25 ربيع الأول 1448 الموافق الإثنين 07 سبتمبر 2026

"ملايين الجنيهات بلا رقابة واضحة"

أين تذهب أرباح وديعة الصيانة في الكمبوندات الكبرى؟

أين تذهب أرباح وديعة
أين تذهب أرباح وديعة الصيانة؟

يدفع مشترو الوحدات السكنية في معظم الكمبوندات الكبرى مبالغ كبيرة تحت بند "وديعة الصيانة"، والتي تتراوح عادة بين 8% و10% من قيمة الوحدة، باعتبارها ضمانًا لاستمرار الخدمات والحفاظ على مستوى المشروع، لكن مع مرور السنوات، تحولت هذه الوديعة إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل سوق العقارات، خاصة مع مطالبة بعض شركات الإدارة والمطورين بزيادات متكررة في رسوم الصيانة، دون تقديم قوائم مالية تفصيلية توضح حجم المصروفات الفعلية أو العوائد التي تحققها تلك الودائع.

وتفتح هذه القضية تساؤلًا يردده آلاف الملاك: إذا كانت ودائع الصيانة مودعة في البنوك وتحقق عائدًا سنويًا، فأين تذهب هذه الأرباح؟ وهل تنعكس على تخفيف الأعباء المالية عن السكان؟

في المشروعات السكنية الكبرى التي تضم آلاف الوحدات، يمكن أن تصل حصيلة ودائع الصيانة إلى مئات الملايين من الجنيهات، بل وربما تتجاوز المليار جنيه في بعض المشروعات الضخمة، وبطبيعة الحال، فإن هذه الأموال لا تبقى مجمدة، وإنما تحقق عوائد مصرفية يمكن أن تمثل مصدرًا مهمًا لتمويل أعمال التشغيل والصيانة.

ورغم ذلك، يشكو عدد من الملاك من أنهم لا يحصلون على بيانات مالية واضحة توضح قيمة الودائع، أو حجم العوائد البنكية المتحققة، أو كيفية توظيفها، في الوقت الذي يتلقون فيه مطالبات دورية بزيادة رسوم الصيانة لمواجهة ارتفاع تكاليف التشغيل.

ويؤكد خبراء إدارة المجتمعات العمرانية أن المشكلة الأساسية ليست في زيادة الرسوم بحد ذاتها، وإنما في غياب الشفافية والإفصاح المالي، فالممارسات الإدارية الرشيدة تقتضي إصدار ميزانية سنوية تتضمن إجمالي الإيرادات، وقيمة العوائد البنكية، والمصروفات الفعلية، وأوجه الإنفاق، والفائض أو العجز، بما يمنح الملاك رؤية واضحة لكيفية إدارة الأموال التي سبق لهم سدادها.

وفي المقابل، يرى مطورون وشركات إدارة أن ارتفاع تكاليف التشغيل خلال السنوات الأخيرة فرض واقعًا جديدًا، بعد الزيادات الكبيرة في أسعار الكهرباء والمياه والوقود، وارتفاع أجور العمالة، وتكاليف الأمن والنظافة وصيانة المصاعد والبوابات الإلكترونية وشبكات الري والمساحات الخضراء، وهو ما يجعل زيادة رسوم الصيانة أمرًا يصعب تجنبه للحفاظ على مستوى الخدمات.

إلا أن هذا التبرير لا ينهي الجدل، إذ يطالب الملاك بالإفصاح عن أثر العوائد البنكية على ميزانيات الصيانة، وما إذا كانت تلك العوائد تُستخدم بالفعل في تقليل قيمة الرسوم أو تمويل جزء من النفقات التشغيلية.

من الناحية القانونية، ينظم قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية، إلى جانب القواعد المنظمة لاتحادات الشاغلين، إدارة وصيانة الأجزاء المشتركة في العقارات والمجتمعات السكنية. ويمنح اتحاد الشاغلين دورًا في متابعة أعمال الإدارة والصيانة بعد اكتمال تشكيله، إلا أن التطبيق العملي يختلف من مشروع إلى آخر، إذ تستمر بعض الشركات في إدارة المشروعات لفترات طويلة، بينما لا يتمكن الملاك في حالات أخرى من ممارسة دور رقابي فعال على الميزانيات والحسابات.

ويرى متخصصون في الشأن العقاري أن تعزيز دور اتحادات الشاغلين، مع إلزام شركات الإدارة بإصدار قوائم مالية سنوية معتمدة من مراقب حسابات مستقل، من شأنه الحد من النزاعات المتكررة بين الملاك والمطورين، ورفع مستوى الثقة داخل المجتمعات العمرانية.

كما يطالب عدد من الخبراء بوضع ضوابط أكثر وضوحًا لإدارة ودائع الصيانة، تشمل الإعلان عن قيمة الوديعة الأصلية، والعوائد البنكية المتحققة، وإجمالي الإيرادات والمصروفات، مع تمكين الملاك من الاطلاع على تلك البيانات بصورة دورية، باعتبار أن هذه الأموال خُصصت لخدمة المشروع وسكانه.

ويؤكد الخبراء أن الشفافية لا تحمي حقوق الملاك فقط، بل تصب أيضًا في مصلحة المطورين الجادين، لأنها تعزز الثقة في السوق العقارية وتقلل من النزاعات القضائية والخلافات التي تنشأ بسبب غياب المعلومات.

ومع استمرار التوسع في إنشاء المدن الجديدة والكمبوندات المغلقة، يبدو أن ملف ودائع الصيانة سيظل حاضرًا بقوة خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل تنامي وعي المشترين بحقوقهم، وارتفاع قيمة الأموال المخصصة للصيانة، واتساع المطالبات بوضع إطار تنظيمي أكثر دقة يضمن الإفصاح عن إدارة هذه الأموال وعوائدها.