الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

استغلال قرارات الرئيس للضغط على المطورين.. «صافية» تكشف الوجه الآخر لأزمة «ذا شور»: 600 عميل تم تسكينهم.. وعقود مزورة تتحول إلى أداة للضغط على «الكازار»

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في الوقت الذي وجهت فيه الدولة بفتح ملفات السوق العقارية ومراجعة مواقف الشركات والتأكد من التزامها بحقوق العملاء، برز على الجانب الآخر وجه مختلف للمشهد، يتمثل في محاولات استغلال هذه الإجراءات للضغط على مطورين دخلوا مشروعات قائمة بالفعل، وتحملوا مسؤولية استكمالها وتوفيق أوضاع العملاء المرتبطين بها.

القضية هنا لا تتعلق بمطور يرفض تنفيذ تعاقداته، ولا بشركة باعت وحدات ولم تلتزم بتسليمها، وإنما بملف أكثر تعقيدًا يتعلق بتغيير الجهة المطورة للمشروع، ووجود تعاقدات قديمة أبرمت مع الشركة السابقة، ثم محاولة تحميل المطور الجديد التزامات لم يكن طرفًا فيها من الأساس.

ويبرز مشروع «ذا شور» سابقًا و«صافية» حاليًا بالساحل الشمالي كأحد الملفات التي تكشف هذه الإشكالية، بعدما انتقلت مسؤولية تطوير المشروع إلى شركة «الكازار»، التي بدأت التعامل مع المشروع في مرحلة جديدة، وسط وجود عدد من المستندات والعقود القديمة التي تعود إلى الشركة السابقة.

«الكازار» دخلت المشروع.. وعقود قديمة كانت موجودة بالفعل

عندما بدأت شركة «الكازار» تطوير مشروع «صافية»، لم تدخل إلى أرض خالية من أي تعاقدات، وإنما وجدت أمامها ملفًا سابقًا يضم تعاقدات أبرمت في مراحل سابقة مع الشركة التي كانت تتولى المشروع قبل انتقاله إليها.

وبحسب المعلومات المتاحة وموقف الشركة، فإن جانبًا من هذه التعاقدات كان مرتبطًا بشركة «مراسينا للاستثمار»، المالكة السابقة للمشروع، وهو ما يعني أن أصحاب هذه العقود كانت لهم علاقة تعاقدية مع الجهة السابقة، وليس مع «الكازار».

وهنا تكمن جوهر القضية.

«الكازار» لم تكن طرفًا في هذه العقود، ولم تبرمها، ولم تحصل على أموال أصحابها باعتبارها الجهة البائعة لهم، وبالتالي فإن مجرد وجود عقد قديم مع الشركة السابقة لا ينشئ في حد ذاته علاقة تعاقدية مباشرة مع المطور الحالي.

وهذه النقطة تبدو شديدة الأهمية لفهم ما جرى داخل المشروع بعيدًا عن حالة الجدل التي قد تصنعها مواقع التواصل.

المطور الجديد أمام ملف قديم

دخول مطور جديد إلى مشروع قائم يفرض بطبيعته عملية معقدة لإعادة ترتيب الملفات، ومراجعة التعاقدات، وتحديد العملاء الذين ثبتت مراكزهم القانونية، والتأكد من الالتزامات التي انتقلت بالفعل إلى الجهة الجديدة.

وبحسب ما تؤكده «الكازار»، فإن الشركة تعاملت مع هذا الملف منذ البداية على أساس المستندات والمراكز القانونية، ولم تغلق الباب أمام أصحاب الحقوق الذين ثبتت صحة تعاقداتهم.

بل على العكس، تشير المعلومات التي حصل عليها «الإسكان 24» إلى أن الشركة قامت بتوفيق أوضاع أصحاب الحقوق، ورد الحقوق في الحالات التي استوجبت ذلك، وتفعيل القرار الوزاري الخاص بالمشروع، وبدأت أعمال التطوير، وصولًا إلى تسكين نحو 600 عميل ممن ثبتت صحة مراكزهم القانونية.

وهنا يظهر فارق جوهري بين من كان لديه حق تعاقدي قابل للإثبات، وبين من يحمل عقدًا قديمًا مع جهة أخرى ويريد استخدامه في مواجهة شركة لم تكن طرفًا فيه.

600 عميل.. والفيصل كان المستند

تسكين نحو 600 عميل، وفقًا لما تؤكده الشركة، يمثل نقطة مهمة في فهم طريقة تعامل «الكازار» مع الملف.

فلو كانت الشركة تتبنى موقفًا يقوم على تجاهل جميع التعاقدات السابقة، كما قد يوحي البعض، لما كان هناك مجال لتوفيق أوضاع مئات العملاء وتسليمهم وحداتهم.

لكن ما جرى، بحسب رواية الشركة، هو فرز التعاقدات وتحديد أصحاب الحقوق والتعامل معهم وفق المراكز القانونية الخاصة بكل حالة.

وهذه هي القاعدة التي يجب أن تحكم مثل هذه الملفات: لا العقد القديم وحده يكفي، ولا اسم الشركة المكتوب عليه يكفي، وإنما يجب معرفة أطراف العقد، وطبيعته، وما إذا كانت الالتزامات قد انتقلت إلى المطور الجديد، وما إذا كان هناك سند قانوني يلزمه بتنفيذها.

عندما تتحول العقود القديمة إلى «سلاح» على فيسبوك

المشكلة تبدأ عندما تخرج مستندات من سياقها القانوني وتتحول إلى مادة للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي.

فصور العقود القديمة يمكن أن تنتشر خلال دقائق، ويُقدمها البعض باعتبارها إثباتًا نهائيًا للملكية، دون توضيح الجهة التي أبرمت العقد، أو موقف الأرض في وقت التعاقد، أو ما إذا كانت الالتزامات انتقلت إلى المطور الحالي من عدمه.

وهنا تحذر مصادر مطلعة من خطورة أن تتحول مواقع التواصل إلى ساحة لإصدار أحكام مسبقة على الشركات والمطورين، خصوصًا عندما يجري تداول مستندات محل نزاع باعتبارها حقائق نهائية.

والأكثر خطورة، بحسب ما تؤكده الشركة، هو ظهور عقود ومستندات تصفها بأنها غير صحيحة أو «مضروبة»، واستخدامها في محاولة الضغط على المطور للحصول على وحدات أو مزايا لا تستند إلى علاقة تعاقدية مباشرة معه.

وبالطبع، فإن وصف أي مستند بأنه مزور أو غير صحيح يظل مسألة تحتاج إلى إثبات من الجهات المختصة، لكن مجرد وجود هذا النوع من المستندات المتنازع عليها يفرض ضرورة فحصها بعيدًا عن منصات التواصل.

«الكازار» لا تربطها علاقة تعاقدية بهؤلاء

وتؤكد الشركة أن النقطة الأساسية في موقفها هي أن الأشخاص الذين يستندون إلى عقود أبرموها مع الشركة السابقة لا تربطهم بها علاقة تعاقدية مباشرة.

فـ«الكازار» لم تكن البائع في تلك التعاقدات، ولم تكن الشركة التي حصلت منهم على مقدمات الحجز، ولم تكن طرفًا في العقود التي يستند إليها هؤلاء.

ومن ثم، فإن تحميل الشركة الحالية التزامات مباشرة بموجب تعاقدات لم تكن طرفًا فيها يحتاج إلى سند قانوني واضح يثبت انتقال تلك الالتزامات إليها، وليس مجرد صورة عقد قديم يتم تداولها عبر «فيسبوك».

وهنا يجب أن تكون القاعدة واحدة للجميع: إذا كان العقد القديم يرتب حقًا قانونيًا انتقل إلى المطور الجديد، فيجب احترامه وتنفيذه، وإذا لم ينتقل أو لم يكن منتجًا لآثار في مواجهة المطور الحالي، فلا يجوز تحويله إلى وسيلة لإجباره على منح وحدة أو تحمل التزام لم ينشأ معه.

من «حماية العملاء» إلى «ركوب الموجة»

تأتي هذه القضية في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للسوق العقارية، بعدما أكدت الدولة أن حماية المواطنين ومراجعة التزام المطورين أصبحت أولوية.

لكن هذه الرسالة، بحسب مصادر مطلعة، يجب ألا تُقرأ باعتبارها ضوءًا أخضر لأي شخص يريد استخدام اسم حماية العملاء في الضغط على الشركات.

الرئيس وجه بمحاسبة المطور غير الملتزم، وليس بإدانة كل مطور لمجرد وجود خلاف حول عقد قديم.

والفرق كبير بين الأمرين.

فالمطور الذي أخذ أموال المواطنين ولم ينفذ التزاماته يجب أن يخضع للمحاسبة، أما المطور الذي دخل مشروعًا قائمًا وتعامل مع أصحاب الحقوق وسكن مئات العملاء، فلا يمكن وضعه في الخانة نفسها لمجرد أن هناك أشخاصًا يحملون مستندات مرتبطة بالشركة السابقة.

«فيسبوك» لا يصنع ملكية.. والعقد لا يفرض التزامًا على غير طرفه تلقائيًا

الملف يكشف أيضًا مشكلة أوسع في السوق العقارية، وهي التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها ساحة لإثبات الحقوق.

قد يكتب شخص منشورًا، ويرفق صورة عقد، ثم تنتشر القصة على نطاق واسع، ويتحول الأمر خلال ساعات إلى قضية رأي عام، رغم أن المستند نفسه قد يحتاج إلى مراجعة أطرافه وتاريخه وتسلسل الملكية والالتزامات الناشئة عنه.

وهنا يجب الفصل بين حق المواطن في التعبير عن شكواه، وبين اعتبار ما ينشره حقيقة قانونية نهائية.

فالملكية لا تثبت بعدد المشاركات، والعقد لا يصبح ملزمًا لشركة لم تكن طرفًا فيه لمجرد تداوله على مواقع التواصل، كما أن المطور لا يصبح مدانًا لمجرد أن اسمه ظهر في منشور.

«صافية».. نموذج لاختبار العدالة في السوق العقارية

ما يحدث في «صافية» يطرح اختبارًا مهمًا للمرحلة الجديدة التي تشهدها السوق العقارية.

الدولة تريد حماية العملاء، وهذا حق أصيل لا خلاف عليه، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى حماية السوق من أي محاولة لاستغلال قراراتها أو توجيهاتها لتحقيق مكاسب خارج إطار القانون.

والعدالة هنا يجب أن تكون في الاتجاهين.

العميل صاحب الحق يحصل على وحدته، والمطور الملتزم لا يتحمل تعاقدات لم يكن طرفًا فيها، ومن يثبت استخدامه مستندات غير صحيحة للضغط أو الحصول على وحدة دون سند، يتحمل مسؤوليته القانونية.

وفي حالة «صافية»، تؤكد الشركة أنها لم تتعامل بمنطق إغلاق الباب أمام أصحاب التعاقدات السابقة، وإنما قامت بمراجعة المراكز القانونية وتسكين من ثبتت أحقيتهم، حتى وصل العدد إلى نحو 600 عميل.

أما من يستندون إلى عقود قديمة أبرموها مع «مراسينا للاستثمار»، فالنقطة التي تتمسك بها «الكازار» واضحة: لا توجد بينها وبين هؤلاء علاقة تعاقدية مباشرة، وأي التزام عليها تجاههم لا بد أن يستند إلى سند قانوني يثبت انتقال هذه الحقوق والالتزامات إليها.

وفي النهاية، فإن توجيهات الرئيس بحماية العملاء يجب أن تظل موجهة إلى إعادة الحق لصاحبه الحقيقي، لا إلى منح قوة إضافية لأي شخص يملك القدرة على صناعة ضجة إلكترونية أو نشر عقد قديم.

فالسوق العقارية لن تستقيم فقط عندما يخشى المطور غير الملتزم من القانون، وإنما أيضًا عندما يعرف الجميع أن الحق لا يثبته «فيسبوك»، ولا تصنعه الضغوط، وإنما يحسمه العقد الصحيح والمستند الرسمي والقانون.