الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

دموع أمام مصطفى بكري ومستندات "الاسكان 24" تكشف حكاية أخرى.. 20 قطعة أرض تفتح الصندوق الأسود لخالد أبو النجا وأسرته في بيت الوطن

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم تعد قصة «بيت الوطن» مجرد جدل حول عدد الأراضي المطروحة أو أموال المصريين بالخارج أو مطالبات بزيادة المعروض في المدن الأكثر طلبا، فمع حصول «الإسكان 24» على مستندات تتضمن بيانات تخصيصات متعددة باسم خالد أبو النجا وأفراد من أسرته، تتغير طبيعة الأسئلة المطروحة حول المشروع من مجرد شكوى من نقص الأراضي إلى ضرورة فحص أنماط الاستفادة المتكررة من هذا المشروع الذي أنشأته الدولة أساسا لخدمة المصريين المقيمين بالخارج

المستندات التي اطلع عليها «الإسكان 24» تتضمن بيانات تشير إلى وجود 20 قطعة أرض مرتبطة باسم خالد أبو النجا وأفراد من أسرته، بينها 5 قطع باسم خالد أبو النجا نفسه و15 قطعة بأسماء زوجته وأخواته، فيما تظهر البيانات تخصيصات في مناطق ومدن مختلفة من بينها العلمين الجديدة ودمياط الجديدة والسادات وبني سويف الجديدة والعبور الجديدة والمنصورة الجديدة، وهو ما يفتح الباب أمام مجموعة من التساؤلات التي لا يمكن حسمها بالانطباعات أو المداخلات التلفزيونية وإنما تحتاج إلى مراجعة رسمية شاملة لسجلات التخصيص والتصرفات

من «شكوى مغترب» إلى سؤال عن حجم الاستفادة

القصة اكتسبت زخما بعد ظهور خالد أبو النجا في مداخلة إعلامية تحدث خلالها عن أزمة المرحلة الحادية عشرة من مشروع بيت الوطن، وعن أعداد المتقدمين والتحويلات المالية والرغبة في الحصول على أراض في مدن بعينها، وهي شكوى من حيث المبدأ تظل حقا أصيلا لأي مواطن يرى أن له مطلبا أو اعتراضا على إجراءات الطرح

لكن ظهور مستندات تتضمن هذا العدد من التخصيصات المرتبطة بشخص واحد وأفراد من أسرته يجعل من الضروري توسيع دائرة الأسئلة، لأن المواطن الذي يدخل المشروع للمرة الأولى بحثا عن قطعة واحدة لبناء منزل يختلف في وضعه عن شخص تظهر قواعد البيانات ارتباطه بعدد كبير من قطع الأراضي عبر مراحل ومدن مختلفة، مع التأكيد أن تعدد التخصيصات في حد ذاته لا يثبت مخالفة ما لم تتم مراجعة شروط كل مرحلة والقواعد التي كانت تحكم التخصيص والتصرف وقتها

5 قطع باسم الشخص و15 باسم الأسرة

أبرز ما تكشفه المستندات هو وجود 5 حجوزات باسم خالد أبو النجا وفقا للبيانات الظاهرة في المستندات التي حصل عليها الموقع، إلى جانب 15 حجزا آخر بأسماء زوجته وأخواته، وهو رقم يستحق التوقف أمامه ليس بهدف إصدار حكم مسبق على صاحبه وإنما لأن العدد يفرض سؤالا مشروعا حول طبيعة الاستفادة من المشروع

هل كانت هذه التخصيصات مستقلة ومستوفية لشروط كل مرحلة؟

هل كان كل حاجز من أفراد الأسرة مستوفيا لشروط الحجز وقت التقدم؟.. وهل جرى البناء على الأراضي أم تم التصرف فيها؟.. وإذا كانت هناك تصرفات تمت بعد التخصيص فما توقيتاتها وما طبيعتها؟.. وهل استفاد الأشخاص أنفسهم من مراحل متعددة وفقا للقواعد المعلنة لكل مرحلة؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها صورة واحدة أو منشور على مواقع التواصل، وإنما تجيب عنها قاعدة البيانات الرسمية وسجلات أجهزة المدن والتوكيلات والتصرفات العقارية

خريطة الأراضي تكشف اتساع دائرة الاستفادة

الأكثر إثارة في البيانات ليس العدد فقط وإنما توزيع قطع الأراضي على مدن مختلفة، فالمستندات التي حصل عليها «الإسكان 24» تتضمن بيانات لقطع في مناطق ومشروعات تمتد من العلمين الجديدة إلى العبور الجديدة والمنصورة وبني سويف والسادات ودمياط الجديدة

وهذا التنوع الجغرافي يجعل القضية أوسع من مجرد رغبة شخص في مدينة بعينها، ويطرح سؤالا حول كيفية إدارة فرص التخصيص عبر المراحل المختلفة، وهل كانت هذه التخصيصات مرتبطة باحتياجات سكنية فعلية أم أن بعضها دخل في دائرة الاستثمار وإعادة التصرف

والفارق هنا مهم للغاية، لأن الاستثمار العقاري في حد ذاته ليس جريمة، والتصرف في الأرض لا يصبح مخالفة لمجرد حدوثه، لكن الفيصل هو الالتزام بشروط التخصيص والقيود المنظمة للتصرف والمدة الزمنية والآليات التي حددتها الدولة لكل طرح

 

العلمين والمنصورة والعبور.. لماذا هذه المدن تحديدا؟

عند النظر إلى أسماء المدن الواردة في المستندات، تظهر مجموعة من المدن التي تتمتع بأهمية خاصة داخل خريطة المدن الجديدة، وعلى رأسها العلمين الجديدة والمنصورة الجديدة والعبور الجديدة إلى جانب السادات وبني سويف الجديدة ودمياط الجديدة

وهنا تظهر زاوية اقتصادية مهمة في التحقيق، فالأرض ليست مجرد أصل عقاري جامد، وإنما ترتفع قيمتها السوقية وفقا لموقعها ومستوى التنمية والخدمات وحجم الطلب عليها، ولذلك فإن وجود تخصيصات متعددة في مدن مختلفة يستحق دراسة العلاقة بين تاريخ الحصول على الأرض وتاريخ التصرف فيها إن وجد

فإذا كانت هناك قطع تم الاحتفاظ بها والبناء عليها فهذه حالة، وإذا كانت هناك قطع تم التصرف فيها بعد التخصيص بفترة قصيرة فهذه حالة أخرى، وإذا تكرر السيناريو عبر أكثر من مرحلة وبأسماء متعددة داخل الأسرة فهنا تظهر الحاجة إلى فحص النمط الكامل وليس كل واقعة منفردة

المستند الأقوى ليس عدد القطع.. وإنما «التوقيت»

في التحقيقات العقارية، عدد القطع وحده لا يكفي للوصول إلى نتيجة، لكن التوقيت يمكن أن يكشف الكثير من التفاصيل

فمقارنة تاريخ التخصيص بتاريخ تحرير التوكيل وتاريخ التصرف وتاريخ سداد الأقساط وتاريخ البناء أو بدء إجراءات التنفيذ يمكن أن ترسم صورة كاملة عن طبيعة التعامل مع الأرض

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن ينتقل إلى الجهات المختصة ليس فقط «كم قطعة حصل عليها الشخص؟» وإنما «ماذا حدث لكل قطعة منذ لحظة تخصيصها؟»

وهنا يمكن لقاعدة بيانات واحدة أن تجيب عن عشرات الأسئلة، من خلال الربط بين اسم المتقدم واسماء أفراد أسرته والمراحل التي تقدموا فيها والمدن التي حصلوا فيها على الأراضي وتاريخ التخصيص ثم تاريخ أي تصرف لاحق

 

«بيت الوطن».. مشروع قومي أم سوق للمضاربة؟

منذ إطلاق المشروع عام 2012، كان الهدف الأساسي هو إتاحة فرص تملك للمصريين المقيمين بالخارج وربط مدخراتهم بالاقتصاد المصري، لكن ارتفاع أسعار الأراضي في بعض المدن الجديدة خلق فارقا بين القيمة التي يحصل بها المواطن على الأرض والقيمة التي يمكن أن تصبح عليها في السوق

هذا الفارق الاقتصادي هو الذي يجعل ملف «بيت الوطن» بحاجة دائما إلى قواعد دقيقة تمنع تحول التخصيص إلى مجرد حلقة في سلسلة مضاربات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتخصيصات المتكررة أو التعامل بأسماء أفراد الأسرة

وفي المقابل، يجب عدم الوقوع في الخطأ المعاكس بتحويل كل مستفيد متعدد التخصيصات إلى متهم، لأن الحكم على أي حالة يتطلب معرفة شروط المرحلة التي تم فيها التخصيص وما إذا كان المستفيد قد استوفى الشروط وما إذا كان التصرف في الأرض تم وفقا للقواعد القانونية

 

مداخلة مصطفى بكري تعود إلى الواجهة

المفارقة أن هذه البيانات تظهر في توقيت تثار فيه شكوى إعلامية واسعة حول المرحلة الحادية عشرة من بيت الوطن، وهو ما يجعل التعامل معها ضرورة مهنية وليس محاولة لتصفية حسابات مع أي طرف.

إذا كان المتحدث يطرح نفسه باعتباره صوتا للمغتربين، فمن حق الجمهور أن يعرف خلفية تجربته مع المشروع، تماما كما أن من حقه أن يعرف حقيقة أعداد المتقدمين وقيمة التحويلات وطبيعة الأراضي المطروحة.

 

«ياما تحت السواهي دواهي».. ولكن الوثيقة هي الفيصل

في النهاية، لا يمكن أن تكون دموع الشاشة دليلا، ولا ارتفاع نبرة الصوت دليلا، ولا حتى كثرة الأراضي وحدها دليلا على ارتكاب مخالفة، الدليل الحقيقي هو ما تقوله السجلات الرسمية عندما توضع التخصيصات والتوكيلات والتصرفات والتوقيتات أمام بعضها البعض.