02 ربيع الثاني 1448 الموافق الأحد 13 سبتمبر 2026

عامان في قطاع التخطيط.. ماذا قدم أحمد إبراهيم للساحل الشمالي؟ وأسئلة صعبة حول خريطة أراضي «المجتمعات»

م. احمد ابراهيم
م. احمد ابراهيم

يبدو أن ملف التخطيط والمشروعات داخل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة يدخل مرحلة تحتاج إلى قدر أكبر من الحسم والوضوح، خاصة فيما يتعلق بالساحل الشمالي الغربي، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم الأصول العمرانية والاستثمارية للدولة، وأصبح تطويره يحتاج إلى رؤية متكاملة تتجاوز فكرة طرح الأراضي إلى بناء خريطة واضحة لمستقبل التنمية.

ومع أهمية الساحل الشمالي وحجم الفرص الاستثمارية الموجودة به، فإن سرعة إعداد الرؤى التخطيطية وتحويلها إلى برامج تنفيذية وطرح استثماري أصبحت عنصرًا أساسيًا في تعظيم العائد من أصول الدولة، خصوصًا في ظل المنافسة على جذب الاستثمارات العقارية والسياحية وارتفاع تكلفة تأجيل استغلال الأراضي المتاحة.

قطاع التخطيط والمشروعات أمام اختبار جديد

قطاع التخطيط والمشروعات بهيئة المجتمعات العمرانية يحمل مسؤولية كبيرة في تحديد شكل التنمية داخل المدن الجديدة، ووضع المخططات، وتحديد الأنشطة والاستخدامات، وتجهيز الأراضي للطرح، إلى جانب التعامل مع التغيرات التي تطرأ على احتياجات السوق والمشروعات القائمة.

ومنذ تولي المهندس أحمد إبراهيم مسؤولية قطاع التخطيط والمشروعات، بعد انتقاله من رئاسة جهاز مدينة العلمين الجديدة، أصبح أمام القطاع عدد كبير من الملفات التي تحتاج إلى رؤية متكاملة، وفي مقدمتها إدارة مخزون الأراضي، وتحديد أولويات الطرح، وإعادة قراءة بعض الاستخدامات والأنشطة بما يتناسب مع احتياجات الدولة والسوق.

إلا أن الفترة الماضية كشفت عن حاجة القطاع إلى تسريع وتيرة العمل في عدد من الملفات، خاصة أن التخطيط العمراني لا يحتمل التعامل مع الفرص الاستثمارية بمنطق رد الفعل، وإنما يحتاج إلى استباق حركة السوق ووضع البدائل قبل ظهور الاحتياج.

الساحل الشمالي.. أصل استثماري يحتاج إلى رؤية متكاملة

الساحل الشمالي الغربي لم يعد مجرد منطقة للمصايف والمشروعات الموسمية، وإنما أصبح أحد المحاور الرئيسية للتنمية العمرانية والسياحية والاستثمارية في مصر.

ومع الاتجاه إلى تحويل الساحل إلى منطقة تعمل على مدار العام، فإن التعامل معه يحتاج إلى مخطط طويل المدى يحدد مناطق التنمية، والاستخدامات المناسبة، ومواقع الخدمات، وشبكات الطرق والمرافق، ومناطق الاستثمار، إلى جانب تحديد الأراضي التي يمكن طرحها خلال السنوات المقبلة وفق برنامج واضح.

وتأتي أهمية ذلك في ظل امتلاك الدولة مساحات ضخمة من الأراضي في هذه المنطقة، وهو ما يجعل التخطيط السليم وسرعة تجهيز الأراضي وطرحها جزءًا أساسيًا من معادلة تعظيم العائد من هذه الأصول.

 

بطء التخطيط ينعكس على سرعة طرح الأراضي

التخطيط يمثل الحلقة الأولى في منظومة طرح الأراضي، إذ لا يمكن تحويل أي قطعة أرض إلى فرصة استثمارية قبل حسم الاستخدام والمخطط والاشتراطات والمرافق وآلية الطرح.

ومن ثم، فإن أي تأخير في حسم هذه الملفات ينعكس بطبيعة الحال على توقيت دخول الأراضي إلى السوق، وبالتالي على التدفقات المالية المتوقعة من عمليات الطرح.

وتعتمد هيئة المجتمعات العمرانية بدرجة كبيرة على عوائد الأراضي في تمويل خطط التنمية وتنفيذ مشروعات المرافق والبنية الأساسية والخدمات داخل المدن الجديدة، وهو ما يجعل سرعة تجهيز مخزون جديد من الأراضي للطرح جزءًا من منظومة التمويل وليس مجرد إجراء تخطيطي.

وبالتالي، فإن تطوير خريطة دقيقة ومحدثة لمخزون الأراضي أصبح ضرورة إدارية واقتصادية، تتضمن الأراضي الجاهزة للطرح، والأراضي التي تحتاج إلى مرافق، والأراضي التي تحتاج إلى إعادة تخطيط، والأراضي التي يمكن استغلالها في مشروعات شراكة أو استثمار مباشر.

تغييرات الأنشطة.. بين المرونة التخطيطية وإعادة ترتيب الأولويات

من الملفات التي استحوذت على جانب من عمل قطاع التخطيط والمشروعات خلال الفترة الماضية ملف تغيير الأنشطة والاستخدامات في عدد من الأراضي والمشروعات.

وتغيير النشاط ليس أمرًا سلبيًا في حد ذاته، بل قد يكون مطلوبًا في بعض الحالات لمواكبة المتغيرات الاقتصادية وتحقيق أفضل استخدام للأرض، إلا أن كثرة التعديلات تحتاج إلى إطار تخطيطي واضح يضمن عدم تحول التخطيط إلى مجرد استجابة لطلبات المستثمرين.

فالمرونة مطلوبة، لكن الأهم أن تكون هذه المرونة داخل رؤية مسبقة تحدد احتياجات كل مدينة ومعدلات الطلب على الأنشطة المختلفة، حتى لا تتحول عملية تغيير الاستخدامات إلى بديل عن التخطيط طويل المدى.

وهنا تظهر أهمية إعادة ترتيب أولويات قطاع التخطيط، بحيث يحصل التخطيط الاستراتيجي ومراجعة مخزون الأراضي ووضع برامج الطرح المستقبلية على المساحة الأكبر من اهتمام القطاع.

 

بعد عامين.. المطلوب رؤية قابلة للتنفيذ

وبعد نحو عامين من تولي المهندس أحمد إبراهيم مسؤولية قطاع التخطيط والمشروعات، أصبحت المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من التعامل مع الملفات المتفرقة إلى تقديم رؤية أكثر وضوحًا ومتكاملة، خاصة بالنسبة للأراضي التابعة للهيئة والساحل الشمالي.

المطلوب ليس مجرد حصر الأراضي الموجودة، وإنما بناء خريطة استثمارية متكاملة تربط بين الأرض والنشاط والمرافق والتوقيت والعائد المتوقع، وتحدد بوضوح ما سيتم طرحه خلال العام المقبل، وما سيتم تجهيزه للسنوات التالية، وما هي المناطق التي تحتاج إلى إعادة تخطيط قبل دخولها السوق.

هذه الرؤية من شأنها أن تمنح المستثمرين قدرًا أكبر من الوضوح، وفي الوقت نفسه تساعد الهيئة على إدارة مواردها بكفاءة أكبر، وربط عمليات الطرح بخطط تمويل المشروعات بدلًا من التعامل معها كعمليات منفصلة.

راندة المنشاوي تضع الملف أمام مرحلة جديدة

وفي المقابل، فإن تحركات المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، خلال الفترة الأخيرة تعكس اتجاهًا واضحًا نحو إعادة قراءة ملفات الأراضي والاستثمار والتخطيط، وتعظيم الاستفادة من أصول هيئة المجتمعات، ومناقشة استراتيجية تطوير مدن الساحل الشمالي الغربي والرؤية المستقبلية حتى عام 2030 تمثل خطوة مهمة في اتجاه إعادة ترتيب هذا الملف، خصوصًا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ترجمة هذه الرؤية إلى خرائط تنفيذية وبرامج زمنية واضحة.

وهنا تتزايد أهمية قطاع التخطيط والمشروعات باعتباره الذراع التي يقع عليها عبء تحويل التوجهات العامة إلى مخططات وقرارات وفرص استثمارية قابلة للتنفيذ.

 

التخطيط ليس مجرد طرح أراضٍ

المعادلة الجديدة التي تحتاجها هيئة المجتمعات لا تتوقف عند زيادة عدد قطع الأراضي المطروحة، وإنما تقوم على اختيار الأرض المناسبة، للنشاط المناسب، في التوقيت المناسب، وبالشروط التي تحقق أعلى استفادة للدولة والمستثمر والمجتمع العمراني.

وهذا يتطلب أن تكون لدى قطاع التخطيط والمشروعات قاعدة بيانات متكاملة ومحدثة بصورة مستمرة عن أراضي الهيئة، وأن يتم ربط هذه البيانات بحركة السوق ومعدلات الطلب وخطط المرافق والتنمية.

فالساحل الشمالي تحديدًا لا يحتمل إدارة قصيرة الأجل، لأنه يمثل أحد أهم مشروعات الدولة العمرانية والاستثمارية، وأي قرار تخطيطي يتم اتخاذه اليوم سيحدد شكل المنطقة لسنوات طويلة.