بين قرارات السحب والتسوية.. أين تضيع حقوق آلاف الملاك في أزمات المشروعات العقارية؟
لم تعد أزمة تعثر بعض المشروعات العقارية مجرد خلاف تعاقدي بين جهة إدارية ومطور عقاري، بل تحولت إلى ملف يمس آلاف الأسر التي دفعت مدخرات عمرها أملاً في امتلاك منزل أو استثمار آمن، لتجد نفسها في النهاية خارج معادلة الحقوق، بينما تتبادل الأطراف الأخرى الإجراءات والقرارات.
في عدد من المشروعات، يبدأ المشهد بتخصيص قطعة الأرض للمطور، ثم تبدأ عمليات التسويق والبيع للمواطنين، ويتم تحصيل ملايين الجنيهات من المشترين. وبعد سنوات من التعثر أو الإخلال بشروط التعاقد، تتخذ الجهات المختصة قرارًا بسحب الأرض، ثم تبدأ مرحلة التسويات، وقد تنتهي بإلغاء التسوية أو العودة إلى نقطة الصفر.
وبين كل هذه المراحل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا عن الملاك الذين سددوا أموالهم؟
المواطن الحلقة الأضعف
في كثير من الحالات، تسترد جهة الولاية الأرض أو تحصل على مستحقاتها المالية، بينما يكون المطور قد سبق وحصل على أموال المشترين. أما المواطن، فيجد نفسه عالقًا بين دعاوى قضائية وإجراءات إدارية قد تمتد لسنوات، دون أن يتسلم وحدة سكنية أو يسترد أمواله بسهولة.
ويؤكد متابعون للقطاع أن الأزمة لا تقتصر على مشروع واحد، وإنما تتكرر بصور مختلفة في عدد من المدن الجديدة، وهو ما يثير تساؤلات حول آليات حماية حقوق المشترين عند تعثر المشروعات.
أزمة تتجاوز حدود النزاع التعاقدي
يرى متخصصون أن العلاقة التعاقدية بين الدولة والمطور تختلف عن العلاقة بين المطور والمشتري، لكن غياب حلول سريعة يجعل المواطن هو الطرف الأكثر تضررًا، رغم أنه لم يكن طرفًا في أسباب النزاع الأصلي.
كما أن استمرار هذه الملفات دون حسم ينعكس سلبًا على ثقة المواطنين في السوق العقارية، ويؤثر على مناخ الاستثمار، خاصة عندما يشعر المشترون بأن استرداد حقوقهم قد يستغرق سنوات طويلة.
الحاجة إلى منظومة لإدارة الأزمات
ويطالب عدد من الخبراء بوجود آلية مؤسسية لإدارة أزمات المشروعات المتعثرة، بحيث لا يقتصر التعامل على سحب الأرض أو إنهاء التعاقد مع المطور، وإنما يمتد إلى وضع حلول تحافظ على حقوق المشترين، سواء من خلال استكمال المشروع، أو نقله إلى مطور آخر، أو وضع آلية واضحة للتعويض أو رد الأموال.
ويرون أن نجاح الدولة في تنظيم السوق العقارية لا يقتصر على طرح الأراضي أو جذب الاستثمارات، وإنما يشمل أيضًا القدرة على حماية المتعامل النهائي، وهو المواطن.
أسئلة تنتظر إجابات
وتبقى عدة تساؤلات مطروحة داخل القطاع العقاري:
- من يتحمل مسؤولية تعويض المشترين عند تعثر المشروع؟
- هل توجد آلية تضمن عدم بيع وحدات في مشروعات معرضة لمخاطر قانونية أو مالية؟
- كيف يمكن تقليل مدة التقاضي والتسويات بما يحفظ حقوق جميع الأطراف؟
- وهل تحتاج المنظومة الحالية إلى تشريعات أكثر وضوحًا لحماية المشترين؟
ويبقى المؤكد أن أي معالجة مستقبلية لهذه الأزمات ينبغي أن تحقق توازنًا بين الحفاظ على حقوق الدولة، وضمان استقرار الاستثمار، وعدم ترك آلاف الأسر وحدها تتحمل تبعات نزاعات لم تكن طرفًا في نشأتها، بما يعزز الثقة في السوق العقارية ويحافظ على استقرارها.