اتهامات بمضاربات وأراض بالملايين خلف ستار شكوى المغتربين..
"ياما تحت السواهي دواهي".. كيف حاول "هامور بيت الوطن" خداع مصطفى بكري بـ"دموع التماسيح"؟
الإعلام ليس مجرد ميكروفون مفتوح لمن يرفع صوته، ولا شاشة تمنح المتحدث مساحة للشكوى ثم تنتهي القصة بانتهاء المداخلة، فالمهنة الحقيقية تبدأ بعد انتهاء الكلام، عندما يضع الصحفي ما سمعه امام الوثائق والبيانات ويقارن الارقام بعضها ببعض ويبحث عن الطرف الغائب ويختبر كل معلومة قبل ان تتحول الرواية الشخصية إلى حقيقة في ذهن ملايين المشاهدين، وهذه القاعدة تصبح اكثر اهمية عندما يتعلق الامر بمشروع حكومي ضخم مثل بيت الوطن الذي يرتبط بأموال المصريين في الخارج وبأراض مملوكة للدولة وبسياسة تستهدف جذب العملة الاجنبية والاستثمار وربط المصريين بالخارج بوطنهم
من حلم المغترب إلى سوق شديدة السخونة
عندما اطلقت الدولة مشروع بيت الوطن عام 2012 كانت الفكرة واضحة ومباشرة وهي توفير اراض ووحدات للمصريين المقيمين بالخارج بطريقة تسهل عليهم التملك والاستثمار داخل مصر دون الحاجة إلى الدخول في دوامة طويلة من الاجراءات والسفر المتكرر والتعامل مع الوسطاء، ومع مرور السنوات تحول المشروع إلى واحد من اهم الملفات العقارية الموجهة للمصريين بالخارج وحقق عوائد كبيرة للدولة وساهم في جذب مليارات الدولارات من تحويلات المصريين الراغبين في امتلاك عقار او ارض داخل وطنهم، لكن نجاح المشروع وارتفاع اسعار الاراضي في عدد من المدن الجديدة خلقا في الوقت نفسه سوقا اخرى حول الارض نفسها، فبدلا من النظر اليها باعتبارها مكانا لبناء منزل للاسرة اصبح البعض ينظر اليها باعتبارها اصلا يمكن الحصول عليه ثم اعادة بيعه بفارق كبير في السعر
وهنا تحديدا ظهرت المنطقة التي تحتاج إلى تحقيق صحفي حقيقي، لان وجود مستفيد يريد بناء منزل لا يمثل مشكلة، ووجود مستثمر يريد الاحتفاظ بارضه او التصرف فيها وفقا للقواعد القانونية لا يمثل مشكلة ايضا، لكن الاشكالية تبدأ عندما يتحول التخصيص المتكرر إلى نشاط تجاري قائم على الحصول على الارض ثم اعادة تدويرها والدخول في مراحل جديدة باسماء مختلفة او من خلال افراد الاسرة، وهو امر لا يمكن اثباته بالانطباعات او الاتهامات وانما يحتاج إلى مراجعة كاملة لبيانات التخصيص والتصرفات
المداخلة التي اشعلت الملف
في هذا السياق جاءت المداخلة الهاتفية لخالد ابو النجا مع الاعلامي مصطفى بكري لتعيد ملف بيت الوطن إلى الواجهة، حيث تحدث المتصل عن معاناة عدد كبير من المصريين بالخارج وعن تحويل اموال إلى المشروع وعن عدم كفاية الاراضي المطروحة في بعض المدن التي تحظى باقبال كبير، وقدم نفسه باعتباره ناقلا لصوت عدد كبير من المغتربين الذين ينتظرون الحصول على اراض بعد تحويل اموالهم إلى حسابات المشروع
ولا توجد مشكلة في اصل الشكوى، فمن حق اي مواطن حول امواله إلى جهة حكومية ان يعرف مصير امواله وقواعد تخصيص الاراضي ومن حق المصري المقيم بالخارج ان يعترض على اي اجراء يراه غير مناسب، لكن المشكلة المهنية تبدأ عندما تتحول الشكوى إلى رواية مكتملة دون وضع الارقام في سياقها ودون التحقق من طبيعة المبالغ المحولة ودون معرفة ما اذا كان صاحب الشكوى مستفيدا سابقا من المشروع ودون الاستماع إلى الطرف الاخر
16 الف مغترب لا تعني 16 الف قطعة
احد اهم الارقام التي ظهرت في المداخلة هو الحديث عن نحو 16 الف مغترب، وهنا يجب التوقف عند نقطة شديدة الاهمية وهي ان عدد الاشخاص الذين قاموا بتحويل اموال لا يساوي بالضرورة عدد قطع الاراضي المتاحة ولا يعني ان كل من حول اموالا اصبح صاحب حق تلقائي في قطعة محددة داخل مدينة بعينها
وزارة الاسكان وهيئة المجتمعات العمرانية تعاملتا في المرحلة الحادية عشرة مع التحويلات باعتبارها ارصدة للحاجزين يتم استخدامها وفقا للقواعد والاجراءات المنظمة للطرح، وقد بدأت المرحلة باعلان طرح 3600 قطعة ثم جرى تحديث اعداد الاراضي المطروحة لتصل إلى 4543 قطعة في 22 مدينة جديدة، وهو ما يؤكد ان ارقام الطرح نفسها تطورت خلال مراحل الاعداد والتخصيص، وبالتالي فان وضع رقم التحويلات بجوار رقم الاراضي دون توضيح طبيعة كل رقم يمكن ان يصنع لدى المشاهد انطباعا غير دقيق عن حجم الالتزامات التي نشأت على الدولة.
مليار وربع مليار دولار.. الرقم الذي يحتاج إلى تفكيك
الحديث عن تحويلات وصلت إلى نحو مليار وربع مليار دولار كان من اكثر اجزاء المداخلة تأثيرا على المشاهد، لان الرقم في حد ذاته ضخم ويثير الانتباه، لكن التعامل الصحفي معه يحتاج إلى معرفة طبيعة هذه الاموال وهل هي قيمة اراض تم تخصيصها بالفعل ام ارصدة تم تحويلها تمهيدا للحجز ام مبالغ تم استكمالها لاحقا ام اموال ما زالت مرتبطة بطلبات تخصيص او استرداد
وهنا تصبح المسألة مختلفة تماما عن الصورة التي قد تصل إلى المشاهد من خلال عبارة مختصرة تقول ان الوزارة حصلت على مليار وربع مليار دولار ولم توفر الاراضي لاصحابها، لان التحويل في منظومة بيت الوطن لا يعني بالضرورة اتمام التخصيص النهائي، والهيئة كانت قد اتاحت استقبال التحويلات كأرصدة قبل بدء الحجز بهدف تسهيل اجراءات التحويل من الخارج والتعامل مع مشكلات التحويلات البنكية وتحقيق تكافؤ الفرص بين المتقدمين
الحوالة التنشيطية.. تفصيلة مالية صنعت فارقا في الاولويات
المرحلة الحادية عشرة شهدت ايضا جدلا واسعا حول ما يعرف بالتحويل التنشيطي المرتبط بأولوية التخصيص، وهي نقطة كان يجب ان تحظى بشرح تفصيلي على الهواء بدلا من اختزالها في عبارات عامة، فالهيئة حددت قواعد واضحة للترتيب وربطت اولوية التخصيص ببيانات التحويلات البنكية الواردة من البنك المركزي المصري
وبحسب القواعد المعلنة للمرحلة تم تحديد قيمة التحويل التنشيطي للحصول على اولوية التخصيص بما لا يقل عن 3050 دولارا، مع الاعتماد على ترتيب وصول التحويلات وفقا للبيانات البنكية المعتمدة، وهو ما يعني ان العملية ليست مجرد سباق عشوائي بين المتقدمين وانما تخضع لقواعد معلنة وترتيب مالي محدد.
القاهرة الجديدة والشيخ زايد.. لماذا تتركز المطالب هنا
من اللافت في الخطاب المتداول حول بيت الوطن ان كثيرا من المطالب تتركز على مدن محددة مثل القاهرة الجديدة والشيخ زايد ودمياط الجديدة والمنصورة الجديدة، وهي مدن تختلف جغرافيا لكنها تشترك في عامل اساسي وهو ارتفاع الطلب على اراضيها وقوة سوقها العقارية وارتفاع القيمة السوقية للارض بها
وهنا يجب ان نفرق بين رغبة المواطن في الحصول على ارض داخل مدينة يفضلها وبين تحول هذه الرغبة إلى مؤشر على وجود دافع استثماري، فليس من حق احد ان يتهم شخصا بالمضاربة لمجرد انه يريد القاهرة الجديدة، لكن من حق الصحافة ان تسأل عن طبيعة الطلب ولماذا تتركز المنافسة بهذه القوة على مدن معينة وهل السبب هو الاحتياج السكني فعلا ام ارتفاع العائد المتوقع بعد التخصيص
وهذا الملف يمكن حسمه بالارقام وليس بالتخمين، من خلال معرفة توزيع الطلب على المدن ونسب التخصيص ونسب البناء ومعدلات التصرف بعد التخصيص والفترة الزمنية بين الحصول على الارض والتنازل عنها
هنا تظهر قصة «الحيتان»
مصطلح حيتان بيت الوطن ليس تصنيفا رسميا ولا وصفا قانونيا، لكنه ظهر للتعبير عن مخاوف من وجود متعاملين يمتلكون قدرة اكبر من غيرهم على الاستفادة المتكررة من المشروع، سواء من خلال تعدد التخصيصات في مراحل مختلفة او استخدام افراد الاسرة او اعادة بيع الاراضي بعد الحصول عليها
واذا كانت هناك بالفعل حالات متكررة بهذا الشكل فان القضية لا تحتاج إلى حملات تشهير ولا إلى اتهامات على مواقع التواصل، بل تحتاج إلى عملية تدقيق بسيطة في ظاهرها وعميقة في نتائجها، تبدأ من قاعدة بيانات هيئة المجتمعات العمرانية ثم تنتقل إلى تاريخ التخصيص والتصرف والبناء والتوكيلات والبيانات ذات الصلة لدى الجهات المختصة
فالشخص الذي حصل على قطعة واحدة وبنى عليها منزلا ليس مثل الشخص الذي حصل على عدة قطع خلال مراحل متتابعة ثم تصرف فيها واعاد التقدم من جديد، لكن في الوقت نفسه لا يمكن وصف الحالة الثانية بأنها مخالفة بمجرد تكرار الاستفادة، لان الفيصل النهائي هو شروط كل مرحلة والقواعد القانونية التي كانت تحكمها وقت التخصيص والتصرف
20 قطعة باسم شخص وعائلته.. المعلومة التي تحتاج إلى تحقيق
سبق ان نشر موقع الاسكان 24 معلومات وتتبعات قال انها تربط اسم خالد ابو النجا وافرادا من اسرته بنحو 20 قطعة ارض ضمن مشروع بيت الوطن في مراحل سابقة، وهذه المعلومة من اخطر النقاط في الملف اذا ثبتت صحتها رسميا، لكنها في الوقت نفسه لا يجوز تقديمها باعتبارها حقيقة نهائية دون مستندات رسمية او رد من الجهات المختصة
اذا كانت هذه البيانات صحيحة بالفعل فانها تغير شكل النقاش تماما، لان المتحدث الذي يظهر للحديث عن ازمة الاراضي لا يصبح مجرد متقدم جديد ينتظر فرصة واحدة، وانما يصبح من الضروري معرفة تاريخه السابق داخل المشروع وحجم استفادته وقواعد التصرف في الاراضي التي حصل عليها وتوقيتات هذه التصرفات
اما اذا لم تكن البيانات دقيقة فهنا ايضا يجب تصحيحها فورا، لان سمعة اي مواطن لا يجوز ان تكون مادة للاتهام دون دليل، وهذه هي النقطة التي يجب ان يلتزم بها الاعلام في الاتجاهين معا
قاعدة البيانات اقوى من دموع الشاشة
في الملفات العقارية الكبيرة، البيانات هي القاضي الحقيقي، لان العاطفة يمكن ان تتغير من متحدث إلى اخر بينما لا تتغير تواريخ التخصيص والتحويل والتوكيلات والتصرفات الموجودة في السجلات الرسمية
وزارة الاسكان وهيئة المجتمعات العمرانية لديهما بيانات تفصيلية عن المتقدمين والتخصيصات والمراحل والمدن، والجهات المختصة لديها ايضا سجلات التصرفات والتوكيلات، ومن خلال الربط القانوني بين هذه البيانات يمكن اكتشاف الانماط غير المعتادة دون الحاجة إلى توجيه اتهامات مسبقة
يمكن مثلا معرفة عدد مرات استفادة الشخص من المشروع وعدد قطع الاراضي التي حصل عليها افراد اسرته وتوقيتات التخصيص والتصرف وما اذا كان قد تم البناء على الارض او التصرف فيها خلال فترة قصيرة، وعند ظهور نمط غير طبيعي يمكن للجهات المختصة فحصه وفقا للقانون
هل هناك اقامات صورية؟
من اخطر ما يثار حول هذا الملف الحديث عن اشخاص يقدمون انفسهم باعتبارهم مصريين مقيمين بالخارج بينما لا تعكس تحركاتهم او اوضاعهم الفعلية هذه الصفة، وهي مسألة لا يمكن اثباتها من خلال منشور على فيسبوك او مداخلة تلفزيونية
لكن اذا كانت هناك شبهات حقيقية فان التحقق منها ممكن من خلال الجهات صاحبة الاختصاص وبالطرق القانونية، عبر مراجعة المستندات والاقامات وشهادات التحركات ومصادر التحويلات وغيرها من البيانات التي يسمح القانون بالاطلاع عليها
وهنا ايضا لا يجوز تحويل هذه الفكرة إلى اتهام جماعي للمصريين بالخارج، فالغالبية العظمى من المغتربين يعملون ويكافحون خارج مصر ويحولون مدخراتهم إلى وطنهم، ولا يصح ان يدفعوا ثمن ممارسات فردية محتملة.
مصطفى بكري.. القضية ليست في فتح الهاتف
مصطفى بكري باعتباره اعلاميا مخضرما من حقه ان يفتح برنامجه امام مواطن لديه شكوى، بل ان هذا الدور يمثل جزءا مهما من الوظيفة الاعلامية، لكن المعيار الحقيقي هنا هو ما يحدث بعد الاستماع إلى الشكوى
عندما يقول الضيف انه يتحدث باسم 16 الف مغترب يجب معرفة مصدر الرقم، وعندما يتحدث عن مليار وربع مليار دولار يجب معرفة طبيعة هذه التحويلات، وعندما يتحدث عن نقص الاراضي يجب مقارنة حجم الطلب بحجم المعروض، وعندما يشير إلى وجود اراض يمكن طرحها يجب البحث عن الخرائط وقرارات التخصيص، وعندما تكون هناك بيانات منشورة عن استفادته السابقة من المشروع يجب مواجهته بها
بهذه الطريقة يتحول الاعلام من منصة لسماع الشكوى إلى منصة للتحقيق، ويصبح المواطن امام مسؤولية اثبات ما يقول مثلما تصبح الوزارة امام مسؤولية الرد على ما يثار ضدها
لا يكفي ان يبدو المتحدث مظلوما
المشكلة الاكبر في هذا النوع من القضايا ان الصورة التلفزيونية قد تصنع تعاطفا قبل ان تبدأ عملية التحقق، فالمشاهد يرى مواطنا يتحدث عن اموال دفعها واحلام لم تتحقق فيتعاطف معه بصورة طبيعية، لكن التعاطف الانساني شيء والحقيقة القانونية والاقتصادية شيء اخر
قد يكون صاحب الشكوى مظلوما في نقطة محددة، وقد يكون لديه اعتراض مشروع على توزيع الاراضي، وقد يكون في الوقت نفسه مستفيدا سابقا من المشروع، ولا يوجد تعارض بالضرورة بين الامرين
ولهذا فان الصحافة لا يجب ان تبحث عن بطل وشرير، وانما تبحث عن الوثيقة التي تحدد المسؤولية والحق
«بيت الوطن» يحتاج إلى حماية من المضارب ومن الاتهام
الحل ليس في اغلاق المشروع امام المصريين بالخارج ولا في التعامل مع كل مستفيد باعتباره تاجرا، كما ان الحل ليس في تجاهل احتمالات المضاربة او السماح بتحويل مشروع وطني إلى سوق مغلقة يستفيد منها الاكثر قدرة على تدوير الاراضي
الحل في قواعد اكثر وضوحا وربط التخصيص بتاريخ الاستفادة السابقة وتشديد الرقابة على التصرفات التي تتم بالمخالفة لشروط التخصيص ومراجعة الانماط غير الطبيعية في التقدم والتخصيص والبناء والتنازل
وبذلك تحافظ الدولة على حق المصري الحقيقي في الخارج، وتحمي مواردها واراضيها، وتغلق في الوقت نفسه الباب امام اي محاولة لاستغلال البرنامج لتحقيق ارباح مضاربية لا تتفق مع فلسفته الاساسية.

