07 ربيع الثاني 1448 الموافق الجمعة 18 سبتمبر 2026

منصة قومية انحرفت عن بوصلتها بفعل الإقامات الصورية والمضاربات..

«الإسكان 24» تفتح الصندوق الأسود.. سقوط حيتان «بيت الوطن».. دموع تماسيح على الفضائيات وتوكيلات بيع تجني الملايين

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

عندما أطلقت الدولة المصرية مشروع «بيت الوطن» في عام 2012، كانت الرؤية واضحة ومحددة: بناء جسر ثقة يربط أبناء مصر في الخارج بوطنهم الأم، وتوفير قطع أراضٍ ووحدات سكنية تضمن لهم استقراراً كريماً دون الحاجة إلى تكبد مشاق السفر، أو السقوط في شباك السماسرة ومكاتب المضاربة العقارية. 

غير أن هذا الملف الحيوي، وعلى مدار سنوات خلت، تعرض لعملية اختطاف ممنهجة على يد فئة احترفت تسقيع الأراضي والتربح السريع؛ حيث جرى تحويل الحق الدستوري للمغترب الحقيقي إلى سلعة احتكارية تدار عبر إقامات صورية لأشخاص لا يملكون عملاً أو دخلاً بالخارج، وتُنتزع منهم التوكيلات والتنازلات فور إتمام الحجز لإعادة تدوير الأراضي في السوق السوداء.

هندسة «الحوالة التنشيطية» وحقيقة التحويلات الاستباقية

استندت مافيا الأراضي لسنوات إلى ثغرة إجرائية بالغة الخطورة، تمثلت في تحويل أرصدة مالية ضخمة إلى البنوك قبل بدء المراحل الرسمية للالتفاف على سقف التحويلات الإلكترونية اليومية، ثم الاكتفاء بإرسال مبالغ رمزية ضئيلة لحظة فتح باب الحجز تحت مسمى «الحوالة التنشيطية». هذه المبالغ الصغيرة تمر عادة دون تدقيق مصرفي مطول في دول الإقامة، فتسجل وصولاً فورياً يمنح أصحابها أسبقية زمنية مصطنعة لاقتناص أميز المواقع الجغرافية على حساب الحاجزين الجادين. 

ومع تولي المهندسة راندة المنشاوي حقيبة وزارة الإسكان، بمساندة الدكتور وليد عباس نائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية، قُطعت هذه الطريق تماماً عبر إتاحة «المحفظة الدولارية» رسمياً لكافة المتقدمين لترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص وتجفيف ميزة التحايل المسبق، وهو ما فضح المزاعم التي روجها المضاربون بادعاء أن الهيئة هي من ألزمتهم بالتحويل المبكر.

«لغز المدن الأربع».. أرباح خيالية وراء استغاثات موجهة

 

ترافقت تلك الألاعيب مع حملات إعلامية ركزت بشكل مريب على المطالبة بطرح أراضٍ في مدن محددة دون غيرها، متسائلين بنبرة مظلومية: «أين حق أولادنا في القاهرة الجديدة، والشيخ زايد، ودمياط الجديدة، والمنصورة الجديدة؟». هذا التمركز الانتقائي لم يكن وليد رغبة في السكن العائلي، بل نتاج حسابات تجارية بحتة؛ إذ تمثل هذه المدن بؤرة النشاط لمضاربات «الأوفر برايس»، حيث يتراوح هامش الربح غير المشروع للقطعة الواحدة ما بين 8 إلى 15 مليون جنيه بمجرد التخصيص.

 وتكشف مراجعة بسيطة لمقارنة تواريخ صدور توكيلات البيع الرسمية بالقنصليات ومكاتب الشهر العقاري بتاريخ محاضر الاستلام أن عمليات التنازل كانت تتم في نفس يوم التخصيص أو خلال أسبوع على الأكثر، في بيزنس تدوير دولاري تجاوزت أرباحه عوائد الوظائف الدبلوماسية المرموقة.

واقعة مقطع الكويت.. عندما تسقط ورقة التوت عن الشاشات

 

ولم تتوقف أساليب الضغط عند الترويج الإلكتروني، بل لجأ بعض كبار المتعاملين إلى التباكي واستعطاف الرأي العام عبر برامج «التوك شو» ومقاطع الفيديو، مستغلين جهل بعض معدي البرامج بحقيقة الملفات. 

وكان أبرز تلك النماذج مقطع الفيديو الذي نشره مواطن مقيم بالكويت يدعى خالد أبو النجا، موجهاً استغاثة تطالب بتدخل وزيرة الإسكان لمنحه «قطعة أرض واحدة» لتحقيق حلم الاستقرار لأسرته، مهاجماً ما وصفه بحيتان السوق. 

المفاجأة التي نسفت الرواية من جذورها تمثلت في ما كشفته سجلات التخصيص وقواعد البيانات، والتي أكدت حصول صاحب الشكوى وأفراد من أسرته على ما لا يقل عن 20 قطعة أرض في مراحل سابقة، في مفارقة تثبت أن لغة الاستعطاف لم تكن سوى محاولة لابتزاز أجهزة الدولة بعد إغلاق منافذ التكسب.

«عملية جراحية» تعيد الانضباط وتنهي تركة الترهل

 

جاءت شروط المرحلة الحادية عشرة لتمثل نسفاً حقيقياً لمكتسبات مرحلة الفوضى الإدارية والترهل الرقابي السابقة، والتي كانت تتيح لقلة متلاعبة حجز مساحات جديدة دون سداد الأقساط المستحقة للدولة، وحبس الأموال للمضاربة بها. واجهت الإدارة الحالية هذه الثغرات بحزم تنظيمي غير مسبوق، نص على أنه في حال العدول عن الحجز وطلب استرداد المبالغ، يحق للوزارة استقطاع كامل المتأخرات المالية السابقة للعميل عن أي أصول تابعة للهيئة. 

وبالتوازي مع ذلك، أقرت الوزارة تعديلاً تسعيرياً عادلاً يضيق الفجوة مع السوق، واستحدثت آلية دخول حتى 4 شركاء في القطعة الواحدة بتحويلات مستقلة ومحضر استلام مشترك، بما يتيح للمغتربين الحقيقيين امتلاك أرض بسعر التكلفة الفعلي، معلنة بذلك إسدال الستار على حقبة التسقيع وتكريس دولة القانون والانضباط في المشروعات القومية.