنشاوي أهم قطاع خدمي في مصر من الانهيار؟
منذ وصولها إلى كرسي الوزارة اختارت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، التعامل مع الملفات الثقيلة بمنطق مختلف، يقوم على إعادة فحص منظومة العمل، ومراجعة مراكز القوة والضعف، وعدم ترك الملفات الحساسة تتحرك بالوتيرة التقليدية نفسها.
ويبدو أن الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي كانت واحدة من أبرز الملفات التي استدعت تدخلاً سريعًا، ليس فقط بسبب حجم الشركة وأهمية نشاطها، وإنما لأنها تمثل مظلة لـ25 شركة تابعة تعمل في واحدة من أكثر الخدمات ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين.
وفي هذا السياق جاء قرار تكليف المهندس مصطفى الشيمي بالقيام بمهام رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب التنفيذي للشركة القابضة، بعد فترة قصيرة شهدت تغييرات متلاحقة في قيادة الشركة، وهو ما يعكس رغبة واضحة في إعادة ترتيب البيت الداخلي واختيار قيادة جديدة للمرحلة المقبلة.
لكن لماذا كان التغيير مهما؟
على مدار سنوات طويلة ارتبط اسم المهندس ممدوح رسلان بقيادة الشركة القابضة، وشهدت فترته إدارة ملفات ضخمة تتعلق بمياه الشرب والصرف الصحي، وتنفيذ مشروعات قومية، ومتابعة الشركات التابعة، لكن طول فترة البقاء في موقع قيادي بهذا الحجم لا يعني بالضرورة أن أسلوب الإدارة يظل مناسبًا لكل مرحلة.
وهنا تظهر أهمية قرار المنشاوي، فالشركة القابضة ليست مجرد شركة خدمات تقليدية، وإنما كيان يدير محفظة ضخمة من الأصول والاستثمارات والمشروعات والعاملين، ويتعامل مع عشرات الشركات التابعة ومئات المحطات وشبكات المياه والصرف الصحي على مستوى الجمهورية.
وبالتالي فإن إدارة هذه المنظومة بعقلية إدارية تقليدية لم تعد كافية أمام متغيرات القطاع، خصوصًا مع اتجاه الدولة إلى التحول الرقمي، ورفع كفاءة التشغيل، وتقليل الفاقد، وتحسين الإدارة المالية، والتوسع في التكنولوجيا الحديثة وتحلية المياه وإعادة استخدام المياه.
رسلان.. مرحلة طويلة وأسئلة كثيرة
لا يمكن إنكار أن فترة ممدوح رسلان شهدت تنفيذ ومتابعة بعض المشروعات ، لكن في المقابل، كانت هناك انتقادات متكررة تتعلق بالحاجة إلى تطوير أساليب الإدارة، وزيادة سرعة الاستجابة للمشكلات، وتحسين التواصل مع المواطنين، ورفع كفاءة المتابعة الميدانية للشركات التابعة,
الواقع يقول إن فترة رسلان كانت مليئة بالمشاهد التي لا تليق بشركة كبيرة وقطاه مهم مثل قطاع المياه في مصر، فالمحطات والروافع كانت متهالكة، ومعظم المشروعات في حالة يرثى لها، ومن هنا كان تدخل الوزيرة تدخل طبيب بمشرط جراح لاصلاح الخلل، والعمل على تطوير وتحديث شبكة المياه والشرب والصرف الصحي.
الانتقادات بالتأكيد لا تعني بالضرورة وجود مخالفات شخصية أو فساد من جانب رئيس الشركة السابق، وهي نقطة يجب الفصل فيها بوضوح، وإنما تعكس الجدل الذي صاحب إدارة قطاع بهذا الحجم خلال السنوات الماضية، والأهم أن المرحلة الجديدة تحتاج إلى أدوات مختلفة.
شركة ضخمة تحتاج عقلية مختلفة
أحد أهم التحديات أمام القيادة الجديدة أن الشركة القابضة تدير منظومة مالية وتشغيلية ضخمة، وبالتالي فإن المطلوب لم يعد مجرد إدارة المحطات والشبكات، وإنما إدارة المؤسسة باعتبارها كيانًا اقتصاديًا وخدميًا في الوقت نفسه.
وهذا يعني مراقبة التكلفة، ورفع كفاءة التحصيل، وخفض الفاقد، وتحسين استغلال الأصول، وتطوير الموارد البشرية، والاستفادة من البيانات، وربط الأداء المالي بمستوى الخدمة.
ومن هنا تأتي أهمية اختيار مصطفى الشيمي، فالرجل جاء من داخل القطاع نفسه، وسبق له رئاسة شركة مياه الشرب بالقاهرة، كما شغل مواقع فنية وتنفيذية داخل الشركة، وظهر خلال عمله السابق في متابعات ميدانية لمحطات الإنتاج والشبكات وأعمال الإحلال والتجديد وخطط الطوارئ.
بمعنى آخر، لم تأتِ القيادة الجديدة من خارج المنظومة، وإنما من شخص يعرف تفاصيلها الفنية والتشغيلية.
الشيمي.. أول ملامح مختلفة
منذ توليه المسؤولية، ظهرت توجهات مرتبطة بزيادة المتابعة الميدانية، والتنسيق بين الشركة القابضة والشركات التابعة، ورفع كفاءة التشغيل، إلى جانب الاهتمام بالتحول الرقمي والتكنولوجيا الحديثة.
وفي مايو 2026، تحدث الشيمي عن أهمية استخدام التكنولوجيا الحديثة وبرامج التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب رفع كفاءة العنصر البشري وتطبيق معايير السلامة والصحة المهنية.
كما بدأت الشركة القابضة في عقد اجتماعات الجمعيات العامة لعدد من الشركات التابعة، بحضور ممثلي الجهاز المركزي للمحاسبات، بما يعكس اتجاهًا نحو متابعة أكثر انتظامًا لأداء الشركات التابعة وملفاتها المالية، وهنا تحديدًا يمكن فهم قرار المنشاوي بصورة أوسع.
المنشاوي تدخلت قبل أن يتحول الملف إلى أزمة أكبر
القرار لم يكن مجرد تغيير اسم رئيس الشركة، المغزى الأهم هو أن وزيرة الإسكان تبدو وكأنها أرادت أن تقول إن مرحلة الإدارة التقليدية انتهت، وإن الشركة القابضة تحتاج إلى قيادة تستطيع التعامل مع حجم التحديات الجديدة.
فقطاع المياه والصرف الصحي لم يعد يحتمل الإدارة بأسلوب «تسيير الأعمال» فقط، فهناك استثمارات ضخمة، ومشروعات قومية، وشركات تابعة، وأصول، وشبكات ممتدة، وتحديات تتعلق بالطاقة والصيانة والتحلية وإعادة الاستخدام والفاقد والتحصيل وجودة الخدمة.
ولهذا فإن اختيار الشيمي يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة ضبط إيقاع المؤسسة، وإعادة ربط الإدارة العليا بما يحدث فعليًا في الشركات التابعة وعلى الأرض.
كيف أنقذت وزيرة الإسكان الشركة القابضة للمياه؟
المؤكد أن المنشاوي اتخذت قرارًا جريئًا في ملف حساس، ولم تنتظر حتى تتراكم المشكلات بصورة يصعب التعامل معها، وتكليف الشيمي يمثل بداية اختبار حقيقي لمدى قدرة الشركة القابضة على الانتقال من نموذج الإدارة التقليدية إلى نموذج أكثر كفاءة ومرونة، يعتمد على التكنولوجيا والبيانات والمتابعة الميدانية والانضباط المالي.
فالرهان الحقيقي الآن ليس على تغيير رئيس الشركة فقط، وإنما على تغيير طريقة التفكير داخل المؤسسة كلها.
وإذا نجح الشيمي في رفع كفاءة الشركات الـ25 التابعة، وتحسين الأداء المالي والتشغيلي، وتسريع حل المشكلات، ورفع مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين، فإن قرار المنشاوي سيُحسب لها باعتباره واحدًا من أهم قرارات إعادة ضبط منظومة المرافق في المرحلة الجديدة.