من مكتب «الشربيني» إلى جهاز بني مزار.. أحمد عبد الرازق رئيس جهاز «على الورق».. 20 يومًا على قرار النقل وغياب يفتح ملف الانضباط داخل أجهزة المدن
في الوقت الذي تراهن فيه الدولة على المدن الجديدة باعتبارها إحدى أدوات التوسع العمراني وتحقيق التنمية، وتضخ مليارات الجنيهات في شبكات المرافق والطرق والخدمات والبنية الأساسية، يفترض أن تكون أجهزة المدن هي الذراع التنفيذية التي تحول هذه الاستثمارات إلى واقع يلمسه المواطن على الأرض.
لكن المشهد داخل جهاز مدينة بني مزار الجديدة يطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا: ماذا يحدث عندما يغيب المسؤول الأول عن موقعه في وقت تحتاج فيه مدينة جديدة إلى قيادة موجودة ميدانيًا، تتابع الملفات، وتحسم المشكلات، وتتعامل مع المواطنين والاستثمارات والمرافق بصورة مباشرة؟

القصة بدأت بقرار إداري بنقل المهندس أحمد عبد الرازق لتولي رئاسة جهاز مدينة بني مزار الجديدة، بعد أن سبق له العمل مشرفًا على مكتب وزير الإسكان السابق المهندس شريف الشربيني، كما صدر قبل ذلك قرار بنقله إلى جهاز حدائق العاشر من رمضان.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها "الاسكان 24" بشأن الواقعة، فإن قرار توليه رئاسة جهاز بني مزار الجديدة صدر منذ نحو عشرين يومًا، إلا أن رئيس الجهاز لم ينتظم في الحضور إلى مقر عمله حتى الآن، وهو ما يفتح الباب أمام أزمة إدارية تتجاوز شخص المسؤول إلى السؤال الأهم: من يدير جهاز المدينة فعليًا خلال هذه الفترة؟
من مكتب الوزير إلى رئاسة جهاز في الصعيد
لا يمكن قراءة قرار نقل أي قيادي داخل هيئة المجتمعات العمرانية بمعزل عن طبيعة العمل داخل أجهزة المدن، فرئيس الجهاز ليس منصبًا شرفيًا، وإنما مسؤول تنفيذي عن إدارة جهاز له اختصاصات واسعة، بداية من متابعة تنفيذ المشروعات، ومرورًا بالمرافق والخدمات والأراضي والتراخيص والاستثمارات، وصولًا إلى التعامل مع شكاوى المواطنين ومتابعة الأعمال اليومية داخل نطاق المدينة، ومن هنا تصبح مسألة حضور رئيس الجهاز إلى مقر عمله جزءًا أساسيًا من طبيعة الوظيفة نفسها.
المهندس أحمد عبد الرازق كان قد عمل مشرفًا على مكتب وزير الإسكان السابق شريف الشربيني، وهي مهمة تضع صاحبها بالقرب من دوائر اتخاذ القرار داخل الوزارة، قبل أن تأتي سلسلة من قرارات النقل والتكليفات التي انتهت بصدور قرار توليه رئاسة جهاز مدينة بني مزار الجديدة.
لكن الانتقال من العمل المركزي داخل الوزارة إلى إدارة جهاز مدينة في الصعيد يعني بالضرورة اختلافًا في طبيعة المسؤوليات، فهنا لا ت
كفي الاجتماعات المكتبية أو متابعة الملفات من بعيد؛ إذ إن جهاز المدينة يحتاج إلى وجود قيادي مستمر في موقعه، خصوصًا أن المدن الجديدة تعتمد بدرجة كبيرة على سرعة اتخاذ القرار والتنسيق بين الإدارات المختلفة والجهات التنفيذية.
عشرون يومًا بلا رئيس.. من يتحمل المسؤولية؟
السؤال الأكثر إلحاحًا في هذه الواقعة ليس فقط: لماذا لم يحضر رئيس الجهاز؟ بل: كيف يستمر جهاز حكومي في العمل في ظل غياب المسؤول الأول عن موقعه؟
فحتى إذا كانت هناك ظروف أو اعتراضات إدارية لدى المسؤول على قرار النقل، فإن الطريق الطبيعي لمعالجة مثل هذه الأمور يظل من خلال القنوات الرسمية، وليس ترك موقع العمل شاغرًا بما قد ينعكس على سير مصالح الجهاز.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها الإسكان 24 عن الواقعة، فإن نواب رئيس الجهاز وجدوا أنفسهم أمام مسؤوليات متزايدة خلال فترة غياب رئيس الجهاز، وهنا تظهر مشكلة أخرى؛ فالنواب يستطيعون تسيير جانب من الأعمال في حدود الاختصاصات والصلاحيات الممنوحة لهم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن وجودهم يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن رئيس الجهاز.
فكلما ارتفع مستوى القرار، زادت الحاجة إلى المسؤول صاحب الاختصاص الأصيل، خصوصًا في الملفات التي تتطلب اعتمادًا أو توجيهًا أو تنسيقًا على مستوى رئاسة الجهاز.
المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن الفراغ الإداري
في أي جهاز حكومي، قد تبدو مشكلة غياب مسؤول إداري وكأنها مسألة داخلية تخص الموظفين والقيادات فقط، لكن الأمر يختلف تمامًا عندما يتعلق الجهاز بمدينة جديدة.
المواطن الذي يراجع الجهاز لإنهاء معاملة لا يعنيه كثيرًا من يشغل المكتب أو من ينوب عن رئيس الجهاز؛ ما يعنيه هو أن معاملته تتحرك في موعدها، وأن طلبه يحصل على الرد، وأن المشكلة التي جاء من أجلها تجد طريقها إلى الحل.
والأمر نفسه ينطبق على المستثمر أو المقاول أو صاحب الأرض أو المواطن الذي يتعامل مع ملفات التخصيص والتراخيص والمرافق، أي فراغ في قمة الهرم الإداري قد يؤدي إلى بطء في دورة اتخاذ القرار، حتى لو استمر الموظفون والنواب في أداء أعمالهم اليومية.
وهنا تكمن خطورة الأزمة؛ لأن الجهاز قد يبدو مفتوحًا من الخارج، والموظفون موجودون، والعمل مستمر، لكن غياب صاحب القرار النهائي يمكن أن يجعل أجزاء مهمة من المنظومة تعمل بكفاءة أقل.
هل يستطيع النواب إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية؟
وجود نواب لرئيس الجهاز يمثل عنصرًا مهمًا لاستمرار العمل، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لاستمرار غياب المسؤول الأول، فالهيكل الإداري لأي مؤسسة لا يقوم على فكرة أن وجود نائب يلغي وجود الرئيس، فالنائب لديه اختصاصات محددة، والرئيس لديه اختصاصات أخرى، وبينهما توزيع للمسؤوليات لا يمكن تجاهله.
من حق المسؤول الاعتراض.. لكن ماذا عن واجب الوظيفة؟
قد يكون لدى أي موظف أو قيادي اعتراض على قرار إداري صدر بحقه، وقد يرى أن النقل لا يتناسب مع ظروفه أو مساره الوظيفي، لكن الاعتراض على القرار شيء، وعدم تنفيذ القرار أو عدم مباشرة العمل شيء آخر، والفارق بين الأمرين مهم للغاية من الناحية الإدارية.
فإذا كان هناك اعتراض قانوني أو إداري على قرار النقل، فإن الأصل هو اللجوء إلى الجهات المختصة واتباع الإجراءات الرسمية المقررة، بينما تظل مسؤولية الجهة الإدارية قائمة في ضمان استمرار المرفق العام وعدم تأثر مصالح المواطنين، وهنا تحديدًا تصبح الكرة في ملعب الجهة التي أصدرت القرار.
بني مزار الجديدة.. مدينة تحتاج إلى قيادة حاضرة
أهمية جهاز مدينة بني مزار الجديدة لا ترتبط فقط بالمبنى الإداري أو الموظفين الموجودين بداخله.
فالمدينة الجديدة جزء من سياسة عمرانية تستهدف التوسع خارج الكتل السكنية القائمة، وتوفير مجتمعات عمرانية جديدة، وإتاحة أراضٍ ووحدات وخدمات وفرص استثمارية، وهذه الأهداف تحتاج إلى جهاز إداري يعمل بكامل طاقته.
لذلك فإن أي أزمة في القيادة داخل الجهاز تستحق المتابعة، ليس بهدف تصفية حسابات مع مسؤول أو التشهير بأحد، وإنما لأن المنصب العام يرتبط في النهاية بمصالح المواطنين وأموال الدولة والمشروعات التي تنفذها الحكومة.
في النهاية، لا يمكن أن تكون المدن الجديدة مجرد طرق ومبانٍ وأبراج ومرافق؛ فهذه المشروعات تحتاج إلى جهاز إداري قادر على إدارتها، وإذا كان المواطن مطالبًا باحترام القرار الإداري والالتزام بالإجراءات والقواعد، فإن المسؤول العام أيضًا مطالب بالالتزام بواجبات موقعه.
وبين القرار والاعتراض، وبين حق الموظف وحق الدولة، تبقى هناك قاعدة واحدة لا ينبغي أن تضيع في المنتصف: مصلحة المواطن واستمرار المرفق العام يجب أن تظل فوق أي خلاف إداري أو شخصي.