الإسكان 24
رئيس التحرير
عصام كامل

المطور في مواجهة السكان.. كيف أصبحت جروبات الكمبوندات «محاكم شعبية»؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم تعد جروبات سكان الكمبوندات على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مساحة لتبادل أخبار السكان أو الإعلان عن فقدان سيارة أو البحث عن طبيب أو مدرس قريب، فخلال السنوات الأخيرة تحولت هذه الجروبات إلى ساحة رئيسية لعرض الشكاوى ومناقشة الأزمات والضغط على شركات التطوير العقاري، حتى أصبح بعض السكان يلجأون إليها قبل اللجوء إلى الجهات الرسمية، وأحيانا بدلا منها.

المشهد أصبح متكررا داخل العديد من المشروعات السكنية: مشكلة تبدأ مع أحد السكان بسبب تأخر في التسليم أو عيب في التشطيب أو خلاف على رسوم الصيانة، ثم تنتقل إلى جروب السكان، وبعد ساعات تتحول الشكوى الفردية إلى نقاش جماعي، وتبدأ الصور والفيديوهات والمستندات في الانتشار، لتتحول المشكلة من أزمة بين مالك وشركة إلى قضية رأي عام داخل الكمبوند.

ولم تعد هذه الظاهرة بعيدة عن المشهد العقاري العام، خاصة مع تصاعد شكاوى العملاء من تأخر تسليم الوحدات وتغيير بعض المواصفات والخلافات حول الخدمات والصيانة، وهي أزمات دفعت إلى تجدد الحديث خلال العام الجاري عن الحاجة إلى تنظيم العلاقة بين المطورين والمشترين بصورة أكثر وضوحا.

«الجروب» أول مكان يذهب إليه السكان

بالنسبة للسكان، جروب الكمبوند يمثل مساحة لا تحتاج إلى إجراءات أو مواعيد أو ملفات رسمية، فصاحب الشكوى يستطيع كتابة تجربته خلال دقائق، وإرفاق صور أو فيديوهات أو نسخة من خطاب أرسله إلى إدارة المشروع، ثم ينتظر ردود باقي السكان.

ومع تكرار التجارب، تبدأ الشكوى الفردية في اكتساب وزن أكبر، خصوصا عندما يكتشف صاحبها أن المشكلة لا تخص وحدته وحدها، وإنما تتكرر مع عشرات السكان.

وهنا يتحول الجروب من مجرد مساحة للتواصل الاجتماعي إلى ما يشبه «غرفة عمليات» يدير فيها السكان تحركاتهم، ويتبادلون المستندات، وينظمون الشكاوى، ويتفقون على مخاطبة الشركة أو جهاز المدينة أو جهاز حماية المستهلك.

وهذه ليست ظاهرة جديدة بالكامل، فقد رصدت تقارير سابقة انتشار صفحات وجروبات لمتضرري الشركات العقارية على مواقع التواصل، وصل بعضها إلى عشرات ومئات الآلاف من المتابعين، مع تحولها إلى منصات رئيسية لتبادل تجارب المشترين.

من شكوى فردية إلى ضغط جماعي

القوة الحقيقية لهذه الجروبات لا تأتي من عدد أعضائها فقط، وإنما من قدرتها على تحويل المشكلة من علاقة ثنائية بين مواطن وشركة إلى قضية جماعية يصعب تجاهلها.

فعندما يكتب ساكن عن تأخر تسليم وحدته، ثم يرد عليه عشرات السكان بالشكوى نفسها، تصبح الصورة مختلفة تماما عن حالة فردية يمكن التعامل معها من خلال خدمة العملاء.

الأمر نفسه ينطبق على مشكلات الصيانة والمرافق والخدمات والأعمال الإنشائية، إذ يمكن للسكان توثيق المشكلة بالصور والفيديوهات ومقارنتها بما ورد في الإعلانات أو العقود، وهو ما يمنحهم أداة ضغط إضافية في مواجهة الشركات.

وخلال الأيام الأخيرة، عادت شكاوى عملاء بعض المشروعات العقارية إلى الواجهة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالتزامن مع توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بمراجعة أوضاع المشروعات والعقود والتأكد من التزام الشركات بمواعيد التنفيذ والتسليم، وهو ما منح بعض هذه الجروبات دفعة جديدة باعتبارها مساحة يعرض من خلالها السكان ما يقولون إنها مشكلات لم تجد طريقها إلى الحل.

 

«المحكمة الشعبية».. قوة الضغط ومشكلة الإثبات

لكن تحول الجروبات إلى ما يشبه «المحاكم الشعبية» له وجه آخر لا يمكن تجاهله.

فالجروب قد ينجح في كشف مشكلة حقيقية، لكنه في الوقت نفسه ليس جهة تحقيق ولا محكمة، وما ينشر داخله من صور أو مستندات أو روايات لا يعني تلقائيا ثبوت المسؤولية على الشركة.

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين الشكوى التي تحتاج إلى تحقيق وبين الحكم الذي صدر بالفعل.

فقد يصف أحد السكان مشروعا بأنه متعثر، بينما ترى الشركة أن المشروع يسير وفقا للبرنامج الزمني المعدل، وقد يعتبر أحد السكان مطالبة مالية مخالفة، بينما تستند الشركة إلى بند واضح في العقد.

ولهذا فإن تحويل منشورات الجروبات إلى مادة صحفية يحتاج إلى خطوة إضافية: مراجعة العقود والمستندات، وسؤال الجهة المختصة، والحصول على رد الشركة، والتأكد من أن المشكلة عامة وليست حالة فردية.

وهذا لا يقلل من أهمية الجروبات، بل على العكس، يجعلها مصدر إنذار مبكر يمكن للصحافة والجهات الرقابية الاستفادة منه، بشرط ألا تتحول الشكوى المنشورة إلى حقيقة نهائية قبل التحقق منها.

لماذا يفضل السكان فيسبوك على الشكوى الرسمية؟

جزء من الإجابة يرتبط بسهولة الوصول فجهاز حماية المستهلك يتيح بالفعل للمواطنين تقديم الشكاوى من خلال الموقع الإلكتروني، والخط الساخن، وواتساب، والتطبيق، كما يشترط إرفاق المستندات المتعلقة بالشكوى.

لكن المواطن لا يبحث فقط عن تسجيل شكواه، وإنما يريد في كثير من الأحيان أن يعرف هل هناك آخرون يواجهون المشكلة نفسها.

وهنا تمنحه جروبات السكان شيئا لا توفره الشكوى الرسمية بالضرورة: الإحساس بأنه ليس وحده.

عندما يكتشف المواطن أن عشرات السكان يواجهون المشكلة نفسها، يصبح أكثر قدرة على تنظيم موقفه، وجمع المستندات، والتواصل مع الشركة أو الجهات الحكومية بصورة جماعية.

وبذلك أصبح جروب السكان في بعض المشروعات حلقة وسيطة بين المواطن والجهة الرسمية، يبدأ فيها تجميع المشكلة قبل انتقالها إلى المسار القانوني أو الإداري.

 

نزاعات الكمبوندات لم تعد مجرد خلافات شخصية

المشكلة أن اتساع السوق العقارية وزيادة حجم المشروعات أدى إلى تحول العلاقة بين المطور والمشتري إلى علاقة مالية ضخمة تمتد لسنوات.

المواطن قد يدفع ملايين الجنيهات مقابل وحدة يتم تسليمها بعد سنوات، وخلال هذه الفترة يمكن أن تظهر خلافات حول مواعيد التسليم أو المواصفات أو الخدمات أو الصيانة أو الرسوم الإضافية.

وتشير تقارير حديثة إلى أن تأخر التسليم وتعديل مواصفات المشروعات من أبرز الأزمات المتكررة بين المطورين والعملاء، بالتزامن مع مطالبات بوضع إطار أكثر وضوحا لتنظيم العلاقة التعاقدية بين الطرفين.

وفي هذا السياق، لم يعد غريبا أن يبدأ النزاع من جروب على فيسبوك، ثم ينتقل إلى جهاز المدينة أو جهاز حماية المستهلك أو المحاكم، وقد يصل في بعض الحالات إلى البرلمان أو وسائل الإعلام.

 

المطور أمام اختبار جديد.. الرد لم يعد كافيا

في المقابل، وضعت جروبات السكان شركات التطوير العقاري أمام نوع جديد من الضغط.

ففي السابق كان التعامل مع الشكوى يتم غالبا من خلال خدمة العملاء أو المراسلات المباشرة، أما الآن فأي مشكلة قابلة للانتشار بين آلاف السكان خلال دقائق.

وهذا يفرض على الشركات أن تتعامل مع التواصل المجتمعي باعتباره جزءا من إدارة المشروع، وليس مجرد أزمة علاقات عامة.

والأهم أن الرد على الشكوى لم يعد كافيا إذا لم يصاحبه تفسير واضح أو جدول زمني أو مستندات، لأن غياب المعلومات يترك مساحة أكبر للتكهنات والروايات المتضاربة.

وفي المقابل، فإن الشركات التي تقدم ردا موثقا وتشرح موقفها للسكان تستطيع في كثير من الأحيان منع تحول المشكلة إلى أزمة أكبر.

«السوشيال ميديا» تكشف مشكلة أعمق في السوق

وراء انتشار جروبات الشكاوى توجد مشكلة أكبر تتعلق بالثقة بين طرفي العلاقة.

فالمشتري الذي يدفع جزءا كبيرا من مدخراته في وحدة تحت الإنشاء يريد أن يعرف أن العقد الذي وقعه سيظل هو المرجع، وأن المواصفات التي دفع مقابلها لن تتغير، وأن موعد التسليم لن يتحول إلى وعد مفتوح، وأن أي رسوم إضافية ستكون واضحة ومبررة.

وفي المقابل، يرى المطورون أن السوق تعرضت خلال السنوات الماضية لضغوط كبيرة بسبب تغير تكاليف البناء وأسعار مواد الخام والتمويل، وأن استمرار المشروعات يحتاج إلى بيئة تنظيمية توازن بين حقوق المشترين وقدرة الشركات على الاستمرار.

هذه الفجوة بين توقعات الطرفين هي التي تجعل أي مشكلة صغيرة قابلة للتحول إلى أزمة كبيرة بمجرد انتقالها إلى السوشيال ميديا.

 

القانون يعتبر الوحدة العقارية «منتجا».. لكن النزاع لا ينتهي عند هذا الحد

قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 أحاط التعامل على الوحدات العقارية بعدد من الضوابط، ومن بينها منع الإعلان عن حجز وحدات أو التعاقد على بيعها قبل الحصول على تراخيص البناء، كما أن أحكام القضاء أكدت خضوع بيع الوحدات العقارية لأحكام حماية المستهلك باعتبار الوحدة منتجا في مفهوم القانون.

لكن النزاعات العقارية لا تنحصر دائما في مخالفة واضحة، وإنما قد ترتبط بتفسير بنود العقد، ومواعيد التسليم، وتغير المواصفات، والخدمات المشتركة، والصيانة، وآليات التعويض، وهي ملفات تحتاج في النهاية إلى فحص المستندات والوقائع وليس فقط إلى منشور على مواقع التواصل.

ولهذا فإن قوة جروبات السكان الحقيقية ليست في إصدار الأحكام، وإنما في تجميع الوقائع وإظهار الأنماط المتكررة.

 

من «محكمة شعبية» إلى إنذار مبكر

ربما يكون الوصف الأدق لجروبات الكمبوندات أنها تحولت إلى «محاكم شعبية» من حيث الشكل، لكنها في الواقع تؤدي وظيفة أخرى أكثر أهمية، وهي كشف المشكلات قبل أن تصل إلى مرحلة الانفجار.

فإذا تكررت عشرات الشكاوى من مشروع واحد حول التسليم، أو ظهرت مجموعة كبيرة من السكان تتحدث عن مشكلة واحدة في الخدمات أو الصيانة، فهذه إشارة تستحق أن تراجعها الشركة والجهة المسؤولة قبل أن تتحول إلى نزاع واسع.

والأمر نفسه ينطبق على الجهات الرقابية، التي يمكنها استخدام شكاوى السكان كمؤشر يساعدها على تحديد المشروعات أو الملفات التي تحتاج إلى فحص أعمق.

وقد سبق أن تحركت جهات تنظيمية بالفعل بعد رصد شكاوى سكان المجمعات العمرانية المغلقة، ففي ملف خدمات الاتصالات داخل الكمبوندات عقد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وجهاز حماية المنافسة اجتماعا مع المطورين وشركات الاتصالات بعد رصد شكاوى تتعلق بصعوبة الحصول على الخدمات وتقييد حرية الاختيار.

 

المشكلة ليست في الجروب.. المشكلة عندما يصبح هو الطريق الوحيد

في النهاية، لا يمكن تحميل جروبات السكان مسؤولية النزاعات العقارية، لأنها في الأساس نتيجة لوجود مشكلات أو شعور بعدم كفاية قنوات التواصل التقليدية.

لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الجروب هو الطريق الوحيد أمام المواطن للحصول على حقه، أو عندما تتحول المنشورات إلى أحكام نهائية دون مستندات أو تحقيق أو رد من الطرف الآخر.

السوشيال ميديا تستطيع أن ترفع المشكلة إلى السطح، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحسمها.

والحل الحقيقي لا يكمن في إغلاق جروبات السكان أو منع الشكاوى، وإنما في أن تكون هناك قنوات رسمية سريعة وفعالة تجعل المواطن لا يحتاج إلى تحويل مشكلته إلى ترند حتى يسمعه أحد.

فالمواطن الذي اشترى وحدة بملايين الجنيهات لا يريد أن يصبح ناشطا على فيسبوك حتى يحصل على حقه، والمطور الجاد لا يجب أن ينتظر انتشار شكوى حتى يرد عليها.

وفي سوق عقارية تتجه الدولة إلى مزيد من التنظيم والحوكمة، ربما يكون التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة هو نقل الشكوى من «جروب السكان» إلى نظام رسمي يستطيع استقبالها والتحقق منها وحلها قبل أن تتحول إلى معركة على السوشيال ميديا.

عندها فقط تتراجع «المحكمة الشعبية»، ويعود الجروب إلى وظيفته الطبيعية: مكانا يجتمع فيه السكان، لا محكمة يحاولون من خلالها انتزاع حقوقهم.