09 صفر 1448 الموافق الخميس 23 يوليو 2026

"حُفر الموت" في ١٥ مايو.. ٩ أشهر من الإهمال تُحوّل الشوارع إلى حقول ألغام

 صورة من الحفر، الاسكان
صورة من الحفر، الاسكان ٢٤

بين ليلة وضحاها، تحولت الممرات الخضراء والشوارع الهادئة لمدينة ١٥ مايو إلى ما يشبه "حقول الألغام" المفتوحة.. حفرٌ ممتدة على مدار تسعة أشهر كاملة، لم تنتج شجراً ولا خضرة، بل تحولت إلى أوكار آمنة للكلاب الضالة، ومصائد تتربص بأقدام الأطفال الصغار.

لكن خلف هذه المشاهد الإنسانية القاسية التي تشهدها المدينة، تكشف المستندات وصرخات الأهالي عن وجه آخر للأزمة؛ وجهٌ يتعلق بـ"شبهات الفساد الإداري"، واستعراض النفوذ، وتحدي هيبة الدولة من قِبل شركة مقاولات خاصة تظن أنها فوق المحاسبة وسحب الأعمال.

في هذا التحقيق، نفتح ملف "زراعة مدينة ١٥ مايو"، ونبحث عن السر وراء صمت جهاز المدينة عن مهزلة مستمرة منذ شهور، ومن هو المسؤول الكبير في "هيئة المجتمعات العمرانية" الذي تحتمي الشركة باسمه؟

مأساة على الرصيف: وعود تخديرية وأطفال في مرمى الخطر

 

بدأت فصول المأساة عندما شرعت شركة (الفردوس) للزراعة في حفر "الجور" تمهيداً لزراعة الأشجار ضمن خطة التطوير. حتى هنا يبدو الأمر اعتيادياً، لكن الغريب هو ترك هذه الحفر مكشوفة وعميقة لأكثر من ٢٧٠ يوماً. 

يقول سكان المدينة بمرارة: "بحّت أصواتنا ونحن نطالب بردم هذه الحفر أو زراعتها قبل عيد الأضحى المبارك، وتلقينا وعوداً تخديرية من مسؤولي إدارة الزراعة بأن الشجر سيتم غرسُه فور انتهاء العيد مباشرة. مرّ العيد، ومرت الشهور، ولم يتغير من الواقع المرير شيء".

المأساة الإنسانية تتفاقم مع تحول هذه الحفر إلى بيئة خصبة لتجمع الكلاب الضالة الشرسة، مما جعل السير في شوارع المدينة مغامرة غير مأمونة العواقب للأطفال والنساء، وسط مخاوف حقيقية من وقوع كارثة إنسانية (عقر طفل أو سقوطه في حفرة) قد تحدث في أي لحظة.

خيوط التواطؤ: من يحمي شركة "الفردوس" داخل جهاز المدينة؟

 

العمق الحقيقي لهذه الأزمة لا يكمن في "تكاسل" شركة مقاولات، بل في "استقوائها" ورفضها الانصياع لكراسة الشروط. تشير تطلعات السكان ومعلومات الأروقة الإدارية إلى أن شركة (الفردوس) تتعامل بكبرياء إداري غير مبرر، مستندة إلى "تربيطات" وعلاقات وطيدة تدعيها مع قيادات داخل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

هذا النفوذ المزعوم يُستخدم – بحسب الشكاوى المرفوعة – لترهيب مسؤولي جهاز المدينة ومنعهم من اتخاذ القرار القانوني الطبيعي في مثل هذه الحالات، وهو "فسخ التعاقد وسحب الأعمال فوراً وتسييل خطاب الضمان".

وتوجه أصابع الاتهام والمساءلة الشعبية إلى طرفين داخل المنظومة الإدارية:

 -مسؤول الإدارة المركزية بالهيئة: الذي تتبجح الشركة باسمه علناً، لتوحي للجميع بأنها محصنة ضد أي جزاءات أو غرامات تأخير.

-مهندس الزراعة بجهاز مدينة ١٥ مايو: الذي تضع الدوائر الرقابية والشعبية علامات استفهام كبرى حول دوره، وكيفية تغاضيه وتأجيله لكتابة تقارير "إثبات حالة" تدين الشركة طوال هذه الشهور التسعة.

صراع الشرعية: هيبة جهاز المدينة في الميزان

في مقابل هذا التغول من شركة المقاولات، يبرز موقف واضح من سكان المدينة الذين يؤكدون دعمهم للقيادة الشرعية الوحيدة للمدينة، والمتمثلة في المهندس خالد نائف (رئيس جهاز مدينة ١٥ مايو).

إن لغز الأزمة يتلخص في سؤال تطرحه جماهير المدينة: كيف لشركة مقاولات منفذة أن تفرض كلمتها وشروطها على الجهاز ؟

إن القواعد المستقرة في المشروعات القومية بالجمهورية الجديدة واضحة: "الشركات تُنفّذ ولا تُقرّر.. تلتزم بالجدول الزمني أو ترحل".. أما تحويل المواطنين وحياة أطفالهم إلى رهائن لـ"علاقات شخصية ومصالح ضيقة"، فهو أمر يضرب هيبة الإدارة المحلية في مقتل.

ورغم قتام المشهد، يشير الأهالي إلى بصيص أمل تمثل في جهود تحركت مؤخراً لإزالة "غبار الماضي" داخل إدارة الزراعة بالجهاز، مما يعكس رغبة حقيقية من شرفاء الإدارة في الإصلاح، لكنها تظل جهوداً مكبلة بنفوذ الشركة ومظلتها الحمائية.

 

مطالب حاسمة.. الكرة في ملعب وزيرة الإسكان

 

لم يعد الصبر ممكناً، ولم تعد الوعود الشفهية تنطلي على أحد. وأمام هذا التقرير المستند إلى صرخات الواقع، يرفع سكان مدينة ١٥ مايو "استغاثة عاجلة" إلى المهندسة راندة المنشاوي وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، تتضمن ثلاثة مطالب لا تقبل التفاوض:

١. فتح تحقيق عاجل وموسع من التفتيش الفني بالوزارة للتحقيق في "شبهة استغلال النفوذ" وتحديد أسباب تأخر زراعة الجور لمدد وصلت لـ ٩ أشهر.

٢. سحب الأعمال فوراً من شركة (الفردوس) وإسنادها لشركة وطنية ملتزمة لردم حفر الموت وإنقاذ الأطفال قبل وقوع الكارثة.

٣. محاسبة المقصرين في إدارة زراعة الجهاز الذين تواطئوا بالصمت أو التأجيل طوال الفترة الماضية.