الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

هاني أبو زيد يكتب: راندة المنشاوي وثورة التصحيح.. حين ينتصر "الحسم الإداري" لهيبة الدولة وحقوق المواطن

راندة المنشاوي وثورة
راندة المنشاوي وثورة التصحيح

حين تُسند إدارة الأزمات الكبرى إلى عقول صاغتها الميادين لا المكاتب، تسقط سياسات الأيدي المرتعشة وتتوارى المواءمات العقيمة لتحل محلها لغة واحدة: لغة القرار الحاسم. هذا التوصيف الدقيق هو المدخل الحقيقي لقراءة ما يجري اليوم داخل وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، حيث لم تكتفِ المهندسة راندة المنشاوي منذ تسلمها حقيبة الوزارة بفتح الملفات الشائكة التي تراكم عليها الغبار في عهد الإدارة السابقة، بل خاضت معركة تطهير شاملة قوامها فرض هيبة القانون، وتفكيك شبكات المصالح والمضاربات، وإعادة الاعتبار للبعد الإنساني والخدمي في قطاع يمس العصب المباشر لحياة ملايين المصريين.

لم يكن اختيار المنشاوي لهذه المهمة وليد الصدفة، بل نتاج مسار تدرج مهني متفرد بدأ داخل أروقة الوزارة منذ عام 1998 حتى منصب نائب الوزير، وصولاً إلى موقع المساعد الأول لرئيس مجلس الوزراء لشؤون المتابعة؛ وهو الموقع الذي منحها إشرافاً مباشراً على كبرى المشروعات القومية كالعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة ومحطات المياه العملاقة. هذا الجمع الفريد بين الرؤية الاستراتيجية والمعايشة الميدانية الدقيقة مكنها من دخول ديوان الوزارة ببوصلة واضحة لمواطن الخلل، وإرادة نافذة لبتر الفساد الإداري دون تردد.

وسرعان ما تجلى هذا النهج في حزمة قرارات تنظيمية جريئة أعادت ترتيب "البيت من الداخل"؛ وكان أبرزها الإطاحة بمسؤولين تنفيذيين بارزين بقطاع الشؤون العقارية والتجارية بهيئة المجتمعات العمرانية ونقلهم إلى مواقع هامشية لإنهاء تجاوزات استمرت لسنوات، كرسالة قاطعة بأنه لا أحد فوق الحساب. وتزامن ذلك مع تحرك رقابي نوعي في التجمع الخامس بوقف التعامل مؤقتاً على نحو 250 قطعة أرض بمشروع "بيت الوطن" بالنرجس الجديدة، لتجفيف منابع التلاعب في التحصيل الدولاري وحماية حقوق المشترين الجادين من فوضى البيع المتعدد وتلاعب سماسرة الأراضي.

ولأن تصحيح المسار لا يكتمل إلا بعدالة اجتماعية نافذة، أحدثت الوزيرة اختراقاً حقيقياً في منظومة السكن عبر إحياء وتوسيع برنامج "الإيجار التمليكي"؛ وهو المسار التمويلي الذي مثل طوق نجاة عملياً لمحدودي الدخل والشباب العاجزين عن سداد المقدمات الفورية، حيث يتيح استئجار الوحدات مع خصم نسبة من الإيجار كأقساط ملكية تؤول في النهاية للمستفيد. وواكب هذا الطرح فتح ملف الوحدات السكنية المغلقة واستغلالها، مع إقرار تسهيلات واسعة شملت إعادة جدولة متأخرات عملاء الإسكان الاجتماعي وإلغاء غرامات التأخير التراكمية، صوناً للأسر من مخاطر سحب الوحدات.

وعلى خطى مأسسة السوق، شكلت ثنائية الوزيرة مع ذراعها التنفيذي الدكتور وليد عباس، نائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية، نموذجاً لتفكيك التعقيدات وضبط الأسعار ومنح المغتربين مرونة الشراكة الرباعية في القطعة الواحدة، إلى جانب الدفع بمشروع قانون "اتحاد المطورين العقاريين" لغربلة السوق وتصنيف الشركات وضمان حقوق المتعاقدين تمهيداً لتصدير العقار المصري عالمياً.

مواجهة ظاهرة "مسؤولي اللقطة"

واكتملت ملامح التغيير بدفن ظاهرة "مسؤولي اللقطة" والنزول للميدان لإنهاء أزمات المرافق والكهرباء والتقنين في مدن أكتوبر وبدر والعاشر، بالتوازي مع إعادة هيكلة شاملة لشركات مياه الشرب والصرف الصحي وصيانة المدن الجديدة، لتحويلها إلى أذرع خدمية منتجة تحمي ثروة مصر العقارية. إن ما تنجزه وزيرة الإسكان اليوم يرسخ حقيقة واضحة: حين تجتمع الإرادة السياسية الصلبة مع الكفاءة الميدانية المجربة، تتحول التركات الثقيلة إلى قلاع للإصلاح وبناء المستقبل.