الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

"مش قادرين نستنى أكتر".. صغار ملاك العبور الجديدة يرفعون راية الإنذار: التقنين يتأخر وتكلفة البناء تلتهم المدخرات

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في رسالة تعكس حالة متزايدة من القلق بين صغار ملاك الأراضي في العبور الجديدة، يطالب عدد من أصحاب الأراضي القائمين على ملف التقنين بإعادة النظر في طريقة إدارة الملف، مؤكدين أن الظروف التي بدأ فيها التعامل مع الأراضي لم تعد هي نفسها اليوم، وأن مرور السنوات لم يعد مجرد عامل زمني، وإنما تحول إلى عبء مالي حقيقي مع ارتفاع تكاليف البناء وتغير القدرة الاقتصادية لأصحاب الأراضي، وهو ما يجعل استمرار الانتظار دون جدول زمني واضح سببا في زيادة الضغوط على شريحة من المواطنين الذين يبحثون عن إنهاء أوضاعهم وتقنين ملكياتهم والبدء في استغلالها بشكل قانوني.

 

رسالة من صغار الملاك.. نحتاج إدارة مختلفة

الرسالة التي وصلت من إحدى صغيرات ملاك العبور الجديدة تبدو في ظاهرها مجرد مطالبة بالإسراع في الإجراءات، لكنها في مضمونها تضع يدها على أزمة أكبر تتعلق بطريقة إدارة ملف التقنين نفسه، فصاحبة الرسالة تقول بوضوح إن التصريحات العامة لم تعد كافية، وإن المطلوب حاليا هو الانتقال من مرحلة الكلام عن الملف إلى مرحلة الإجراءات الواضحة التي يستطيع المواطن متابعتها ومعرفة موقعه منها وموعد الانتهاء منها.

وهذا الطرح يعكس احتياجا أساسيا لدى أصحاب الأراضي، وهو وجود مسار مفهوم يمكن للمواطن أن يعرف من خلاله ما المطلوب منه، وما الذي تم إنجازه، وما هي الخطوة التالية، ومتى يمكن أن يصل ملفه إلى نهايته، بدلا من استمرار حالة الانتظار المفتوحة التي تجعل كل عام يمر دون حسم أكثر تكلفة من العام السابق.

 

الزمن لم يعد محايدا

أحد أهم عناصر الأزمة التي تطرحها الرسالة هو عامل الوقت، فالسنوات التي تمر على ملفات التقنين لا تمر بالضرورة دون تكلفة، وإنما يصاحبها ارتفاع مستمر في أسعار مواد البناء وتكاليف العمالة والخدمات وغيرها من المصروفات المرتبطة بالبناء والتشغيل، وبالتالي فإن المواطن الذي كان يستطيع تنفيذ مشروعه أو بناء مسكنه في وقت سابق قد يجد نفسه اليوم أمام تكلفة تفوق قدرته المالية.

ومن هنا يصبح تسريع الإجراءات جزءا من حماية مصالح صغار الملاك، وليس مجرد مطلب إداري، لأن كل تأخير إضافي قد يعني زيادة جديدة في التكلفة المطلوبة لتنفيذ البناء بعد انتهاء إجراءات التقنين، وهو ما قد يدفع بعض المواطنين إلى تأجيل البناء مرة أخرى بسبب عدم قدرتهم على تحمل الفاتورة الجديدة.

 

التصريحات وحدها لم تعد تكفي

الرسالة تحمل أيضا انتقادا واضحا لفكرة الاكتفاء بالتصريحات العامة بشأن ملف التقنين، فالمواطن الذي ينتظر سنوات لا يبحث فقط عن معرفة أن الملف محل اهتمام، وإنما يريد أن يرى أثرا لهذا الاهتمام على أرض الواقع، سواء من خلال قرارات محددة أو خطوات تنفيذية أو جداول زمنية أو آليات واضحة لإنهاء الملفات.

وهنا تظهر أهمية التواصل المؤسسي مع صغار الملاك، لأن غياب المعلومات الدقيقة يفتح الباب أمام الاجتهادات والشائعات ويجعل المواطن غير قادر على تقدير موقفه، بينما يمكن لإعلان مراحل العمل والمتطلبات ومواعيد الإنجاز بصورة واضحة أن يحول حالة الانتظار إلى مسار يمكن متابعته ومحاسبة المسؤولين عنه إداريا.

 

صغار الملاك ليسوا كيانات استثمارية ضخمة

القضية تزداد حساسية عندما يتعلق الأمر بصغار الملاك، لأن التعامل مع جميع الملفات بمنطق واحد قد لا يعكس اختلاف طبيعة أصحاب الأراضي وقدرتهم المالية، فالمواطن الذي يمتلك قطعة أرض ويسعى إلى تقنين وضعها وبناء مسكنه عليها يختلف في إمكاناته واحتياجاته عن الشركات أو الكيانات الاستثمارية الكبيرة.

ومن ثم فإن أي رؤية لإدارة الملف تحتاج إلى مراعاة البعد الاجتماعي والاقتصادي لصغار الملاك، خصوصا عندما يكون التأخير قد امتد لسنوات وأصبح المواطن أمام معادلة صعبة تتمثل في تكلفة تقنين الأرض من ناحية وتكلفة البناء المتزايدة من ناحية أخرى، وهو ما يجعل سرعة الحسم عاملا مؤثرا في قدرة المواطن على تنفيذ التزاماته.

 

المطلوب ليس استثناءات.. وإنما وضوح

الرسالة لا تطرح بالضرورة فكرة تجاوز القواعد أو منح استثناءات خارج الإطار القانوني، وإنما تركز على ضرورة وجود طريقة أكثر سرعة ووضوحا في إدارة الملف، وهو فارق مهم يجب التأكيد عليه، لأن إنهاء ملفات التقنين لا يعني التخلي عن الضوابط، وإنما يعني العمل على تطبيقها بكفاءة وسرعة وعدالة.

فالهدف الذي ينتظره المواطن في النهاية هو معرفة القواعد التي سيحاسب عليها، والمستندات المطلوبة منه، والرسوم أو المقابل المستحق، ومراحل الفحص والاعتماد، وما إذا كان هناك نقص في ملفه أو مانع قانوني يحول دون استكمال الإجراءات، ثم معرفة الموعد المتوقع للانتهاء من معاملته، وهي أمور يمكن أن تقلل مساحة القلق حتى قبل إنهاء الملف بشكل كامل.

 

جدول زمني.. المطلب الأكثر إلحاحا

من بين أبرز المطالب التي تطرحها الرسالة ضرورة وجود جدول زمني واضح لملف التقنين، وهو مطلب يمكن أن يمثل نقطة تحول في طريقة التعامل مع الملف إذا تم تطبيقه بصورة عملية، لأن المواطن عندما يعرف أن ملفه يمر بمراحل محددة يستطيع متابعة موقفه بدلا من الانتظار دون معرفة ما إذا كان هناك تقدم فعلي أم لا.

كما أن وجود جدول زمني داخلي ومعلن للمراحل المختلفة يمكن أن يساعد الجهات المسؤولة نفسها على قياس معدلات الإنجاز وتحديد نقاط التعطل ومعرفة الملفات التي تحتاج إلى تدخل إداري، بدلا من أن يظل حجم الملف مرتبطا فقط بعدد الطلبات المقدمة دون معرفة دقيقة بمراحل إنجازها.

 

كل سنة تأخير تعني فاتورة جديدة

المعادلة التي يطرحها صغار الملاك بسيطة في مضمونها، فكل سنة تمر تعني أن تكلفة البناء التي كان المواطن يتوقعها عند بدء الإجراءات لم تعد هي نفسها، وبالتالي فإن أي تأخير في حسم التقنين ينعكس في النهاية على المواطن الذي قد يجد نفسه أمام مشروع كان يستطيع تنفيذه بتكلفة معينة وأصبح يحتاج إلى أضعافها بعد سنوات.

وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط متى ينتهي ملف التقنين، وإنما كيف يمكن منع استمرار التأخير في المستقبل، وكيف يمكن وضع آلية تضمن ألا تتحول الملفات إلى انتظار مفتوح، لأن المواطن يحتاج إلى أن يعرف أن هناك نهاية واضحة للإجراءات وليست مجرد وعود بتطورات قادمة.

 

تغيير الظروف يستدعي تغيير آليات التعامل

أهم ما تحمله رسالة صغار ملاك العبور الجديدة هو التأكيد على أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تغيرت، وبالتالي فإن آليات إدارة الملفات التي ربما كانت مناسبة في مرحلة سابقة قد تحتاج إلى إعادة تقييم بما يتناسب مع الوضع الحالي، خاصة مع ارتفاع تكاليف البناء وزيادة الأعباء على المواطنين.

ولا يعني ذلك التخلي عن القواعد أو الإجراءات، وإنما يعني البحث عن وسائل أكثر كفاءة لتطبيقها، وتسريع الفحص والمراجعة، وتقليل حلقات الانتظار، وتوفير قنوات واضحة للاستفسار والمتابعة، بما يحقق التوازن بين حق الدولة في تنظيم العمران والحفاظ على مواردها وبين حق المواطن في إنهاء موقفه في إطار زمني معقول.

 

الكرة الآن في ملعب القائمين على ملف التقنين

ملف التقنين في العبور الجديدة يحتاج في المرحلة المقبلة إلى إجابات عملية أكثر من حاجته إلى تصريحات جديدة، وأهم هذه الإجابات تتعلق بعدد الملفات التي تم حسمها، وما تبقى منها، وأسباب تأخر الملفات المتوقفة، والخطوات المطلوبة من أصحابها، والمدة الزمنية المتوقعة لإنهاء كل مرحلة.

وفي النهاية، فإن رسالة صغار الملاك تختصر جوهر الأزمة في جملة واحدة مفادها أن الظروف تغيرت وبالتالي يجب أن تتغير طريقة التعامل مع الملف، فالمواطن الذي انتظر سنوات يحتاج اليوم إلى قرار واضح ومسار معلوم ونهاية محددة، لأن استمرار الانتظار لا يعني فقط تأجيل حلم البناء، وإنما يعني في كثير من الحالات تحمل تكلفة مالية تتزايد يوما بعد يوم.