قفزة رقمية دون تأثير، هل توسع شركات التمويل العقاري السريع في مصر يعيد رسم ملامح النشاط؟
رغم توسع شركات التمويل العقاري في مصر مما أدى إلى قفزة كبيرة في حجم محافظها التمويلية خلال السنوات الثلاث الماضية، مدفوعة بالتوسع المكثف في شراء محافظ المطورين العقاريين، في اتجاه يعيد رسم ملامح النشاط إلا أن هذا التوسع يثير تساؤلات حول طبيعته ودوره الحقيقي في السوق.
ارتفاع قيمة التمويلات العقارية
وبحسب بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، ارتفعت قيمة التمويلات العقارية إلى نحو 42.6 مليار جنيه بنهاية العام الماضي، مقارنة مع 10.4 مليار جنيه فقط في 2023، في نمو يعكس تسارع نشاط الشركات بشكل غير مسبوق.
وتظهر البيانات أن محافظ المطورين العقاريين استحوذت على النصيب الأكبر من التمويلات، بحصص تراوحت بين 68% و75% خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما ظلت التمويلات المباشرة للأفراد محدودة، بنسبة تتراوح بين 25% و32% فقط من إجمالي النشاط.
الفائدة المرتفعة تعيد تشكيل السوق
في هذا السياق، قال خبير التمويل العقاري ومؤسس شركة "إيليت" للاستشارات، محمد سمير، إن هيكل محافظ شركات التمويل العقاري في مصر شهد تحولاً واضحاً، حيث بات جزء كبير منها قائماً على شراء محافظ المطورين.
وأوضح أن بعض الشركات تصل نسبة المحافظ المشتراة لديها إلى ما بين 60% و80% من إجمالي محفظتها، مشيراً إلى أن هذا التوجه جاء مدفوعاً بارتفاع أسعار الفائدة وتراجع الطلب على التمويل الفردي.
وأضاف أن الشركات أصبحت تفضل الصفقات الجماعية مع المطورين، بدلاً من تمويل الأفراد بشكل منفرد، لما توفره من سرعة في التنفيذ وكفاءة تشغيلية أعلى، فضلاً عن تحقيق عوائد أسرع.
من جانبه، أشار العضو المنتدب لشركة "الأولى" للتمويل العقاري، أيمن عبد الحميد، إلى أن التضخم المرتفع وزيادة تكلفة التمويل أثّرا بشكل مباشر على النشاط، سواء من حيث الطلب أو تكلفة الإقراض.
وأكد أن شراء مديونيات المطورين يعد أحد المنتجات الطبيعية داخل نشاط التمويل العقاري، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها السوق خلال العامين الماضيين.
صناديق القيم المنقولة
وتابع:" قبل نحو 5 سنوات طرحت الهيئة العامة للرقابة المالية فكرة "صناديق القيم المنقولة"، كنوع جديد من أدوات التمويل للشركات العقارية والتمويل الاستهلاكي، وفي الوقت نفسه أداة استثمار للأفراد والشركات وحتى البنوك، وتعتمد على أن يقوم مدير الصندوق بشراء محافظ عملاء الشركات (كبديل لسندات التوريق ذات التكلفة المرتفعة)، على أن يطرح وثائقه سواء في اكتتاب عام، والذي لم يكن المفضل حينها، حتى من جانب مديري أصول الدخل الثابت".
وكشف عبد الحميد أن شركته ضخت تمويلات بقيمة 1.35 مليار جنيه خلال الربع الأول من العام الجاري، خصص منها نحو مليار جنيه لشراء ثلاث محافظ عقارية، مع خطة لشراء محافظ إضافية بقيمة 2.5 مليار جنيه حتى نهاية العام.
نمو رقمي وتأثير محدود
رغم هذا الزخم، يرى خبراء أن النمو المسجل لا يعكس توسعاً حقيقياً في دور التمويل العقاري داخل السوق.
وقال الخبير العقاري عبد الرحمن خليل إن القطاع يشهد نمواً واضحاً من حيث الأرقام، لكنه لا يزال محدود التأثير مقارنة بحجم السوق العقارية التي تتجاوز قيمتها 3 تريليونات جنيه سنوياً.
وأوضح أن التوسع يتركز في شراء المحافظ وليس في تمويل الأفراد، وهو ما يبتعد عن الهدف الأساسي للنشاط، المتمثل في دعم تملك الوحدات السكنية.
وأشار إلى أن السوق بات يعتمد بشكل كبير على أنظمة التقسيط التي يقدمها المطورون العقاريون، في ظل ضعف دور شركات التمويل والبنوك.
وأضاف: "المطورون العقاريون باتوا يقومون فعلياً بدور جهات التمويل، عبر تقديم خطط سداد تمتد إلى 10 و12 عاماً، وهو ما يضغط على سيولتهم ويدفعهم إلى بيع محافظهم للحصول على النقد".
واعتبر خليل أن النشاط الحالي أقرب إلى إدارة المحافظ المالية منه إلى التمويل العقاري التقليدي، داعياً إلى إعادة توجيه بوصلة الشركات نحو تمويل الأفراد.
توريق غير مباشر
في المقابل، أكد سمير أن ما يجري في السوق لا يرقى إلى "التوريق" بالمعنى القانوني، موضحاً أن التوريق التقليدي يعتمد على تحويل عقود التمويل المضمونة برهون عقارية إلى أوراق مالية.
وأضاف أن النموذج السائد حالياً أقرب إلى "خصم الشيكات" أو شراء الحقوق المالية المستقبلية من المطورين.
وشدد على أن هذه العمليات تخضع لضوابط رقابية صارمة من قبل الهيئة العامة للرقابة المالية، وعلى رأسها القرار رقم 111، الذي يحدد شروط شراء المحافظ.
ومن أبرز هذه الشروط:
- اكتمال إنشاء الوحدات وتسليمها للعملاء
- وجود سجل ائتماني جيد للمشتري
- انتظام السداد لفترة لا تقل عن عام
- أداة سيولة.. ومنافسة متصاعدة
ويرى سمير أن توسع المطورين في بيع المحافظ يعكس حاجتهم المتزايدة إلى السيولة، سواء لاستكمال المشروعات أو التوسع في استثمارات جديدة، ما يجعل هذه الآلية تحقق منفعة متبادلة بين الطرفين.
بدوره، أكد أيمن عبد الحميد أن إجراءات شراء المحافظ أصبحت أكثر بساطة ووضوحاً، حيث تمر الصفقات بدورة تنفيذ سريعة لا تتجاوز في الغالب من أسبوع إلى عشرة أيام، بدءاً من دراسة الطلب وحتى الحصول على الموافقات النهائية وضخ التمويل.
وأشار إلى أن السوق يشهد تصاعداً في حدة المنافسة، مع زيادة عدد الشركات العاملة، حيث ارتفع العدد من نحو 13–14 شركة قبل سنوات، إلى 25 شركة العام الماضي، وصولاً إلى 29 شركة حالياً.