«صناع العمران».. وليد عباس.. الموهبة التي تظهر كل جيل لتكتب فصلًا جديدًا في تاريخ وزارة الإسكان
كل عشرين عاما تقريبا.. يظهر في مشهد العمران المصري اسم مختلف.. شخصية تجمع بين العلم والخبرة والقدرة على قراءة الأرض وتحويلها إلى مشروع.. واليوم يبدو أن وليد عباس هو أحد أبرز الوجوه التي تمثل هذا الجيل الجديد
في تاريخ العمران المصري لا تتوقف الحكاية عند المدن التي بنيت ولا الطرق التي شقت ولا الأبراج التي ارتفعت فوق الأرض، فخلف كل مرحلة عمرانية كبيرة تظهر أسماء تتحول مع الوقت إلى جزء من ذاكرة المكان، أسماء لا تكون مهمتها مجرد تنفيذ ما هو موجود، وإنما التفكير فيما يجب أن يكون موجودا بعد سنوات، وهنا تأتي فكرة هذه الحلقة من سلسلة «صناع العمران» التي تبحث عن هؤلاء الذين لا يعملون فقط داخل ماكينة العمران، وإنما يتركون بصمتهم في طريقة عملها نفسها.
ولعل اللافت في التجربة المصرية أن كل مرحلة زمنية طويلة كانت تفرز شخصية أو مجموعة من الشخصيات القادرة على الإمساك بخيط العمران وتحويله من مجرد خطط ودراسات إلى واقع، وكأن قطاعا بهذا الحجم يحتاج كل فترة إلى عقل جديد يقرأ المتغيرات ويعيد ترتيب الأولويات، واليوم ومع اتساع مشروع الدولة في المدن الجديدة والاستثمار والتخطيط والعمران، يظهر الدكتور وليد عباس باعتباره أحد أبرز أبناء الجيل الحالي الذين ارتبط اسمهم بهذه المرحلة.

ليس مجرد مسؤول.. ولكن ابن مدرسة عمرانية كاملة
الحديث عن وليد عباس لا يبدأ من منصبه الحالي كنائب وزيرة الإسكان للمجتمعات العمرانية، لأن هذا المنصب هو نتيجة لمسار طويل داخل هيئة المجتمعات العمرانية، بدأ من التخطيط والمشروعات ثم اتسع مع الوقت ليشمل ملفات الاستثمار والمدن الجديدة والأراضي والتعامل مع المطورين.
وفي عام 2020 صدر قرار بتولي وليد عباس الإشراف على قطاع التخطيط والمشروعات بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة إلى جانب عمله، وهو موقع يكشف مبكرا عن طبيعة الدور الذي كان يتم إعداده له داخل المؤسسة، فالتخطيط والمشروعات هما قلب عملية صناعة المدينة قبل أن تبدأ آلات البناء في التحرك.
ومن هنا يمكن فهم المسيرة باعتبارها رحلة داخل «مدرسة المجتمعات العمرانية» نفسها، وهي مدرسة تغيرت مهمتها بصورة كبيرة مع مشروع الدولة خلال السنوات الأخيرة، من مجرد إنشاء مدن جديدة إلى إدارة منظومة متكاملة من الأراضي والتخطيط والاستثمار والمرافق والمشروعات والخدمات.
لماذا وليد عباس تحديدا؟
لأن المرحلة التي ظهر فيها وليد عباس ليست مرحلة إنشاء مدينة أو مدينتين، وإنما مرحلة مختلفة تماما في تاريخ العمران المصري، مرحلة أصبحت فيها الدولة تتحدث عن عشرات المدن الجديدة ومجتمعات الجيل الرابع، وعن تحويل المدن إلى مراكز للسكن والاستثمار والعمل، وعن تعظيم العائد من أصول الدولة، وعن إشراك القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات.
وهذه الملفات كلها تقع في المنطقة التي تشكلت فيها خبرته المهنية، ولذلك فإن صعوده لم يكن منفصلا عن التحول الذي شهدته هيئة المجتمعات العمرانية، بل جاء متزامنا معه.
فكلما كبرت خريطة المدن الجديدة، كبرت معها الحاجة إلى قيادات تستطيع التعامل مع التخطيط والاستثمار والمشروعات في الوقت نفسه، وهو ما جعل موقع وليد عباس أكثر أهمية مع اتساع نطاق المشروع العمراني للدولة.
«دينامو» جيل جديد من العمران
لقب «دينامو» هنا ليس مجرد وصف للحركة الكثيرة، وإنما يعبر عن طبيعة الدور الذي يؤديه الرجل داخل منظومة شديدة التعقيد، فملف المجتمعات العمرانية لا يتوقف عند بناء العمارات، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات من التخطيط وتحديد استخدامات الأراضي ثم طرحها وإدارتها والتعامل مع المستثمرين، وبعد ذلك متابعة التنفيذ والخدمات والتشغيل.
وفي مايو 2026 ظهر وليد عباس إلى جوار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزيرة الإسكان راندة المنشاوي خلال اجتماع لمتابعة الموقف التنفيذي وخطط التسليم والتشغيل لعدد من مشروعات وزارة الإسكان، وهو مشهد يعكس موقع قطاع المجتمعات العمرانية داخل دوائر صناعة القرار والتنفيذ في الدولة.

الرجل الذي يعمل قبل أن تظهر المدينة
ربما لا يعرف المواطن اسم المسؤول الذي خطط للمدينة، لكنه يعيش كل يوم داخل نتائج هذا التخطيط، من موقع العمارة إلى الطريق الذي يسير فيه، ومن المدرسة إلى المنطقة التجارية، ومن شبكة المرافق إلى فرص الاستثمار والعمل.
وهنا تحديدا يمكن فهم قيمة قطاع التخطيط والمشروعات، لأن المدينة التي يراها المواطن بعد سنوات تكون قد مرت قبلها بعشرات القرارات والدراسات والمراجعات، ويصبح الفرق بين مدينة ناجحة ومدينة لا تحقق أهدافها مرتبطا في جانب كبير منه بجودة التخطيط قبل التنفيذ.
وهذا هو المجال الذي أمضى فيه وليد عباس سنوات طويلة، قبل أن ينتقل إلى موقع أوسع داخل الوزارة.
من مدن الجيل الثالث إلى مدن الجيل الرابع
أحد أهم التحولات التي واكبت مسيرة وليد عباس هو الانتقال في فلسفة المدن الجديدة من مجرد التوسع الأفقي أو إنشاء مناطق سكنية إلى بناء مدن ذكية وأكثر تكاملا.
وفي عرض رسمي لهيئة المجتمعات العمرانية خلال مشاركته في مؤتمر المناخ COP27 عام 2022، استعرض وليد عباس تطور عمل الهيئة، وأوضح أن مدن الجيل الرابع تستهدف الاستدامة والمرونة وزيادة الرقعة الخضراء وتوفير فرص العمل، وهو ما يعكس التحول في فلسفة بناء المدينة نفسها.
وهنا تظهر نقطة مهمة في قصة «صانع العمران» فالمهندس الذي يعمل في مرحلة تتغير فيها وظيفة المدينة لا يمكن أن يظل أسير أدوات التخطيط القديمة، لأن المدينة الجديدة لم تعد مجرد مكان للسكن، وإنما أصبحت منظومة اقتصادية واجتماعية وبيئية متكاملة.
39 مدينة.. عندما يصبح التخطيط صناعة مستقبل
اليوم تتعامل الدولة مع خريطة ضخمة من المدن الجديدة ومجتمعات الجيل الرابع، وهو ما يجعل مهمة قطاع المجتمعات العمرانية مختلفة تماما عن أي مرحلة سابقة.
فالمدينة الجديدة تحتاج إلى سكان، والاستثمار يحتاج إلى أرض، والأرض تحتاج إلى تخطيط، والتخطيط يحتاج إلى مرافق، والمرافق تحتاج إلى تمويل، والمشروع يحتاج إلى مطور قادر على التنفيذ، وكل هذه الدوائر يجب أن تتحرك في توقيتات متقاربة حتى لا تتحول المدينة إلى مجرد مخطط على الورق.
وهنا تظهر قيمة الخبرة المتراكمة لدى وليد عباس، الذي انتقل من مساحة التخطيط والمشروعات إلى موقع أكثر اتساعا يربط بين قطاعات متعددة داخل هيئة المجتمعات العمرانية.
الأرض في يد الدولة.. والاستثمار في عقل التخطيط
من أهم التحولات التي شهدها قطاع الإسكان أن أراضي الدولة لم تعد مجرد مخزون عمراني، وإنما أصبحت أداة رئيسية لجذب الاستثمار وتمويل التنمية وصناعة المدن.
ولهذا أصبح طرح الأراضي وإدارة الفرص الاستثمارية أحد الملفات الأساسية داخل هيئة المجتمعات العمرانية، ومعه أصبح دور التخطيط أكثر حساسية، لأن اختيار النشاط المناسب للمكان المناسب يمكن أن يصنع قيمة اقتصادية ضخمة للمدينة.
وفي أبريل 2026 شارك وليد عباس في اجتماع وزيرة الإسكان مع مسؤولي شركة HDP لمتابعة مبيعات وتسويق مشروعات الهيئة وبحث فرص استثمارية جديدة، مع التأكيد على توسيع الشراكة مع القطاع الخاص وتعظيم العائد من المشروعات ورفع معدلات التشغيل والإشغال داخل المدن الجديدة.
وهذه ليست مجرد عملية تسويق للأرض، وإنما جزء من فلسفة أكبر تقول إن المدينة لا تكتمل بالبناء فقط، وإنما تحتاج إلى اقتصاد يعمل داخلها.
العلمين الجديدة.. اختبار لجيل جديد من المخططين
مدينة العلمين الجديدة تقدم نموذجا واضحا للمرحلة التي يعمل فيها وليد عباس، فهي ليست مدينة سكنية تقليدية، وإنما مشروع يجمع بين السياحة والسكن والاستثمار والخدمات والترفيه والمؤتمرات والأنشطة الاقتصادية.
وفي مايو 2026 ظهر وليد عباس خلال جولة وزيرة الإسكان بمشروعات مارينا والعلمين الجديدة، لمتابعة أعمال التطوير ومشروعات الربط والخدمات، وهو ما يعكس اتساع نطاق العمل داخل المدن الجديدة من البناء إلى تشغيل المدينة وتكامل عناصرها.
وهنا يصبح المخطط أمام سؤال أكبر من «أين نبني؟»، وهو «كيف نجعل المكان يعيش ويعمل وينمو؟».
في عصر راندة المنشاوي.. وليد عباس في قلب ماكينة المجتمعات العمرانية
مع تولي المهندسة راندة المنشاوي حقيبة الإسكان في فبراير 2026، أصبح وليد عباس نائبا لوزيرة الإسكان للمجتمعات العمرانية، وهو موقع يضعه في قلب أحد أكبر ملفات الوزارة وأكثرها ارتباطا بخطة الدولة العمرانية.
ومنذ الأيام الأولى ظهر الرجل في الاجتماعات والجولات الرئيسية للوزيرة، ففي أول زيارة ميدانية لها لمشروعات «سكن لكل المصريين» في حدائق العاصمة كان وليد عباس ضمن الفريق المرافق لها لمتابعة معدلات التنفيذ وجودة التشطيبات.
وفي يوليو ترأست راندة المنشاوي اجتماع مجلس إدارة هيئة المجتمعات العمرانية بحضور وليد عباس لمتابعة خطة العمل ومؤشرات الأداء وأولويات المرحلة المقبلة، في إطار تنفيذ توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بمواصلة التنمية العمرانية الشاملة وتعزيز دور المدن الجديدة كقاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي سبتمبر استمر حضوره في اجتماعات متابعة «سكن لكل المصريين» ومعدلات التنفيذ والتسليم، وهو ما يعكس أن دوره لا ينفصل عن الملفات الكبرى التي تتحرك فيها الوزارة حاليا.
كل عشرين عاما.. هل يظهر «صانع عمران» جديد؟
هنا تصل السلسلة إلى فكرتها الأهم، فالعمران لا يصنعه شخص واحد، ولا يمكن اختزال تاريخ مصر العمراني في أسماء محددة، لكن التجربة تقول إن المراحل الكبرى تحتاج دائما إلى شخصيات استثنائية تمتلك القدرة على فهم عصرها والتعامل مع أدواته.
ولهذا يمكن النظر إلى فكرة «كل عشرين عاما يظهر صانع عمران جديد» باعتبارها قراءة صحفية لمسار العمران المصري وليست قاعدة حسابية جامدة، فالفكرة ليست أن هناك ساعة زمنية تفرز مهندسا كل عقدين، وإنما أن كل مرحلة عمرانية كبيرة تحتاج إلى عقل مختلف قادر على التعبير عنها.
واليوم نحن أمام مرحلة جديدة بالكامل، مرحلة الجمهورية الجديدة، والتوسع العمراني خارج الوادي، ومدن الجيل الرابع، والعاصمة الإدارية، والعلمين الجديدة، والاستثمار العقاري، والشراكة مع القطاع الخاص، وتعظيم قيمة الأراضي، وإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية.
وفي هذه المرحلة يظهر وليد عباس باعتباره واحدا من أبرز الوجوه التي تحمل أدوات هذا العصر.
من جيل بنى المدن إلى جيل يصنع منظومة المدن
الفارق الحقيقي بين الأجيال ليس في عدد المباني التي أنشأتها، وإنما في السؤال الذي كانت تحاول الإجابة عنه.
جيل سابق كان أمام سؤال: كيف نبني مدينة جديدة تستوعب السكان؟
أما الجيل الحالي فأمامه سؤال أكثر تعقيدا: كيف نصنع مدينة قادرة على الحياة والإنتاج والاستثمار والاستمرار؟
وهذا التحول يفسر لماذا أصبحت ملفات التخطيط والاستثمار والمرافق والتشغيل والتسويق وحماية حقوق المواطنين مترابطة داخل منظومة واحدة.
ووليد عباس يتحرك في قلب هذه المعادلة، بحكم خبرته داخل هيئة المجتمعات العمرانية وانتقاله من التخطيط والمشروعات إلى موقع نائب وزيرة الإسكان للمجتمعات العمرانية.
«صناع العمران».. عندما يصبح الإنسان جزءا من ذاكرة المكان
في النهاية، قد تختفي أسماء كثيرة خلف المشروعات بعد سنوات، لكن بعض الشخصيات تظل مرتبطة بالمرحلة التي عملت فيها لأنها لم تكن مجرد موظفين ينفذون قرارات، وإنما كانوا جزءا من تشكيل الرؤية نفسها.
وهنا تأتي قصة وليد عباس في الحلقة الأخيرة من «صناع العمران»، ليس باعتباره المسؤول الذي يقف فوق ماكينة تعمل بالفعل، وإنما باعتباره أحد أبناء هذه الماكينة الذين تدرجوا داخلها وعاشوا تحولاتها من الداخل، حتى أصبح اليوم واحدا من المسؤولين عن تحريكها في مرحلة هي الأكبر والأكثر تعقيدا في تاريخ المدن الجديدة.
راندة المنشاوي تمثل قيادة الوزارة في المرحلة الحالية، ووليد عباس يمثل أحد أبرز الأذرع التنفيذية لملف المجتمعات العمرانية، لكن خلف الاثنين توجد رؤية دولة بدأت في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي لإعادة رسم خريطة مصر العمرانية.