24 ربيع الأول 1448 الموافق الأحد 06 سبتمبر 2026

الحاجزون يدفعون ضريبة “التكويش على المناصب”:

لغز تأخر مشروعات صندوق التنمية الحضرية؟

خالد صديق رئيس صندوق
خالد صديق رئيس صندوق التنمية الحضرية

في الوقت الذي يرفع فيه صندوق التنمية الحضرية شعار تطوير المناطق العمرانية وإقامة مشروعات سكنية متكاملة تليق بالمواطنين، تبدو الصورة على الأرض أكثر تعقيدًا في عدد من المشروعات، بعدما دخل بعض الحاجزين في دوامة من الانتظار، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب تأخر التنفيذ ومواعيد التسليم، وما إذا كانت المشكلة مرتبطة فقط بالتحديات التنفيذية أم أن هناك أسبابًا إدارية تستحق المراجعة.

اللافت أن شكاوى المواطنين لم تعد تدور فقط حول تأخر موعد استلام الوحدات، وإنما امتدت إلى غياب الوضوح بشأن الجداول الزمنية النهائية، وتغير التوقعات الخاصة بالتسليم، وهو ما وضع عددًا من الحاجزين أمام التزامات مالية مستمرة في مقابل وحدات لم تدخل حيز الاستلام في المواعيد المنتظرة.

مشروعات تنتظر.. وحاجزون يسألون

المشكلة بالنسبة للحاجزين لا تتوقف عند تأخر الأعمال الإنشائية، فشراء الوحدة بالنسبة للمواطن قرار مالي كبير، وغالبًا ما يرتبط بالتزامات أخرى مثل الإيجار والأقساط ومصاريف المعيشة، وبالتالي فإن أي تأخير طويل في التسليم يضاعف الأعباء ويجعل المواطن هو الطرف الأكثر تحملًا لتكلفة التأخير.

ومع تكرار الشكاوى، يبرز سؤال أساسي: أين تقف أسباب التأخير؟

هل ترتبط بظروف التنفيذ والمقاولين وسلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الإنشاء؟ أم أن هناك مشكلات في آليات الإدارة والمتابعة والتنسيق بين الجهات المختلفة؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بمشروعات تابعة لجهة حكومية يفترض أن تتمتع بقدرة أكبر على المتابعة والتدخل لحل العقبات.

 

لغز الجمع بين منصبين

ومن بين الملفات التي تستحق الفحص، يأتي وضع رئيس صندوق التنمية الحضرية، مع الحديث عن جمعه بين رئاسة الصندوق وبين تولي مهمة الإشراف على مكتب وزيرة الإسكان.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد الجمع بين مهمتين في حد ذاته، وإنما بالسؤال حول قدرة المسؤول على منح كل ملف الوقت والجهد المطلوبين، خصوصًا مع اتساع حجم الملفات التنفيذية التي تتطلب متابعة مستمرة ومباشرة.

فإدارة صندوق يعمل على مشروعات متعددة في مدن مختلفة تحتاج إلى متابعة يومية لمعدلات التنفيذ، والتعامل مع المقاولين، وحل المشكلات، ومراجعة الجداول الزمنية، والاستماع إلى شكاوى الحاجزين.

وفي المقابل، فإن الإشراف على مكتب وزيرة الإسكان يمثل مسؤولية أخرى بطبيعتها، بما تحمله من ملفات واجتماعات وتنسيق بين قطاعات وكيانات عديدة.

ومن هنا تظهر فرضية تحتاج إلى إجابة واضحة: هل يؤثر تشابك الاختصاصات وتعدد المسؤوليات على سرعة اتخاذ القرار ومتابعة المشروعات؟

لا يمكن الجزم بأن الجمع بين المنصبين هو السبب المباشر وراء تأخر أي مشروع دون أدلة أو بيانات رسمية، لكن استمرار شكاوى الحاجزين يجعل من المشروع طرح السؤال وفتح باب المراجعة، خاصة إذا تزامن التأخير مع عدم وضوح كافٍ بشأن أسباب التعطل ومواعيد التسليم الجديدة.

 

المواطن في النهاية هو من يدفع الثمن

بعيدًا عن الحسابات الإدارية، تبقى الحقيقة الأهم أن المواطن هو الطرف الذي يتحمل تبعات أي تأخير.

الحاجز دفع مقدمات وأقساطًا، وبنى خطته المالية على موعد محدد للحصول على وحدته، وبالتالي فإن تأخر التسليم لفترات طويلة لا يمثل مجرد تأجيل لموعد استلام مفتاح، وإنما قد يتحول إلى أزمة مالية واجتماعية حقيقية.

وهنا تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب أكثر وضوحًا من صندوق التنمية الحضرية تجاه الحاجزين، يتضمن نسب التنفيذ الفعلية، وأسباب التأخير إن وجدت، والجداول الزمنية المحدثة للتسليم، والإجراءات التي اتخذتها الإدارة لضمان عدم تكرار التأخير.

كما أن نشر بيانات دورية عن معدلات الإنجاز في المشروعات المتأخرة قد يكون خطوة مهمة لاستعادة ثقة المواطنين، بدلًا من ترك الحاجزين أمام معلومات متضاربة أو مواعيد غير واضحة.

 

المطلوب.. كشف حساب

ملف تأخر مشروعات صندوق التنمية الحضرية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تبادل للاتهامات، وإنما يحتاج إلى كشف حساب إداري وتنفيذي واضح.

كم بلغت نسب الإنجاز في المشروعات المتأخرة؟ وما أسباب عدم الالتزام بالمواعيد المعلنة؟ ومن المسؤول عن متابعة التنفيذ؟ وهل تعدد المناصب والمسؤوليات يؤثر بالفعل على كفاءة المتابعة أم لا؟

الإجابة عن هذه الأسئلة لا تخدم الحاجزين فقط، وإنما تحمي أيضًا صورة الصندوق وتكشف للرأي العام حقيقة ما يجري داخل المشروعات.

القضية ليست في لقب أو منصب، وإنما في النتيجة على الأرض: مشروعات تُنجز في مواعيدها، ومواطن يحصل على وحدته دون سنوات إضافية من الانتظار.

فإذا كانت هناك أسباب حقيقية وراء التأخير، فمن حق المواطنين معرفتها، وإذا كانت هناك مشكلات إدارية، فمن حق الدولة إصلاحها، أما أن يظل الحاجزون في دائرة الانتظار دون إجابات واضحة، فهنا تصبح المساءلة ضرورة وليست رفاهية.