«بيت الوطن».. من مشروع لتصدير العقار إلى سوق موازية لتجار الأراضي
مشروع «بيت الوطن» يعد أحد أبرز الطروحات التي أطلقتها وزارة الإسكان منذ عام 2012، مستهدفًا بالأساس شريحة المصريين العاملين بالخارج، من خلال إتاحة أراضٍ سكنية لهم مقابل السداد بالعملة الأجنبية، في إطار دعم موارد الدولة من النقد الأجنبي وتعزيز تصدير العقار. ومع توالي المراحل، توسع المشروع ليشمل آلاف القطع في عدد من المدن الجديدة.
غير أن الواقع يكشف عن تحولات لافتة داخل المشروع، دفع موقع “الإسكان 24” إلى فتح ملف ما يصفه متابعون بـ«البزنس المشبوه»، بعد ظهور أنماط تحايل متعددة سمحت بدخول تجار الأراضي إلى سوق يفترض أنه مخصص للمغتربين فقط.
ثغرات في شروط التخصيص
مصدر بوزارة الإسكان كشف أن غياب الضوابط الصارمة في شروط التقديم أتاح مساحة واسعة للتحايل، حيث لم تشترط الوزارة أن يتم تحويل مقدم الحجز من حساب المغترب نفسه، بل سمحت بالتحويل من حسابات أخرى، بل ومن داخل مصر بالدولار، وهو ما فتح الباب أمام استخدام أموال السوق السوداء في التقديم على الأراضي.
هذه الثغرات، بحسب المصدر، ساهمت في انحراف المشروع عن هدفه الأساسي، وهو جذب تحويلات المصريين بالخارج، ليصبح بيئة خصبة لتجارة الأراضي وإعادة بيعها بأسعار مضاعفة.
«الأوفر» يشعل السوق السوداء
وتزايدت مؤشرات المضاربة بشكل واضح عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر إعلانات لبيع قطع «بيت الوطن» مقابل «أوفر» يصل إلى ملايين الجنيهات، وهو ما يعكس وجود سوق موازية نشطة يتحكم فيها سماسرة وتجار أراضٍ.
ويرى متابعون أن عدم ربط التسعير بالقيمة السوقية الفعلية للأراضي ساهم في خلق فجوة استغلها هؤلاء التجار لتحقيق أرباح ضخمة على حساب المستحقين الحقيقيين.
مقترحات لسد الثغرات
المصدر طالب بضرورة إعادة هيكلة آليات الطرح، من خلال تقسيم المدن وفق درجات التميز، ووضع تسعير عادل يعكس القيمة السوقية الحقيقية، مع قصر السداد على نظام «الكاش» المباشر، لمنع التلاعب.
كما شدد على أهمية وضع شرط واضح لإثبات الإقامة الفعلية بالخارج، من خلال تقديم شهادة تحركات تؤكد تواجد المتقدم خارج البلاد بنسبة لا تقل عن 70% خلال العام السابق، لضمان وصول الأراضي إلى الفئة المستهدفة.
المغتربون خارج المعادلة
من جانبه، قال محمد سعيد، المقيم بالكويت، إن المشروع لم يعد يخدم المغتربين بقدر ما يخدم تجار الأراضي، لافتًا إلى أن فتح الباب أمام الشراكات قد يكون حلًا يتيح للمغترب الحصول على وحدة سكنية بدلًا من فقدان الفرصة بالكامل لصالح المضاربين.
فيما أكد خالد محمد تركي، المقيم بالسعودية، أن الشروط الحالية أسهمت في خلق سوق سوداء واسعة، يتحكم فيها كبار التجار، مستغلين ثغرات التحويلات وعدم الرقابة الكافية.
سماسرة بالخارج وشراء بثمن بخس
وكشف عن لجوء بعض التجار إلى تجنيد سماسرة في دول عربية، لاستهداف المصريين العاملين بالخارج، وإقناعهم بالتقديم على الأراضي مقابل مبالغ محدودة، ليتم لاحقًا إعادة بيع هذه القطع بأضعاف قيمتها داخل مصر، وهو ما يكرس ظاهرة «تسقيع الأراضي».
مطالب بإصلاح شامل
ودعا متابعون إلى إطلاق استبيان رسمي لحصر الراغبين الحقيقيين من المصريين بالخارج، يتضمن بيانات دقيقة حول القدرة المالية وسوابق التخصيص، مدعومة بمستندات بنكية من الخارج، مع طرح الأراضي بنظام القرعة بين المستحقين الفعليين.
كما طالبوا بمراجعة تخصيصات بعض المراحل، خاصة المرحلة العاشرة، في ظل ما أثير حول تمرير تحويلات مخالفة، مع ضرورة وضع قواعد جديدة أكثر صرامة لضبط السوق، ومنع استغلال المشروع في المضاربة.
بين الهدف والانحراف
وبينما كان «بيت الوطن» يستهدف دعم الاقتصاد عبر جذب العملة الصعبة وتوفير سكن للمغتربين، تشير الوقائع إلى أن غياب الرقابة المحكمة فتح الباب أمام تحوله إلى سوق استثمارية غير منظمة، تتطلب تدخلاً عاجلاً لإعادة ضبط مسارها وتحقيق العدالة في توزيع الفرص.