من حلم «الحياة الكريمة» إلى كابوس الإيجارات.. ماذا يحدث خلف جدران الحي التاسع بأكتوبر؟
في الوقت الذي تخطو فيه الدولة المصرية خطوات حثيثة نحو تحسين جودة الحياة وتوفير السكن الملائم للمواطنين عبر مشاريع عملاقة ومبادرات رئاسية، تقف معانات أهالي وملاك "الحي التاسع" بمدينة 6 أكتوبر الشاهد الأبرز على الفجوة بين التوجيهات الرئاسية وتطبيقها على أرض الواقع من قبل البيروقراطية الإدارية والجهات التنفيذية.
سلسلة من الأزمات المركبة عاشها ولا يزال يعيشها مئات المغتربين والمواطنين الذين وضعوا تحويشة عمرهم وشقاء سنوات الغربة في وحدات سكنية داخل حي يُفترض أنه يتوسط إحدى أهم المدن العمرانية في مصر، ليجدوا أنفسهم أمام "سراب" من الوعود والمسكنات التي امتدت لأكثر من ست سنوات.
غائب في "قلب العمران".. حي في وسط البلد بلا كهرباء أو مياه
على عكس المتوقع لأي منطقة سكنية استثمارية أو قومية تقع في قلب مدينة 6 أكتوبر وتُحاط بأحياء مكتملة المرافق والخدمات، يُعاني الحي التاسع من شلل تام في بنيته التحتية. فلا شبكات مياه منتظمة، ولا صرف صحي مكتمل، ولا طرق ممهدة تُسهل سير الحياة؛ بل تتراكم جبال "الراتش" ومخلفات البناء لتعزل المباني وتطمس ملامح الحي.
لكن المأساة الحقيقية -كما يرويها الأهالي- تكمن في أزمة الكهرباء. فبالرغم من جلسات الحوار والوعود المتكررة من رؤساء جهاز المدينة المتعاقبين، والتي أسفرت عن وعد بتوفير قدرة (5 ميجا) كحل مؤقت للحي، إلا أن الواقع يثبت أنه حتى بعد مرور أكثر من عام على هذا الوعد، لم تصل الكهرباء سوى لـ 125 عمائر فقط من أصل أكثر من 450 عمارة سكنية، لتظل باقي العقارات قيد الإظلام التام.
شماعة "المطابقة".. روتين يعطل الحياة وألغاز إدارية غير مفهومة
تتوقف شبكات التغذية وحق المواطنين في توصيل عدادات الكهرباء عند عثرة إدارية يُطلق عليها "شرط المطابقة".. ويتساءل الملاك باستنكار: لماذا تُغلق المطابقة في وجه عمارات جاهزة بالسكان وتُعطل ضخ الكهرباء بحجج إجرائية يُمكن حلها بقرار تيسيري واحد؟
يتطلع أهالي الحي إلى قرار عاجل بفتح ملف المطابقات وتيسير إجراءات الاعتماد لشريحتي "أرضي + 3 أدوار" و"أرضي + 5 أدوار"، مؤكدين أن التعنت الروتيني المستمر يضع علامات استفهام كبرى حول غياب المرونة لدى الأجهزة التنفيذية في التعامل مع ملف سكن يحمل بعداً اجتماعياً وإنسانياً عاجلاً.
استنزاف مادي واستغلال للغياب.. الشقق مفروشة والحرامية بالمرصاد
لم تقف الأزمة عند حدود الحرمان من الخدمات الأساسية، بل امتدت لتشكل نزيفاً مالياً ونفسياً يومياً على كاهل الأسر حيث اضطر غالبية الملاك إلى استئجار شقق سكنية بأسعار مرتفعة للغاية في مناطق أخرى لعدم قدرتهم على الانتقال إلى وحداتهم المملوكة الجاهزة والمفروشة بالكامل، مما يكبد الأسرة عبئاً مالياً مضاعفاً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
كما تحولت المباني المهجورة قسراً من أصحابها إلى بيئة خصبة لسرقة مواد التشطيبات، الكابلات، والمحتويات الداخلية؛ حيث يفتقر الحي لأي مظلة أمنية أو حراسة تنظيمية، مما جعل ممتلكات المواطنين التي صُرف عليها ملايين الجنيهات صيداً سهلاً للخارجين عن القانون.
مناشدة عاجلة إلى القيادة السياسية ووزارة الإسكان
أمام غياب حلول جادة على الأرض واقتصار ردود جهاز تنمية مدينة 6 أكتوبر على المسكنات والوعود الشفهية، يوجه ملاك الحي التاسع استغاثهم المباشرة إلى رئيس الجمهورية ووزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، مطبقين حقهم في إيصال صوتهم للإدارة السياسية للتدخل السريع عبر إصدار قرار تيسيري استثنائي لفتح ملف المطابقات (أرضي+3 / أرضي+5) وإلغاء التعقيدات الروتينية لضخ الكهرباء فوراً وإلزام جهاز المدينة بجدول زمني محدد لإدخال شبكات المياه والصرف الصحي وتسهيل حركة الطرق ورفع مخلفات البناء وتوفير التغطية الأمنية اللازمة لحماية ممتلكات المواطنين والحد من وقائع السرقة المتكررة.
يبقى الحي التاسع بـ 6 أكتوبر نموذجاً صارخاً لضرورة المتابعة الميدانية الصارمة لقرارات ومشاريع هيئة المجتمعات العمرانية، حتى لا تتحول الأحلام السكنية للمواطنين إلى معانات ممتدة تحت مقصلة الروتين.