هاني أبو زيد يكتب: الجمع بين منصبين ومرتبين .. هل خلت هيئة المجتمعات العمرانية من الكفاءات؟
لم تعد التساؤلات داخل أروقة وزارة الإسكان تتعلق فقط بحجم المشروعات التي تنفذها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، أو معدلات الإنجاز في المدن الجديدة، وإنما امتدت إلى طريقة إدارة هذه المنظومة، ومعايير اختيار القيادات التي تتولى مسؤولية الملفات المهمة، في ظل ملاحظات متزايدة بشأن الجمع بين أكثر من منصب، والحصول على مقابل مادي عن أكثر من موقع وظيفي، إلى جانب تكليف عناصر شابة بمهام قيادية رغم محدودية سنوات خبرتها العملية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبحت المناصب القيادية داخل وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تُدار بمنطق تدوير المسؤوليات وتعدد التكليفات، أم أن هناك رؤية واضحة لإعادة توزيع الأدوار والاستفادة من الكفاءات؟ وهل خلت الهيئة، بما تملكه من تاريخ طويل وخبرات إدارية وهندسية متراكمة، من القيادات القادرة على تولي هذه المواقع؟
الجمع بين منصبين ليس في حد ذاته مخالفة أو أمرًا مرفوضًا، فقد تفرض طبيعة العمل أحيانًا تكليف مسؤول بمهام إضافية، خاصة في المراحل الانتقالية أو عند الحاجة إلى سرعة اتخاذ القرار. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى نمط إداري متكرر، دون إعلان واضح عن مبرراته، أو تحديد مدة التكليف، أو بيان كيفية ضمان عدم تعارض الاختصاصات والمسؤوليات.
لكن السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق فقط بعدد المناصب التي يشغلها المسؤول، وإنما بما يحصل عليه مقابل ذلك: هل يجمع بعض المسؤولين بين راتبين أو أكثر نظير شغلهم منصبين؟ وهل يحصل المسؤول على مكافآت وبدلات إضافية عن كل موقع، رغم أن بعض هذه المهام قد تكون متداخلة أو مرتبطة بطبيعة وظيفته الأصلية؟
هنا نحن أمام ملف يستحق المراجعة والشفافية، فالجمع بين منصبين والحصول على مقابل مادي عن كل منهما يجب أن يستند إلى سند قانوني وقرارات تنظيمية واضحة، وأن تكون هناك مهام فعلية ومسؤوليات محددة تقابل ما يحصل عليه المسؤول من أجر أو مكافآت.
والسؤال الذي يطرح نفسه: من يراجع هذه المستحقات؟ وهل توجد ضوابط تضمن عدم ازدواج صرف الأموال دون مبرر وظيفي؟ وهل تتناسب المبالغ التي يحصل عليها المسؤولون مع حجم العمل الذي يؤدونه بالفعل؟
فالأمر لا يتعلق بالحسابات الشخصية للمسؤولين، وإنما بحقوق المال العام وضرورة التأكد من أن كل جنيه يُصرف له مقابل قانوني ووظيفي واضح. كما أن غياب المعلومات عن طبيعة هذه التكليفات ومقابلها المالي يفتح الباب أمام التساؤلات، ويجعل إعلان الضوابط المنظمة لها ضرورة لتعزيز الثقة والشفافية.
الأمر لا يتوقف عند تعدد المناصب والمقابل المالي، فهناك تساؤلات أخرى تتعلق بظاهرة الدفع بعناصر شابة إلى مواقع قيادية داخل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، في ظل انتقادات يطرحها متابعون بشأن محدودية الخبرة العملية لبعض شاغلي هذه المواقع، مقارنة بحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
وبالطبع، لا يمكن اعتبار صغر السن عيبًا، ولا يصح إغلاق أبواب القيادة أمام الشباب، فالمؤسسات الناجحة تحتاج إلى تجديد الدماء والاستفادة من الأفكار الجديدة، لكن التجديد لا يعني تجاوز الخبرة، ولا ينبغي أن يكون معيار الاختيار هو الثقة وحدها أو القرب من دوائر صنع القرار، وإنما يجب أن يستند إلى الكفاءة والإنجاز والقدرة على إدارة الملفات المعقدة.
هيئة المجتمعات العمرانية ليست مؤسسة إدارية عادية، بل واحدة من أكبر المؤسسات المعنية بإدارة التنمية العمرانية في مصر، وتتعامل مع مليارات الجنيهات، وأراضٍ واستثمارات ومشروعات بنية أساسية ومدن جديدة، فضلًا عن ملفات تخصيص الأراضي والتعاقدات والمرافق والخدمات والتعامل المباشر مع المستثمرين والمواطنين.
وهذه الملفات لا تحتمل التجربة أو التعلم على حساب القرار، كما أن إدارتها تتطلب مزيجًا من الخبرة الفنية والإدارية والقانونية والقدرة على قراءة المشكلات قبل تفاقمها. ومن هنا تأتي أهمية وجود قيادات تمتلك سجلًا مهنيًا واضحًا، وتدرجًا وظيفيًا يؤهلها لتحمل المسؤولية، إلى جانب إتاحة الفرصة للكوادر الشابة التي أثبتت كفاءتها بالفعل.
والسؤال الأكثر أهمية: أين ذهبت الخبرات المتراكمة داخل الهيئة؟ هل لم تعد هناك قيادات تمتلك الكفاءة اللازمة لتولي المناصب؟ أم أن معايير الاختيار تغيرت وأصبحت هناك حسابات أخرى تتقدم على معيار الخبرة والتدرج الوظيفي؟
لا أحد يطالب بإقصاء الشباب أو إعادة إنتاج القيادات القديمة لمجرد أنها شغلت مناصب سابقة، فالمناصب ليست مكافآت نهاية خدمة، كما أن سنوات العمل وحدها لا تصنع قائدًا ناجحًا. لكن المطلوب هو أن تكون هناك معايير معلنة للاختيار، وأن يعرف العاملون والمتابعون لماذا وقع الاختيار على مسؤول بعينه، وما مؤهلاته وخبراته، وما النتائج المنتظرة منه.
كما أن الجمع بين المناصب يحتاج إلى مراجعة مؤسسية، تضمن وضوح المسؤوليات وعدم تركز السلطات في يد مسؤول واحد، وتمنع تضارب المصالح، وتحدد آليات المحاسبة عن الأداء. وبالمثل، فإن مراجعة الأجور والمكافآت والبدلات المرتبطة بتعدد التكليفات تضمن أن تكون هناك علاقة واضحة بين المسؤولية والمقابل المادي، وفقًا للقواعد القانونية والمالية المنظمة.
إن وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة أمام مرحلة تتطلب إدارة أكثر كفاءة وشفافية، خاصة مع اتساع حجم المشروعات والتحديات المرتبطة بتوفير الخدمات وتحسين جودة الحياة داخل المدن الجديدة. ولذلك فإن مراجعة فلسفة اختيار القيادات وتوزيع المناصب والمستحقات المالية ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة لضمان استدامة الأداء وحماية المال العام وتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابة واضحة من وزارة الإسكان: هل الجمع بين أكثر من منصب والحصول على مقابل مادي عن كل منصب، وتكليف قيادات حديثة الخبرة، اختيارات مؤقتة تفرضها ظروف العمل، أم أنها أصبحت نهجًا مستقرًا في إدارة الهيئة؟ وما المعايير التي تحكم هذه القرارات، ومن يراجعها ويحاسب المسؤولين عنها؟
فالمؤسسات الكبرى لا تُقاس بعدد المناصب التي يشغلها المسؤول الواحد، ولا بعدد المرتبات التي يحصل عليها، ولا بعدد الوجوه الشابة التي تتصدر المشهد، وإنما بقدرتها على اختيار الشخص المناسب للموقع المناسب، وتحقيق التوازن بين حيوية الشباب وحكمة الخبرة، وضمان أن يكون المال العام في مقابل عمل حقيقي ومسؤولية واضحة.