الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

ملف ضخم وظهور محدود.. لماذا لم ينجح أحمد إبراهيم في نقل صورة إنجازات الإسكان؟

م. أحمد ابراهيم والإعلامي
م. أحمد ابراهيم والإعلامي اسامة

في وقت يشهد فيه ملف الإسكان والتوسع العمراني حجمًا كبيرًا من المشروعات والاستثمارات، كان ظهور المهندس أحمد إبراهيم، نائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لقطاع التخطيط والمشروعات، مع الإعلامي أسامة كمال فرصة لعرض الصورة الكاملة أمام الرأي العام، خاصة أن القطاع الذي يتولاه يرتبط مباشرة بالتخطيط للمدن الجديدة ومشروعاتها ومستهدفاتها.

لكن اللقاء جاء أقل من حجم الملف الذي كان مطروحًا للنقاش؛ فبدلًا من الغوص في تفاصيل المشروعات، وتقديم أرقامها ودلالاتها وشرح ما تحقق على الأرض، غلب على الحديث الطابع العام، بينما ظلت الكثير من التفاصيل التي يمكن أن تكشف حجم العمل في قطاع الإسكان خارج مساحة الحوار. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: ملف يحمل إنجازات ومشروعات ضخمة، لكن الرسالة التي وصلت للمشاهد لم تكن بالوضوح والقوة التي تتناسب مع حجم ما يتم تنفيذه.

فالظهور التلفزيوني لمسؤول بهذا الموقع لا يقتصر على سرد أرقام متفرقة، وإنما يمثل فرصة لتحويل البيانات والمشروعات إلى صورة مفهومة للمواطن: ماذا تغير؟ وما الذي تحقق؟ وما حجم الاستثمارات؟ وكيف انعكست مشروعات المدن الجديدة على خريطة العمران؟ وهي تفاصيل كان يمكن أن تجعل اللقاء أكثر ثراءً وتكشف للرأي العام جوانب متعددة من عمل الهيئة.

وبينما تحدث إبراهيم عن مؤشرات مهمة تتعلق بالتوسع العمراني وعدد المدن والاستثمارات وتطور أسعار العقارات، فإن طريقة تقديم هذه الأرقام لم تمنحها المساحة الكافية لتوضيح دلالاتها، لتبقى النتيجة ظهورًا لم يستطع، في نظر منتقدي اللقاء، أن يعكس بالكامل حجم الملف الذي يمثله أو حجم الإنجازات المرتبطة به.

حالة الارتباك الواضحة لأحمد إبراهيم، أدركها الإعلامي أسامة كمال بين السطور منذ اللحظات الأولى، وعلم أنه أمام مسئول لا يمتلك خبره في الحديث عن مشروعات وزارة الإسكان. 

المشكلة لم تكن في أن ما قاله المسؤول يخلو بالكامل من المعلومات، فقد تحدث عن تضاعف نسبة العمران في مصر من 7% إلى 14% خلال عشر سنوات، وعن ارتفاع عدد المدن والتجمعات العمرانية إلى 62 مدينة، كما تناول حجم الاستثمارات العقارية وتطور أسعار الوحدات خلال السنوات الأخيرة، لكن هذه الأرقام، رغم أهميتها، ظهرت منفصلة عن التفاصيل التي تمنحها معناها الحقيقي، وهو ما جعل الحديث يبدو عاماً أكثر من اللازم بالنسبة لمسؤول يشغل موقعاً تنفيذياً وتخطيطياً بهذا الحجم.أرقام كبيرة دون تفكيك كافٍ.

عندما يتحدث مسؤول في هيئة المجتمعات العمرانية عن تضاعف رقعة العمران أو ارتفاع الاستثمارات عشرة أضعاف خلال عقد، فإن الرأي العام ينتظر منه أن يشرح ماذا تعني هذه الأرقام على الأرض، وما انعكاسها على المدن الجديدة، وعلى معدلات التنمية، وعلى المواطن الذي أصبح يواجه أسعاراً عقارية تفوق قدرته على الشراء.

أما الاكتفاء بذكر الرقم ثم الانتقال إلى رقم آخر، فيجعل الحوار أقرب إلى استعراض للمؤشرات منه إلى قراءة حقيقية لملف الإسكان.

وكان يمكن للقاء أن يتحول إلى مادة إعلامية مهمة لو جرى تقديم الأرقام في سياقها الكامل، خصوصاً أن أحمد إبراهيم يتولى قطاع التخطيط والمشروعات داخل الهيئة، وهو القطاع الذي يفترض أن تكون لديه صورة تفصيلية عن حجم الأراضي، ومعدلات التنفيذ، ونسب الإشغال، وحجم الاستثمارات، ومستهدفات المدن الجديدة.

 

الحديث عن أسعار العقارات جاء أقرب إلى التبرير

الأمر نفسه ظهر عند الحديث عن الارتفاعات الكبيرة في أسعار العقارات خلال السنوات الأخيرة. فقد أرجع إبراهيم جانباً من الزيادة إلى التضخم وتغير سعر العملة وارتفاع تكلفة مواد البناء والأزمات العالمية، وهي عوامل حقيقية لا يمكن تجاهل تأثيرها في السوق.

لكن المشكلة أن الحديث توقف تقريباً عند تفسير أسباب الارتفاع، من دون تقديم قراءة أكثر عمقاً لحجم الزيادة وما إذا كانت جميعها مرتبطة بالفعل بتكلفة التنفيذ أم أن هناك عوامل أخرى ساهمت في وصول الأسعار إلى مستوياتها الحالية.

وعندما وصف السوق العقارية بأنها أحد مخازن القيمة، وأشار إلى إمكانية مرورها بفترات من الاستقرار قبل معاودة الارتفاع، كان يحتاج إلى تقديم رؤية أكثر وضوحاً حول مستقبل السوق، خصوصاً في ظل اتساع الفجوة بين أسعار الوحدات ودخول قطاعات كبيرة من المواطنين.

أما عبارة «المشتري اشترى التروماي»، فبدت أقرب إلى جملة تلفزيونية لافتة منها إلى معالجة اقتصادية لواحدة من أكثر القضايا حساسية في السوق العقارية المصرية.

المشكلة الأوضح ظهرت في ملف إعادة البيع

كان ملف إعادة بيع الوحدات أحد أهم الملفات التي أشار إليها اللقاء، بعدما أقر أحمد إبراهيم بوجود صعوبة تواجه مالكي العقارات القديمة في ظل نظم التقسيط الطويلة التي يقدمها المطورون، والتي تصل في بعض الحالات إلى 10 و15 عاماً.

وهنا كان من الممكن تقديم معالجة أكثر عمقاً لمشكلة أصبحت تمس شريحة كبيرة من ملاك الوحدات، خصوصاً مع تغير شكل السوق وتوسع المطورين في مدد السداد الطويلة.

الاعتراف بوجود المشكلة خطوة مهمة، لكنه لا يكفي عندما يكون الحديث عن مسؤول يمثل جهة تملك أدوات تنظيم جانب واسع من السوق. المواطن كان يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت هناك رؤية واضحة لمعالجة هذه الفجوة، وليس مجرد الإقرار بأنها موجودة.

 

ظهور المسؤول يعكس صورة المؤسسة

المسألة في النهاية لا تتعلق بأحمد إبراهيم كشخص، وإنما بصورة المسؤول الحكومي عندما يظهر أمام ملايين المشاهدين للحديث عن ملف شديد الحساسية.

المسؤول لا يدخل الاستوديو بصفته خبيراً خاصاً بالسوق، وإنما بصفته ممثلاً لمؤسسة رسمية تملك واحدة من أكبر محافظ الأراضي والمشروعات في مصر. ولهذا فإن ظهوره يفترض أن يكون مدعوماً ببيانات دقيقة، وأرقام واضحة، ورسائل محددة يستطيع المواطن فهمها.

وما زاد من حدة الانطباع السلبي أن قطاع التخطيط والمشروعات تحديداً من أكثر قطاعات الهيئة ارتباطاً بالأرقام والتفاصيل، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون الظهور أكثر إحكاماً من حيث المعلومات والإجابات.

 

الإسكان تحتاج إلى تغيير طريقة تقديم رسائلها

الظهور التلفزيوني للمسؤولين لم يعد مجرد مناسبة للحديث عن الإنجازات، خصوصاً في ظل سوق عقارية شديدة التعقيد وارتفاع مستوى اهتمام المواطنين بأسعار الوحدات وأوضاع المطورين وحقوق المشترين.

المواطن يريد أن يعرف ماذا تحقق، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يفهم لماذا ارتفعت الأسعار، وما الذي تفعله الدولة لضبط السوق، وكيف ستتم حماية حقوقه، وما هي التشريعات التي يجري إعدادها لتنظيم العلاقة بين المطور والمشتري.

ولهذا فإن المشكلة الحقيقية في لقاء أحمد إبراهيم لم تكن في نقص الملفات التي يمكن الحديث عنها، بل في أن الملفات نفسها لم تحصل على القدر الكافي من الشرح والتحليل.

 

مسؤول بحجم الملف يحتاج إلى استعداد أكبر

لا يمكن إنكار حجم ما أنجزته الدولة في ملف المدن الجديدة والتوسع العمراني، كما لا يمكن اختزال دور هيئة المجتمعات العمرانية في ظهور تلفزيوني واحد. لكن قوة المؤسسة لا تظهر فقط في حجم المشروعات التي تنفذها، وإنما كذلك في قدرتها على شرح ما تفعله للرأي العام بصورة دقيقة ومقنعة.

ومن هنا كان ظهور أحمد إبراهيم في «مساء DMC» فرصة لم تستغل بالشكل الكافي، فقد خرج المشاهد بأرقام كبيرة وعبارات عامة، لكنه لم يحصل بالقدر نفسه على الصورة التفصيلية التي كان ينتظرها من مسؤول في هذا الموقع.

وفي ملف بحجم الإسكان، لا تكفي الجمل الواسعة ولا الأرقام المجردة، المطلوب مسؤول يعرف التفاصيل، ويدرك حساسية الأسئلة التي تشغل المواطنين، ويستطيع أن يقدم إجابات واضحة ومحددة دون أن يترك انطباعاً بأن ملفات الوزارة والهيئة أكبر من مساحة معرفته بها.