11 ذو الحجة 1447 الموافق الخميس 28 مايو 2026

تضارب مصالح وشبهات فساد.. لماذا انفجر ملف مخالفات البناء في الشيخ زايد؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

عاد ملف مخالفات البناء بمدينة الشيخ زايد إلى الواجهة مجددًا، بعد تصاعد مطالبات بفتح تحقيقات موسعة حول ما وصفه مواطنون ومهتمون بالشأن العمراني بـ"منظومة فساد متكاملة" داخل بعض الإدارات المعنية بالتراخيص والتفتيش والتصالح، وسط تساؤلات متزايدة بشأن أسباب انتشار ظاهرة الأدوار المخالفة والروفات غير القانونية رغم وجود قوانين واضحة تنظم البناء والتعامل مع المخالفات.

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت بعض مناطق الشيخ زايد إلى ساحة جدل واسعة بسبب التوسع في إنشاء أدوار مخالفة وتعديلات معمارية خارج الاشتراطات الأصلية، في وقت يرى فيه مراقبون أن المدينة، التي تمثل واحدة من أبرز مدن الجيل الثاني ذات الطابع العمراني المتميز، أصبحت تواجه خطر فقدان هويتها التخطيطية نتيجة التراخي في مواجهة المخالفات.

مخالفات تتوسع.. والإزالات تتراجع

ويرى متابعون لملف العمران أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمخالفات فردية محدودة، وإنما باتت تعكس حالة من الانفلات التدريجي في بعض المناطق، مع انتشار ما يعرف بـ"الروفات المخالفة" والأدوار الإضافية التي يتم تنفيذها بالمخالفة للتراخيص الصادرة.

وبحسب شكاوى متداولة بين السكان، فإن حملات الإزالة التي كانت تُنفذ سابقًا تراجعت بصورة لافتة خلال الفترات الأخيرة، ما شجع البعض على استكمال أعمال مخالفة في ظل اعتقاد بضعف الرقابة أو إمكانية تقنين الوضع لاحقًا عبر التصالح.

ويحذر خبراء تخطيط عمراني من أن استمرار هذا المشهد قد يؤدي إلى ضغوط ضخمة على شبكات المرافق والبنية التحتية، خاصة أن المدن الجديدة جرى تصميمها وفق كثافات سكانية محددة لا تحتمل زيادات عشوائية خارج المخطط.

أزمة التصالح.. هل تحول القانون إلى باب خلفي للمخالفة؟

أحد أخطر ما يثار داخل هذا الملف يتعلق بطريقة إدارة بعض ملفات التصالح، حيث تتردد اتهامات بوجود تضارب مصالح داخل بعض اللجان، من خلال مشاركة عناصر سبق لها التعامل مع المخالفات نفسها سواء عبر التفتيش أو تحرير المحاضر أو المتابعة الفنية.

ويعتبر قانونيون أن أي شبهة تضارب مصالح داخل منظومة التصالح تمثل تهديدًا مباشرًا لفلسفة القانون نفسه، الذي صدر بالأساس بهدف تقنين أوضاع محددة وتحقيق الانضباط العمراني، وليس تحويل المخالفة إلى أمر واقع دائم.

كما يرى البعض أن غياب الفصل الكامل بين جهات الرقابة والتنفيذ والتصالح قد يفتح الباب أمام شبهات استغلال النفوذ أو التربح، خاصة في ظل الشكاوى المتكررة من تفاوت التعامل مع المخالفات بين حالة وأخرى.

 

تساؤلات حول الرقابة والمحاسبة

ويطرح تصاعد الأزمة سؤالًا مهمًا: أين دور الرقابة الداخلية والمتابعة الفنية؟، خاصة مع تكرار الحديث عن وجود مخالفات واضحة قائمة على الأرض لفترات طويلة دون تدخل حاسم.

ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن أخطر ما في الملف ليس فقط وجود المخالفات، وإنما تحول بعض المخالفات إلى أمر معتاد داخل المدينة، بما يهدد هيبة القانون ويؤثر على ثقة المواطنين في منظومة التنظيم العمراني بالكامل.

كما يشير البعض إلى أن استمرار الجدل دون وجود ردود رسمية أو نتائج تحقيقات واضحة يزيد من حالة الاحتقان بين السكان، خاصة في ظل المخاوف من تأثير هذه المخالفات على القيمة العقارية والطابع الحضاري للمدينة.

مطالب بمراجعة شاملة للملف

ومع اتساع حالة الجدل، تصاعدت المطالب بضرورة فتح مراجعة شاملة لملف التراخيص والتصالح داخل الشيخ زايد، تشمل فحص آليات إصدار التراخيص، ومراجعة ملفات التصالح التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تشديد الرقابة الميدانية على أعمال البناء.

كما طالب عدد من السكان بضرورة استخدام وسائل حديثة لرصد المخالفات، مثل التصوير الجوي والخرائط الرقمية، لضمان حصر أي تعديات جديدة ومنع تفاقمها قبل تحولها إلى كتل عمرانية يصعب التعامل معها لاحقًا.

الشيخ زايد بين التخطيط الراقي وفوضى المخالفات

ويرى متخصصون في التخطيط العمراني أن مدينة الشيخ زايد لم تُنشأ كمدينة عشوائية، بل باعتبارها نموذجًا للمدن المنظمة منخفضة الكثافة، وهو ما يجعل أي توسع مخالف خطرًا مباشرًا على فلسفة المدينة نفسها.

ويؤكد خبراء أن الحفاظ على مدن الجيل الثاني والثالث لا يرتبط فقط ببناء الطرق والمشروعات، وإنما أيضًا بفرض الانضباط العمراني وتطبيق القانون بعدالة وشفافية على الجميع دون استثناء.

وفي ظل تصاعد الشكاوى والاتهامات، تتجه الأنظار حاليًا نحو الجهات الرقابية والتنفيذية لمعرفة ما إذا كانت الفترة المقبلة ستشهد تحركًا حاسمًا لإعادة الانضباط إلى ملف البناء داخل الشيخ زايد، أم أن الأزمة ستظل مفتوحة وسط حالة الجدل المتصاعدة.