الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

السوق العقاري أمام اختبار صعب.. مطالب بإعادة ضبط العلاقة بين المطور والمشتري وإنشاء «هيئة قومية للأملاك والاستثمار العقاري»

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

يواجه السوق العقاري المصري خلال السنوات الأخيرة مجموعة من التحديات المتشابكة التي لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار أو صعوبة الحصول على وحدة سكنية، وإنما امتدت إلى طبيعة العلاقة بين المطور والمشتري، وآليات إعادة البيع، وفسخ التعاقدات، وارتفاع تكلفة التمويل، فضلًا عن تعثر بعض المشروعات وما يترتب عليه من أعباء يتحملها المواطن.

وتكشف قراءة المشهد العقاري عن وجود شرائح مختلفة تتعامل مع السوق لأهداف متعددة؛ فهناك المواطن الباحث عن مسكن، والراغب في اقتناء وحدة مصيفية، والمشتري الذي ينظر إلى العقار باعتباره استثمارًا يحافظ من خلاله على قيمة مدخراته في مواجهة التضخم. وبين هذه الشرائح جميعًا، تبدو الحاجة إلى منظومة أكثر وضوحًا وعدالة لتنظيم العلاقة بين أطراف السوق.

 

ارتفاع الأسعار يغير خريطة الطلب

أحد أبرز التحديات التي تواجه السوق يتمثل في الارتفاعات الكبيرة في أسعار الوحدات العقارية، والتي لا ترتبط فقط بزيادة تكلفة الإنشاء والأراضي، وإنما تتداخل معها تكلفة التمويل وبرامج السداد طويلة الأجل.

ومع اتساع فترات التقسيط، ترتفع التكلفة النهائية التي يتحملها المشتري، وهو ما يجعل السعر المعلن للوحدة مختلفًا بصورة كبيرة عن التكلفة التي يدفعها المواطن في نهاية مدة السداد.

وتثير هذه المعادلة تساؤلات حول مدى التوازن بين مصالح أطراف المنظومة، خصوصًا مع اعتماد نسبة كبيرة من المشترين على أنظمة السداد الممتدة لسنوات، في الوقت الذي تمثل فيه تكلفة التمويل أحد العناصر المؤثرة بصورة مباشرة في السعر النهائي.

 

هروب صغار المستثمرين من السوق

لم تعد العقارات بالنسبة إلى صغار المستثمرين الخيار الآمن الذي كان يحظى بإقبال واسع في فترات سابقة، بحسب الرؤية المطروحة بشأن أوضاع السوق.

فالمستثمر الصغير أصبح يضع في حساباته مجموعة من المخاطر قبل الدخول في أي عملية شراء، بداية من ارتفاع سعر الوحدة، مرورًا بمدة التقسيط، ووصولًا إلى صعوبة إعادة البيع في بعض الحالات، فضلًا عن الرسوم والشروط التي قد ترتبط بعملية التنازل.

وفي المقابل، ظهرت أوعية استثمارية أخرى، وعلى رأسها الذهب، قادرة على جذب جانب من المدخرات بعيدًا عن العقار، خصوصًا مع ارتفاع درجة السيولة وسهولة البيع والشراء مقارنة بالوحدة العقارية.

وهنا لا يتعلق الأمر بالمنافسة بين العقار والذهب فقط، وإنما بقدرة السوق العقارية على الاحتفاظ بثقة المستثمر الصغير، باعتباره أحد أهم مكونات الطلب الحقيقي.

 

المطور يستهدف شريحة محددة.. والشباب خارج المعادلة

من الملفات التي تحتاج إلى نقاش أوسع طبيعة المنتج العقاري الذي يتم طرحه حاليًا، في ظل ارتفاع الأسعار واتجاه عدد من المطورين إلى التركيز على شرائح ذات قدرة شرائية مرتفعة.

هذه المعادلة قد تحقق للمطور عائدًا اقتصاديًا، لكنها في الوقت نفسه تضع شريحة كبيرة من الشباب أمام خيارات محدودة، خصوصًا مع الفجوة المتزايدة بين الدخول وأسعار الوحدات.

وتطرح هذه الحالة تساؤلًا حول الدور المجتمعي للمطور العقاري، وهل يجب أن يقتصر دوره على تقديم منتج يستهدف الشرائح الأعلى قدرة على الشراء، أم أن القطاع، باعتباره أحد القطاعات الرئيسية المرتبطة بالإسكان والعمران، يحتاج إلى قدر أكبر من التنوع في المنتجات والأسعار بما يخدم شرائح أوسع من المجتمع.

 

العقود العقارية.. الطرف الأضعف يدفع الثمن

تظل العلاقة التعاقدية بين المطور والمشتري واحدة من أكثر الملفات حساسية في السوق.

وتتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في الشروط المرتبطة بإعادة البيع أو فسخ التعاقد، وما قد يترتب عليها من غرامات والتزامات مالية على المشتري، في الوقت الذي يرى فيه متعاملون بالسوق أن العقود تحتاج إلى قدر أكبر من التوازن فيما يتعلق بالتزامات الطرفين.

فإذا كان العقد يفرض على المشتري التزامات وغرامات واضحة عند الإخلال ببنوده، فإن السؤال المطروح هو مدى وجود آلية مماثلة وفعالة تضمن حقوق المشتري عند تأخر المطور في التسليم أو عدم تنفيذ المواصفات المتفق عليها.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى مراجعة نماذج العقود العقارية، بما يمنع تحولها عمليًا إلى عقود يكون فيها أحد الطرفين في موقف أقوى بصورة كبيرة من الطرف الآخر.

 

تعثر المشروعات.. أزمة لا تخص المشتري وحده

أحد أخطر الملفات التي تواجه السوق هو تعثر بعض المشروعات العقارية، حيث لا تتوقف المشكلة عند حدود المطور، وإنما تمتد آثارها إلى آلاف المشترين الذين دفعوا أموالهم وربطوا خططهم المستقبلية بمواعيد محددة للتسليم.

وفي هذه الحالات، يصبح التدخل المبكر أكثر أهمية من انتظار تفاقم الأزمة، لأن المشروع المتعثر كلما طال عمر تعثره زادت صعوبة إيجاد حلول عملية له، وتراكمت الالتزامات والمنازعات بين أطراف متعددة.

ومن هنا تأتي أهمية وجود جهة قادرة على التدخل عند ظهور مؤشرات جدية على تعثر المشروع، ودراسة البدائل الممكنة قبل وصول الأزمة إلى مرحلة يصعب معها الإنقاذ.

 

هل يحتاج السوق إلى مظلة تنظيمية جديدة؟

ضمن الرؤية المقترحة لإصلاح المنظومة، يبرز مقترح إنشاء «الهيئة القومية للأملاك والاستثمار العقاري» لتكون جهة متخصصة تتولى تنظيم ومراقبة جانب كبير من التعاملات العقارية، سواء من خلال تشريعات جديدة أو إعادة توزيع بعض الاختصاصات القائمة.

ويستند المقترح إلى فكرة أساسية، وهي أن السوق العقارية أصبحت أكبر من أن تدار من خلال جهات متعددة دون وجود منظومة متكاملة تربط بين التخصيص والتطوير والبيع والتسجيل وحماية المستهلك وحل النزاعات.

ولا يعني المقترح بالضرورة إلغاء أدوار الجهات القائمة، وإنما يستهدف – وفق الرؤية المطروحة – إنشاء مظلة تنسيقية ورقابية أكثر قدرة على التعامل مع الملفات العقارية بصورة متخصصة.

 

«محكمة عقارية» للفصل السريع في النزاعات

ومن أبرز المقترحات المطروحة إنشاء محكمة عقارية متخصصة تتولى الفصل في المنازعات المتعلقة بالقطاع، بحيث يكون للقضايا العقارية مسار قضائي أكثر تخصصًا وسرعة.

فالمنازعات العقارية قد ترتبط بمبالغ ضخمة وبحقوق آلاف المواطنين، وتأخر الفصل فيها لسنوات يمكن أن يحول النزاع من مشكلة قابلة للحل إلى أزمة ممتدة تؤثر على المشتري والمطور والجهة المالكة للأرض في الوقت نفسه.

ومن ثم فإن وجود قضاء متخصص، يضم إلى جانب القضاة خبرات فنية وقانونية مرتبطة بطبيعة النشاط العقاري، قد يمثل – وفق أصحاب المقترح – أحد الحلول لتقليل زمن التقاضي وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في السوق.

 

التسجيل الإلكتروني.. طرف ثالث لحماية المتعاملين

ويطرح التصور كذلك إنشاء وحدة متخصصة للتسجيل العقاري الإلكتروني تكون طرفًا محايدًا في مراجعة العقود والتأكد من سلامة الإجراءات، سواء بين جهات الولاية والمطورين أو بين المطورين والعملاء.

وتستهدف الفكرة الوصول إلى منظومة أكثر وضوحًا للعقود العقارية، بحيث يحصل العقار على وضع قانوني واضح منذ بداية التعامل وحتى إتمام التسجيل، مع ربط ذلك بالإجراءات المالية والضريبية والشهر العقاري.

وفي حال تطبيق مثل هذه المنظومة بصورة متكاملة، يمكن أن تساعد على الحد من النزاعات المرتبطة بسلامة العقود، وتمنح المشتري قدرًا أكبر من الاطمئنان قبل ضخ أمواله في المشروع.

 

المطور قبل الطرح الجديد

ومن بين المقترحات الأكثر أهمية أن يخضع المطور لمراجعة موقفه من مشروعاته السابقة قبل السماح له بالدخول في مشروعات أو طروحات جديدة.

الفكرة هنا تقوم على ربط التوسع المستقبلي للمطور بمدى التزامه بالمشروعات القائمة، بحيث لا يتمكن مطور من الانتقال من مشروع إلى آخر بينما تظل مشروعات سابقة متعثرة أو متأخرة دون معالجة واضحة.

كما يتضمن التصور منح الجهة الرقابية صلاحيات للتدخل في المشروعات المتعثرة عند تلقي شكاوى جدية، مع وجود حق للمطور أو المشتري في الطعن على القرارات أمام القضاء المتخصص.

 

«حساب مشروع» لمنع خلط أموال المشروعات

ويطرح التصور أيضًا إلزام المطور بإيداع نسبة من تكلفة المشروع في حساب بنكي مخصص لإثبات الجدية والقدرة على التنفيذ، مع توجيه التدفقات المالية المرتبطة بالمشروع من خلال الحساب ذاته.

والهدف من هذه الآلية هو تقليل مخاطر استخدام السيولة الناتجة عن مبيعات مشروع في تمويل مشروع آخر، وهي إحدى النقاط التي يراها أصحاب المقترح ضرورية لحماية المشترين وضمان استمرار التمويل داخل المشروع حتى اكتماله.

لكن تطبيق هذه الفكرة يحتاج بطبيعة الحال إلى دراسة دقيقة لنسب التمويل وآليات الرقابة وطبيعة المشروعات المختلفة، حتى لا تتحول الضوابط إلى عبء يحد من قدرة الشركات الجادة على الاستثمار.

 

«الشباك الواحد».. المطور أيضًا يحتاج إلى الحماية

ولا تقتصر الرؤية المطروحة على حماية المشتري فقط، وإنما تمتد إلى إزالة العقبات أمام المطور الجاد.

ويأتي هنا مقترح تفعيل حقيقي لنظام الشباك الواحد، بحيث تتواجد الجهات صاحبة الصلة داخل منظومة واحدة تساعد المستثمر على إنهاء الإجراءات والتراخيص والموافقات في أسرع وقت، بدلًا من انتقاله بين جهات متعددة.

ويشمل التصور تمثيل الجهات الحكومية ذات الصلة، إلى جانب ممثل عن غرفة التطوير العقاري، بما يحقق توازنًا بين تسهيل الاستثمار وفرض الرقابة والانضباط.

 

عدم إغراق السوق بالمشروعات

ومن الملفات التي تستحق الدراسة أيضًا مسألة المعروض العقاري، إذ إن زيادة طرح الأراضي والمشروعات بصورة تتجاوز القدرة الاستيعابية لبعض المناطق قد تؤدي إلى منافسة غير صحية وتضغط على المطورين والمشترين في الوقت نفسه.

ومن هنا يبرز مقترح التنسيق بين الجهات المختصة عند طرح الأراضي الجديدة، بحيث تستند قرارات الطرح إلى دراسات حقيقية لحجم الطلب والمعروض وطبيعة المنتجات المطلوبة في كل منطقة.

فالهدف ليس تقليل الاستثمار العقاري، وإنما ضمان أن يكون الاستثمار قائمًا على احتياجات فعلية للسوق، وليس مجرد زيادة مستمرة في عدد المشروعات دون دراسة كافية لقدرتها على البيع والتنفيذ.

 

قطاع قادر على قيادة النمو إذا انضبطت قواعده

السوق العقارية ليست مجرد نشاط لبيع وشراء الوحدات، وإنما منظومة اقتصادية ضخمة ترتبط بها صناعات ومهن وخدمات متعددة، بداية من مواد البناء والمقاولات، وصولًا إلى التمويل والنقل والتشطيبات والتجهيزات والخدمات.

كما أن القطاع يمكن أن يلعب دورًا أكبر في توفير فرص العمل وجذب الاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن إمكانية توسيع مفهوم تصدير العقار باعتباره أحد مصادر العملة الأجنبية.

لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب سوقًا مستقرة وقواعد واضحة تحمي المستثمر والمطور والمشتري في الوقت نفسه.

 

نحو عقد جديد بين الدولة والمطور والمشتري

المقترحات المطروحة في هذا الملف تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل تنظيم السوق العقارية في مصر، خاصة أن استمرار النمو في حجم القطاع يتطلب في المقابل تطورًا مماثلًا في أدوات الرقابة والتسجيل وحماية المستهلك وتسوية المنازعات.

والهدف النهائي لا ينبغي أن يكون التضييق على المطورين أو تعطيل الاستثمار، كما لا يمكن أن يكون ترك المشتري وحده في مواجهة المخاطر، وإنما الوصول إلى معادلة تحقق مصالح الأطراف الثلاثة: دولة تحصل على حقوقها وتضمن سلامة السوق، ومطور يعمل في بيئة مستقرة وعادلة، ومواطن يحصل على حقوقه وفق عقد واضح وملزم للطرفين.

وفي النهاية، فإن إعادة تنظيم السوق العقارية لم تعد رفاهية، وإنما ضرورة اقتصادية واجتماعية، خصوصًا مع اتساع حجم القطاع وارتفاع قيمة الأموال المتداولة داخله. وبينما تحتاج المقترحات المطروحة إلى دراسة تشريعية وفنية ومجتمعية متأنية، فإن الرسالة الأهم تبقى واضحة: السوق القوي لا يقوم فقط على ارتفاع أسعار العقارات، وإنما على الثقة والشفافية وعدالة العلاقة بين جميع أطرافه.