الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

«الصيانة بقت فاتورة مفتوحة».. كم يدفع سكان الكمبوندات سنويًا ومقابل ماذا؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم يعد شراء وحدة داخل أحد الكمبوندات السكنية ينتهي عند سداد قيمة الشقة أو الالتزام بالأقساط المتفق عليها، فهناك فاتورة أخرى تلاحق المالك منذ لحظة الاستلام وتستمر طوال فترة إقامته، وهي فاتورة الصيانة والتشغيل، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز مصادر الجدل والنزاعات بين السكان والمطورين العقاريين وشركات إدارة المشروعات.

المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع قيمة رسوم الصيانة، وإنما تمتد إلى طريقة تحديدها، وما إذا كانت المبالغ التي يدفعها السكان تتناسب بالفعل مع الخدمات التي يحصلون عليها، خاصة مع ظهور مطالبات إضافية في بعض المشروعات تحت مسميات مختلفة، من بينها فروق الصيانة واستكمال ودائع الصيانة.

وديعة الصيانة.. مئات الآلاف فوق سعر الوحدة

مع ارتفاع أسعار الوحدات العقارية، أصبحت وديعة الصيانة نفسها رقما كبيرا في تكلفة شراء الوحدة، إذ تتراوح النسبة في عدد من المشروعات بين 8 و10% من قيمة الوحدة، بحسب نظام كل مشروع والعقد المبرم بين المطور والمشتري.

وبالحساب البسيط، فإن شراء وحدة بقيمة 5 ملايين جنيه مع احتساب وديعة صيانة بنسبة 10% يعني دفع 500 ألف جنيه إضافية، بينما تصل الوديعة إلى مليون جنيه إذا بلغت قيمة الوحدة 10 ملايين جنيه، وهو ما يكشف حجم الأموال التي تدخل منظومة الصيانة والتشغيل في المشروعات السكنية.

لكن دفع الوديعة لا يعني بالضرورة أن المالك لن يدفع مصروفات أخرى خلال السنوات التالية، إذ تختلف طبيعة الوديعة عن المصروفات الدورية الخاصة بتشغيل وصيانة المشروع.

الوديعة ليست مصاريف الصيانة.. فما الفرق؟

وفق الضوابط المنظمة لبيع وحدات مشروعات التطوير العقاري، يتم تخصيص أموال الصيانة والتشغيل في حساب خاص، وتستخدم عوائد وديعة الصيانة في تمويل أعمال التشغيل والحفاظ على أصول المشروع، مع إمكانية تحميل المشترين التكاليف التي تزيد على العوائد المتاحة، وفقا للقواعد والعقود المنظمة للمشروع.

وهنا ظهرت واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل، وهي ما يعرف بـ«فروق الصيانة»، إذ يجد بعض السكان أنفسهم أمام مطالبات مالية جديدة بعد سنوات من شراء الوحدة وسداد وديعة الصيانة، وهو ما يدفعهم إلى التساؤل عن أسباب هذه الزيادات وكيفية احتسابها.

فالوديعة التي دفعها المالك عند شراء الوحدة يفترض أن تكون جزءا من منظومة مالية مخصصة للحفاظ على المشروع وتشغيله، لكن ارتفاع تكاليف التشغيل والخدمات خلال السنوات الأخيرة أدى في بعض المشروعات إلى زيادة المصروفات مقارنة بالعوائد الناتجة عن الوديعة، وهو ما قد يترتب عليه وجود فروق مالية يتحملها الملاك.

خلافات الصيانة تصل إلى مجلس النواب

ولا تعني المطالبة بفروق الصيانة في حد ذاتها وجود مخالفة، خاصة أن الضوابط تسمح بتحميل المشتري التكاليف التي تتجاوز عوائد الوديعة، لكن جوهر المشكلة يبقى في مدى وضوح الحسابات التي استندت إليها الشركة في تحديد قيمة هذه الفروق، ومدى اطلاع السكان على تفاصيل الإنفاق الفعلي.

وخلال يوليو الماضي، وصل ملف ودائع الصيانة وفروقها إلى مجلس النواب، بعد تقديم طلب إحاطة بشأن ما وصفته النائبة سناء السعيد بالعشوائية في تقدير ودائع وفروق الصيانة داخل عدد من المشروعات، مع المطالبة بوجود آليات أكثر وضوحا ورقابة على الأموال التي يتم تحصيلها من المواطنين تحت هذا البند.

وتزامن ذلك مع ظهور شكاوى من سكان بعض المشروعات السكنية بشأن مطالبات مالية إضافية، من بينها سكان كمبوند بروميناد في الشيخ زايد، الذين اعترضوا على مطالبات بفروق رسوم الصيانة، ولجأ بعضهم إلى الجهات المختصة للمطالبة بمراجعة الحسابات والخدمات المقدمة داخل المشروع.

وتكشف هذه الوقائع أن قضية الصيانة لم تعد مجرد بند مالي ثانوي في عقد شراء الوحدة، وإنما أصبحت جزءا من التكلفة الحقيقية للسكن داخل الكمبوند.

كم يدفع السكان سنويا؟

فالمواطن الذي يشتري وحدة سكنية بملايين الجنيهات لا يدفع فقط ثمن المبنى، وإنما يدفع أيضا مقابل منظومة كاملة يفترض أن توفر له الأمن والنظافة وصيانة الطرق والمرافق والمساحات الخضراء والمصاعد وحمامات السباحة والخدمات المشتركة وغيرها من عناصر التشغيل.

ومع اختلاف مستوى الخدمات من مشروع إلى آخر، تختلف بالتبعية تكلفة التشغيل والصيانة، ولذلك لا توجد قيمة واحدة يمكن اعتبارها معيارا عاما لجميع الكمبوندات.

وتشير تقديرات سوقية منشورة خلال العام الجاري إلى أن رسوم الصيانة الدورية في بعض المشروعات السكنية قد تتراوح بين نحو 8 و25 جنيها للمتر شهريا، وفقا لمستوى المشروع والخدمات المقدمة، وهي أرقام تختلف من مشروع إلى آخر وليست تعريفة حكومية موحدة.

وبالنسبة لشقة تبلغ مساحتها 150 مترا، فإن هذه النطاقات تعني أن المالك قد يدفع ما بين نحو 1200 و3750 جنيها شهريا، أي ما يتراوح بين 14.4 ألف و45 ألف جنيه سنويا، بخلاف وديعة الصيانة وأي رسوم أخرى ينص عليها العقد أو نظام إدارة المشروع.

من سعر الشقة إلى «فاتورة السكن الحقيقية»

وهنا تظهر الفجوة بين سعر الوحدة الذي يراه المواطن في إعلان البيع، والتكلفة الحقيقية التي يتحملها طوال فترة إقامته.

فقد تبدو الوحدة مناسبة من حيث السعر ونظام التقسيط، لكن عند إضافة وديعة الصيانة والمصروفات السنوية ورسوم الخدمات المختلفة، تتغير الصورة بالكامل، خصوصا في المشروعات التي تعتمد على عدد كبير من الخدمات والمنشآت الترفيهية والمساحات الخضراء.

وفي المقابل، اتجهت بعض الشركات إلى تقديم نماذج مختلفة لإدارة هذا الملف، من بينها نموذج «ثقة» الذي أعلنت عنه شركة مدينة مصر، والذي يعتمد على سداد مقابل خدمات الصيانة والتشغيل في صورة شهادة ضمان بدلا من وديعة الصيانة، مع إعلان الشركة عدم مطالبة العملاء بزيادات أو فروق مصروفات لمدة تصل إلى 20 عاما من تاريخ استلام الوحدة.

ورغم اختلاف النماذج، فإن التجارب المختلفة داخل السوق تؤكد أن تكلفة الصيانة أصبحت عنصرا يجب أن يكون واضحا للمشتري منذ لحظة التعاقد، وليس تكلفة تظهر بعد الاستلام بصورة يصعب على المواطن توقعها.

أين تذهب أموال الصيانة؟

وتزداد أهمية هذا الأمر مع التوسع الكبير في مشروعات المدن الجديدة والكمبوندات، التي أصبحت تضم أعدادا ضخمة من السكان، وتحتاج إلى منظومات تشغيل متكاملة على مدار الساعة، وهو ما يجعل حجم الأموال التي يتم تحصيلها للصيانة والتشغيل ضخما للغاية.

ومن هنا تأتي أهمية الضوابط التي أقرت تخصيص حساب خاص لأموال الصيانة والتشغيل، ومراجعة مصروفات الصيانة من خلال مراجعين قانونيين، بما يضمن عدم التعامل مع هذه الأموال باعتبارها جزءا من إيرادات المشروع العادية.

لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بوجود النصوص المنظمة، وإنما بمدى وضوح تطبيقها على أرض الواقع، وقدرة المالك على معرفة حجم الأموال التي تم تحصيلها، والعوائد التي حققتها الوديعة، والمصروفات التي تم إنفاقها، والأساس الذي تم بناء أي مطالبة إضافية عليه.

المشكلة ليست في الزيادة.. وإنما في طريقة حسابها

فالشفافية هنا لا تعني أن تكون رسوم الصيانة منخفضة بالضرورة، وإنما أن يعرف المواطن لماذا يدفع، ومقابل أي خدمة، وكيف تم تحديد القيمة، وما إذا كانت الزيادة تستند إلى تكلفة حقيقية يمكن مراجعتها.

وفي النهاية، فإن أزمة الصيانة داخل الكمبوندات لا يمكن اختزالها في سؤال «كم يدفع السكان؟»، لأن الرقم وحده لا يكشف الصورة كاملة، وإنما القضية الحقيقية هي العلاقة المالية بين المواطن والمطور وشركة الإدارة، ومدى وضوح الحقوق والالتزامات منذ لحظة توقيع العقد وحتى سنوات طويلة بعد استلام الوحدة.

من «وديعة مفتوحة» إلى «حساب مكشوف»

فالمشتري قد يتفهم ارتفاع تكلفة الأمن أو النظافة أو صيانة المرافق، وقد يقبل بزيادة الرسوم إذا كانت مرتبطة بارتفاع حقيقي في تكلفة التشغيل، لكنه في المقابل يحتاج إلى معرفة أين تذهب الأموال التي دفعها بالفعل، ولماذا لم تعد عوائد الوديعة كافية، وكيف تم حساب أي فروق تطلب منه سدادها.

وبالتالي، فإن تنظيم سوق العقارات لا يرتبط فقط بسعر الوحدة أو موعد التسليم، وإنما يمتد أيضا إلى ما يحدث بعد تسليم المفتاح، عندما يتحول المالك من مشتر إلى ساكن، وتبدأ رحلة جديدة من الالتزامات المالية التي قد تستمر لعشرات السنين.

وهنا يصبح المطلوب ليس إلغاء رسوم الصيانة، وإنما إنهاء فكرة الفاتورة المفتوحة، بحيث يعرف المواطن منذ البداية التكلفة المتوقعة للخدمات، وقواعد زيادتها، وآليات مراجعتها، والجهة المسؤولة عن إدارة أمواله، حتى لا تتحول وديعة الصيانة التي دفعها لحماية قيمة عقاره إلى مصدر جديد للنزاع بينه وبين المطور.