«الإسكان في عهد السيسي» | من الدويقة إلى الأسمرات.. الحكاية الكاملة لمعركة الرئيس ضد العشوائيات
سلسلة الإسكان في عهد الرئيس السيسي | لم تكن واحدة من أكبر معارك العمران في مصر هي بناء الأبراج الشاهقة أو شق الطرق الجديدة أو إقامة المدن الحديثة على امتداد الصحراء، وإنما كانت المعركة التي جرت في قلب المناطق التي عاش فيها ملايين المصريين لسنوات طويلة وسط مبان متهالكة وممرات ضيقة ومخاطر تهدد الحياة، في مشهد جعل ملف العشوائيات والمناطق غير الآمنة واحدا من أكثر الملفات تعقيدا أمام الدولة المصرية.
ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، دخل هذا الملف مرحلة مختلفة من حيث حجم الاهتمام السياسي واتساع نطاق التدخل، فلم يعد التعامل مع المناطق غير الآمنة مقتصرا على إزالة مبنى مهدد أو نقل عدد من الأسر إلى وحدات بديلة، وإنما اتجهت الدولة إلى إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة تستهدف توفير السكن والخدمات والمرافق والمساحات العامة، في محاولة لنقل السكان من بيئة تفرض عليهم مخاطر يومية إلى بيئة أكثر أمانا وتنظيما.
ومن هنا تأتي هذه الحلقة من سلسلة «الإسكان في عهد الرئيس السيسي»، لتتوقف أمام واحدة من أهم محطات التحول العمراني في مصر، وهي الانتقال من معالجة المناطق الخطرة إلى بناء مجتمعات سكنية بديلة، وكيف تحولت قضية السكن من ملف عقاري إلى قضية ترتبط بالأمان الاجتماعي والصحة والتعليم وفرص العمل وكرامة المواطن.
من أزمة عمرها عقود إلى ملف على رأس الأولويات
لم تظهر أزمة المناطق العشوائية وغير الآمنة في يوم وليلة، وإنما تشكلت عبر سنوات طويلة بفعل النمو السكاني السريع، والتوسع غير المخطط، وضغوط الهجرة الداخلية، وارتفاع الطلب على السكن، إلى جانب محدودية قدرة قطاعات واسعة من المواطنين على الحصول على مسكن ملائم داخل المناطق المخططة.
وفي عدد من المناطق، لم تكن المشكلة في غياب التخطيط العمراني وحده، بل وصلت إلى تهديد مباشر لحياة السكان، سواء بسبب عدم استقرار الكتل الصخرية أو تدهور المباني أو وجود مساكن في مواقع لا تتوافر فيها شروط الأمان، وهو ما جعل الحلول الجزئية غير كافية للتعامل مع أزمة بهذا الحجم والتعقيد.
ومع اتساع تدخل الدولة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، أصبح التعامل مع المناطق غير الآمنة جزءا من تصور أشمل للتنمية العمرانية، يقوم على أن المواطن لا يمكن أن يستفيد بصورة كاملة من مشروعات التنمية الكبرى إذا كان لا يزال يعيش في مسكن يهدد حياته أو يفتقر إلى الخدمات الأساسية.

التوجيه الرئاسي.. السكن الآمن قبل الصورة العمرانية
أحد أهم التحولات في هذا الملف تمثل في توسيع مفهوم التطوير، بحيث لا تكون النتيجة مجرد إزالة مبان قديمة أو تغيير شكل الشوارع، وإنما توفير بديل سكني مناسب للأسر المتضررة، مع مراعاة احتياجاتها المعيشية والاجتماعية.
وتبرز هنا أهمية التوجيهات الرئاسية التي دفعت باتجاه التعامل مع المناطق غير الآمنة باعتبارها قضية تتعلق بحياة المواطنين، وليس مجرد ملف فني داخل أجهزة التخطيط أو المحليات، فكل منطقة يجري تطويرها تتطلب تحديد طبيعة الخطر، وحصر الأسر، وتوفير البديل، وتنظيم عملية الانتقال، ثم استكمال الخدمات التي تجعل المسكن الجديد صالحا للحياة اليومية.
وهذا النوع من التدخل لا يقاس بعدد المباني التي تمت إزالتها فقط، بل بقدرة الدولة على ضمان ألا ينتقل المواطن من مشكلة إلى أخرى، وألا يتحول توفير الوحدة السكنية إلى نهاية للمشروع قبل اكتمال الخدمات والأنشطة التي يحتاج إليها السكان.
الأسمرات وروضة السيدة وبشاير الخير.. نماذج غيرت شكل التدخل
أصبحت مشروعات مثل الأسمرات وروضة السيدة وبشاير الخير والمحروسة وأهالينا من أبرز النماذج التي ارتبطت بملف تطوير المناطق غير الآمنة ونقل السكان إلى مجتمعات سكنية أكثر تنظيما، وقدمت هذه المشروعات صورة مختلفة عن التعامل مع أزمة السكن في المناطق شديدة الخطورة.
فبدلا من الاكتفاء بإخلاء المناطق المهددة، اتجهت الدولة إلى إنشاء وحدات سكنية بديلة داخل تجمعات تضم مباني منظمة وشبكات للمرافق وطرق وصول وخدمات متنوعة، مع اختلاف طبيعة الخدمات والتجهيزات من مشروع إلى آخر.
وتكشف هذه النماذج عن تحول مهم في فلسفة التطوير، لأن نقل الأسرة إلى مسكن أكثر أمانا يمثل الخطوة الأولى فقط، بينما تتعلق الخطوة التالية بقدرة المجتمع العمراني الجديد على توفير احتياجات السكان اليومية، من التعليم والرعاية الصحية والتسوق إلى الأنشطة الرياضية والاجتماعية.
لكن نجاح أي تجربة من هذا النوع يظل مرتبطا بمدى استدامة الخدمات وجودتها، وقدرة السكان على التكيف مع البيئة الجديدة، وتوفير فرص حقيقية للعمل والحركة، وهي جوانب لا تقل أهمية عن جودة البناء والتشطيب.

وزارة الإسكان.. من تنفيذ الوحدات إلى بناء مجتمع متكامل
في قلب هذه المعركة تقف وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، بالتعاون مع الجهات الحكومية والتنفيذية المعنية، حيث تتداخل مسؤوليات التخطيط والتصميم وتوفير الأراضي وتنفيذ الوحدات ومد شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق، إلى جانب التنسيق بشأن الخدمات العامة.
وهنا تظهر الطبيعة المركبة للمشروع، فبناء آلاف الوحدات لا يعني بالضرورة بناء مجتمع ناجح، لأن المدينة أو المنطقة السكنية تحتاج إلى شبكة متكاملة من الخدمات، كما تحتاج إلى إدارة وصيانة ومتابعة مستمرة بعد انتقال السكان إليها.
ومن ثم فإن تقييم دور وزارة الإسكان في هذا الملف لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الوحدات التي تم إنشاؤها، بل يجب أن يمتد إلى جودة التنفيذ، وسرعة استكمال المرافق، وتوافر الخدمات الأساسية، وقدرة الجهات المسؤولة على التعامل مع ملاحظات السكان بعد التسليم.
وتزداد أهمية هذه الجوانب عندما يتعلق الأمر بأسر انتقلت من مناطق كانت تعاني بالفعل من نقص الخدمات، إذ يصبح المطلوب ألا يتكرر الحرمان بصورة جديدة داخل المجتمع البديل، وإنما أن تتحول عملية النقل إلى بداية فعلية لتحسن ظروف المعيشة.
معركة لا تنتهي بتسليم المفتاح
من أكثر الأخطاء التي يمكن الوقوع فيها عند تقييم مشروعات بدائل العشوائيات اختزال النجاح في لحظة تسليم الوحدة السكنية، لأن انتقال الأسرة إلى المسكن الجديد لا ينهي جميع التحديات التي تواجهها.
فالمواطن يحتاج إلى وسيلة انتقال مناسبة، ومدرسة قريبة، وخدمة صحية متاحة، ومنافذ للحصول على احتياجاته اليومية، كما يحتاج إلى فرص عمل أو مصادر دخل يمكن الوصول إليها من محل سكنه الجديد، وإلا فقد يتحول البعد الجغرافي عن أماكن العمل والخدمات إلى عبء إضافي على الأسرة.
ولهذا فإن المرحلة الأكثر حساسية تبدأ بعد انتقال السكان، عندما يصبح المطلوب إدارة المجتمع السكني والحفاظ على المرافق العامة، وضمان استمرارية الخدمات، والتعامل مع المشكلات اليومية التي تظهر مع الاستخدام الفعلي للمكان.
ومن هنا تبرز أهمية التنسيق بين وزارة الإسكان والمحافظات والجهات الخدمية والاجتماعية، لأن بناء المجتمع الجديد مسؤولية مشتركة لا يمكن أن تتحملها جهة واحدة بمفردها.
إعادة بناء الإنسان.. البعد الذي يتجاوز الخرسانة
العمران ليس جدرانا وأسقفا وطرقا فقط، وإنما هو البيئة التي تتشكل داخلها حياة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية وفرصه في التعلم والعمل والحركة، ولهذا فإن تطوير المناطق غير الآمنة يحمل بعدا اجتماعيا يتجاوز المعالجة الهندسية المباشرة.
فالعيش في منطقة مهددة أو محرومة من الخدمات يمكن أن يضاعف الأعباء اليومية على الأسرة، بينما يتيح المسكن الأكثر أمانا فرصة أفضل للاستقرار، بشرط أن تصاحبه خدمات مناسبة وسياسات تساعد السكان على الاندماج في المجتمع الجديد.
لكن إعادة بناء الإنسان لا تتحقق بمجرد تغيير عنوان السكن، وإنما تحتاج إلى برامج مستمرة للتعليم والتدريب والتمكين الاقتصادي ورعاية الأطفال والشباب، إلى جانب توفير مساحات عامة آمنة تسمح بممارسة الأنشطة الاجتماعية والرياضية.
وهنا يصبح التحدي الحقيقي هو تحويل المجتمعات البديلة من تجمعات سكنية إلى أماكن تتوافر فيها مقومات الحياة الكريمة، ويشعر سكانها بأنهم جزء من مشروع تنمية مستدامة، وليسوا مجرد مستفيدين من عملية نقل سكني.
بين الإنجاز والتحدي.. كيف نقيس نجاح التجربة؟
لا شك أن نقل السكان من مناطق تمثل خطرا على حياتهم إلى مساكن أكثر أمانا يمثل تدخلا مهما في ملف اجتماعي وعمراني شديد التعقيد، لكن القراءة المهنية لهذا الملف تقتضي التمييز بين حجم ما تم إنجازه وبين التحديات التي تحتاج إلى متابعة مستمرة.
فالنجاح لا يقاس بعدد الوحدات التي بنيت فقط، وإنما أيضا بعدد الأسر التي استقرت بالفعل، وجودة الخدمات التي تحصل عليها، ومدى توافر وسائل النقل، وكفاءة الصيانة، وقدرة المجتمع الجديد على توفير ظروف معيشية مناسبة على المدى الطويل.
كما أن نشر بيانات واضحة عن أعداد المناطق التي جرى تطويرها، والأسر التي انتقلت إلى مساكن بديلة، وتكلفة المشروعات، ومستوى الخدمات بعد التسليم، يتيح للرأي العام تقييم النتائج بصورة أكثر دقة، ويساعد الجهات التنفيذية على تحديد جوانب القوة ومواطن القصور.
وهذا لا ينتقص من قيمة ما تحقق، بل يجعل الإنجاز قابلا للتقييم والتطوير، ويحول التجربة من مشروعات منفصلة إلى سياسة عامة يمكن قياس نتائجها وتحسينها مع مرور الوقت.
من تطوير المناطق الخطرة إلى بناء مستقبل عمراني مختلف
تكشف تجربة تطوير المناطق غير الآمنة عن جانب مهم من التحول العمراني الذي شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد خريطة الإسكان مقتصرة على إنشاء مدن جديدة في الصحراء أو إقامة تجمعات سكنية على أطراف المحافظات، وإنما امتدت إلى معالجة أوضاع قائمة داخل الكتل العمرانية القديمة.
وفي هذا المعنى، تتكامل مشروعات تطوير المناطق غير الآمنة مع مشروعات المدن الجديدة وتوفير الإسكان الاجتماعي وتوسيع شبكات المرافق، لأنها جميعا تتعامل مع سؤال واحد من زوايا مختلفة: كيف يمكن توفير بيئة عمرانية أكثر أمانا وقدرة على استيعاب احتياجات السكان؟
لكن استدامة هذا التحول تظل مرتبطة باستمرار المتابعة، وتطوير الخدمات، وإتاحة فرص العمل، وحماية حقوق السكان، والتأكد من أن كل مجتمع جديد قادر على أداء وظيفته العمرانية والاجتماعية والاقتصادية.
عندما تصبح كرامة المواطن معيارا للتنمية
في النهاية، فإن قصة تطوير المناطق غير الآمنة ليست مجرد فصل في تاريخ البناء المصري، بل هي اختبار لقدرة الدولة على تحويل التخطيط إلى أثر مباشر في حياة الناس، وعلى الربط بين المشروعات العمرانية الكبرى والاحتياجات اليومية للأسر.
وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، أصبح هذا الملف واحدا من الملفات البارزة في سياسة الدولة العمرانية، من خلال مشروعات استهدفت نقل السكان من مناطق الخطورة إلى مجتمعات أكثر أمانا وتنظيما، مع بقاء تحديات الخدمات والاستدامة والتمكين الاقتصادي جزءا من معادلة النجاح.
وهنا تتجلى الفكرة الأساسية لسلسلة «الإسكان في عهد الرئيس السيسي»: أن قيمة أي مشروع لا تتحدد بحجم الخرسانة التي أضيفت إلى خريطة مصر، وإنما بما يقدمه من أمان وفرص وخدمات وحياة أفضل للمواطن، فالمبنى قد يغير شكل المكان، أما العمران الحقيقي فيبدأ عندما يغير المكان حياة الإنسان إلى الأفضل.