24 ربيع الأول 1448 الموافق الأحد 06 سبتمبر 2026

أخطر نزاع عقاري في الساحل الشمالي:

1500 مالك في “جنة العريف” فشلوا في استلام وحداتهم بعد 33 عاما من التعاقد .. وتصاعد النزاع بعد ظهور مشروع “كريستا”

الإسكان 24

في الساحل الشمالي، حيث ارتفعت أسعار الأراضي والوحدات العقارية خلال السنوات الأخيرة بصورة غير مسبوقة، لا تزال هناك ملفات قديمة لم تغلق صفحاتها بعد، بعضها يعود إلى عقود مضت، ويضع أصحابها اليوم أمام سؤال صعب: متى تنتهي رحلة الانتظار؟

ومن بين هذه الملفات، تبرز أزمة ملاك قرية جنة العريف في سيدي عبدالرحمن، بالكيلو 124 طريق الإسكندرية–مطروح، وهي أزمة يقول أصحابها إنها مستمرة منذ نحو 33 عامًا، وتخص قرابة 1500 مالك، معظمهم أصبحوا ورثة، بعد شراء فيلات وشاليهات وأراضٍ في القرية منذ عام 1992.

القصة، بحسب روايات عدد من الملاك والمستندات التي يستندون إليها، لم تعد مجرد خلاف تعاقدي قديم، وإنما تحولت إلى نزاع ممتد حول ملكية الأرض ومصير الوحدات والمشروعات التي ظهرت على الموقع خلال السنوات الماضية.

البداية كانت في 1992.. ثم بدأت الأزمة

يقول ملاك إنهم اشتروا وحداتهم وأراضيهم في جنة العريف منذ عام 1992، وإن نحو 700 مالك تمكنوا بالفعل من استلام الفيلات والشاليهات، وفرشوها وقضوا فيها الإجازات لسنوات طويلة.

بمعنى آخر، الحديث هنا – وفق رواية أصحاب تلك الوحدات – لا يدور عن أراضٍ لم تدخل حيز الانتفاع، وإنما عن وحدات عاش أصحابها داخلها سنوات، وارتبطت بالمكان ذكريات عائلية امتدت عبر أجيال.

لكن المشهد تغير لاحقًا مع نشوب خلافات بين الشركات المرتبطة بالمشروع، وتطور الأمر – بحسب رواية الملاك – إلى واقعة إطلاق نار أسفرت عن مقتل أحد الغفراء، قبل أن يضع أحد الشركاء يده على القرية.

ويقول الملاك إنهم اكتشفوا لاحقًا أن هذا الشريك كان يمتلك نحو 18% من الأرض، وإن أمواله تعرضت للتحفظ بسبب صلة منسوبة إليه بجماعة الإخوان المسلمين، وهذه التطورات أدت إلى دخول لجنة التحفظ على خط الأزمة، لتصبح القرية أمام وضع أكثر تعقيدًا.

كنا بندخل بيوتنا بشكل طبيعي

على مدار تلك الفترة، يؤكد الملاك أنهم استمروا في الدخول إلى وحداتهم واستخدامها بصورة طبيعية.

ويقول أصحاب الشكاوى إنهم طالبوا باستبعاد أملاكهم من أي إجراءات مرتبطة بالأرض محل النزاع، وكان الرد، بحسب روايتهم، أنهم معترفون بحقوقهم، لكن المشكلة تتعلق بانتظار مطور يتولى إعادة تنظيم القرية واستكمال مخططها.

وكان ظهور شركة ماونتن فيو كمطور للمشروع نقطة أمل بالنسبة لعدد كبير من الملاك، الذين اعتقدوا أن الملف بات أخيرًا أمام طريق للحل، لكن الأزمة لم تنتهِ أيضا.

مخطط جديد يفتح الباب أمام سيناريوهات أخرى

بحسب رواية الملاك، قيل لهم إن القرية تحتاج إلى مخطط جديد وفقًا لاشتراطات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

ومع المفاوضات، ظهر تصور لحل النزاع يقوم على خيارين، أن يحصل من يريد الاستمرار على وحدة بديلة، بينما يحصل من يريد الانسحاب على تعويض مالي مناسب وفق سعر الأرض وقتها.

غير أن الملاك يقولون إن الصورة تغيرت لاحقًا، وإن العرض الذي أصبح مطروحًا أمامهم تحول إلى تعويض مالي فقط، يقدر – وفق روايتهم – بنحو 3000 جنيه للمتر، في وقت يقولون فيه إن سعر المتر في المنطقة يصل إلى نحو 200 ألف جنيه.

وهنا انفجر الخلاف من جديد، الملاك رفضوا العرض، واتجهوا إلى القضاء، واستعانوا بعدد من المحامين، من بينهم نقيب المحامين السابق سامح عاشور ، كما وجهوا إنذارات إلى الجهات المعنية للمطالبة بعدم التعرض لأملاكهم.

ثم جاءت المفاجأة: معدات وهدم ليلًا

أكثر فصول الأزمة إثارة، بحسب رواية الملاك، جاء لاحقًا عندما فوجئوا بدخول معدات إلى الموقع خلال ساعات الليل، وبدء أعمال هدم طالت عددًا من الفيلات.

ويقول أصحاب الشكاوى إنهم وثقوا عمليات نقل لحديد ومخلفات هدم، وإن عدد شاحنات نقل الحديد وصل – بحسب ما يقولون – إلى 71 شاحنة.

ومن هنا لم يعد السؤال بالنسبة لهم متعلقًا فقط بمصير الأرض، وإنما امتد إلى مصير الوحدات الموجودة عليها، وما إذا كانت الإجراءات التي تمت جاءت في إطار قانوني يحسم النزاع، أم أنها تمت قبل انتهاء المسار القضائي الذي يخوضه الملاك.

وهذه نقطة شديدة الحساسية، خصوصًا في ظل استمرار الدعاوى القضائية التي يقول الملاك إنها منظورة أمام جهات القضاء المدني والإداري.

«كريستا».. اسم جديد في قلب أزمة قديمة

في خضم هذه التطورات، ظهر اسم مشروع «كريستا» ضمن المشروعات التي يتم تسويقها على الأرض محل النزاع، بحسب ما يقوله الملاك.

وهنا أطلق أصحاب الحقوق تحذيرًا للمشترين المحتملين من التسرع في حجز أو شراء وحدات داخل أي مشروع على الأرض، إلى حين اتضاح الموقف القانوني النهائي.

ويقول الملاك إنهم لا يتحدثون عن أرض مجهولة المصدر أو مجرد وضع يد، وإنما يؤكدون امتلاكهم عقودًا، وأن الأرض – بحسب روايتهم – مسجلة في الشهر العقاري بمطروح.

ومن ثم، فإن القضية بالنسبة لهم ليست خلافًا على «وضع يد» بقدر ما هي نزاع على حقوق يقولون إنها ثابتة بالمستندات.

تحذير قانوني من مكتب سامح عاشور

التصعيد لم يتوقف عند تحركات الملاك، فقد أصدر مكتب الأستاذ سامح عاشور، المحامي بالنقض، بيانًا حمل عنوان «تنبيه هام»، حذر فيه من التعامل على مشروعات يتم تسويقها بأسماء «كريستا – بولايلاند – لا بلاج»، والتي يقال إنها تقام على أرض قرية جنة العريف بالكيلو 124 طريق الإسكندرية–مطروح في سيدي عبدالرحمن.

وأكد البيان، بحسب نصه، أن هناك ملكيات لأصحابها بعقود مسجلة أو عقود ابتدائية غير منكرة أو متنازع عليها، فضلًا عن وجود دعاوى قضائية أمام القضاء المدني والإداري وبلاغات أمام النيابة العامة.

كما دعا البيان إلى عدم التعامل على الأرض محل النزاع لحين صدور أحكام قضائية نهائية، محذرًا من أن أي تعامل قد يترتب عليه – بحسب المكتب – مسؤوليات قانونية ومدنية وجنائية، فضلًا عن المخاطر التي قد يتعرض لها المشترون.

 

لكن أين تقف القضية الآن؟

اللافت في هذا الملف أن أطرافًا مختلفة تتحدث من مواقع قانونية ومصالح متباينة، بينما تظل الكلمة الأخيرة – في حسم الملكيات والنزاعات – للقضاء والجهات المختصة.

فالملاك متمسكون بحقوقهم، ويقولون إن بحوزتهم مستندات وعقودًا تثبت ملكياتهم.

وفي المقابل، فإن أي مشروع جديد يتم تسويقه على الأرض يحتاج بطبيعته إلى وضوح كامل في الموقف القانوني للأرض، حتى لا يتحول المشتري الجديد إلى طرف في نزاع لم يكن جزءًا منه من البداية.

وهنا تكمن أهمية التحذير من الشراء قبل التحقق من الموقف القانوني للمشروع والأرض، وليس فقط الاكتفاء بالإعلانات أو أسماء المطورين أو وعود التسليم.

ما يجري في جنة العريف ليس مجرد خلاف قديم يعود إلى التسعينيات، بل ملف عقاري ما زال حيًا، تتشابك فيه ملكيات خاصة، ومشروعات جديدة، ونزاعات قضائية، وحقوق لملاك يقولون إنهم انتظروا أكثر من ثلاثة عقود للوصول إلى حل نهائي.

وبينما يستعد الساحل الشمالي لاستقبال موجة جديدة من المشروعات والاستثمارات، تظل جنة العريف واحدة من الملفات التي تفرض سؤالًا بسيطًا لكنه بالغ الأهمية، متى يحصل أصحاب الحقوق على كلمة نهائية تحسم مصير أرضهم ووحداتهم؟

إلى أن تصدر الأحكام النهائية وتستقر المراكز القانونية بصورة لا لبس فيها، تبقى القصة مفتوحة، ويبقى الملاك متمسكين بما يقولون إنه حقهم، بينما تظل مسؤولية أي مشترٍ جديد هي أن يفحص أوراق الأرض وموقف المشروع القانوني بدقة قبل دفع أي أموال.